; هل« الإسلام السياسي » هو الذي فشل أم خصومه ؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل« الإسلام السياسي » هو الذي فشل أم خصومه ؟

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر السبت 06-يونيو-2009

مشاهدات 58

نشر في العدد 1855

نشر في الصفحة 66

السبت 06-يونيو-2009

إن الأحزاب الإسلامية المشاركة في الحكومات، وهي قليلة - من إندونيسيا إلى الجزائر – قد أسهمت تجربتها بعض الشيء في تطويرها ذاتيا فجعلتها أكثر فقها بالواقع المحلي والدولي، وفوتت على أعداء الإسلام فرصة دفعها إلى الصدام مع الحكومات مما تضررت منه التجربة الديمقراطية كثيرًا .. ولكن هذه المشاركات تبقى في عمومها جزئية، وأحيانًا ضارة بالأحزاب المشاركة نفسها، وبصورة الإسلام بسبب عجزها عن تغيير السياسات العامة بل إنها أحيانا تكون غير قادرة حتى على حماية ما هو قائم من مكاسب للعربية وللدين.

ففي الجزائر – مثلًا– لم تمنع مشاركة الإسلاميين من التراجع عن برنامج التعريب ونظام التعليم الأصلي « الإسلامي» كما لم تمكن مشاركة الإسلاميين المصريين والأردنيين في الحياة السياسية من وقف التطبيع، ولا فتح المعابر، ولا حتى وقف بيع الغاز للكيان الصهيوني، مما يخشى معه أن تكون مشاركة الإسلاميين مجرد عامل تزيين لصورة الحكم وإضفاء للشرعية الدينية عليه، وهو أمر خطير على الحركات المشاركة ذاتها : بل على صورة الإسلام ذاته، وقد يفضي بها إلى التراجع وحتى إلى التمزق.. ولكن ذلك إن أخر فريقا إسلاميًا فسيفسح المجال لفريق آخر، ما دام مد الصحوة صاعدًا، وهو من أوسع من أن يستوعبه ويحتويه تنظيم مهما عتا.

أما الجماعات الإسلامية التي استقلت بالحكم - مثلما هو الأمر في إيران، والسودان، وحركة «طالبان» سابقًا - فوضعها مختلف إذ عانت جميعها من الحصار والاستهداف دوليا وإقليميا، حتى لوجودها ذاته، فانفجر الوضع السوداني تحت وقع الحصار، ولما يخرج بعد من حروبه الأهلية، ولما يحقق وحدته الوطنية.

أما التجربة الإيرانية فهي الأخرى تعيش تحت وقع الحصار الدولي، وتكابد من أجل تحقيق قدر من توازن القوة مع أعدائها، ما يستنزف قدرًا كبيرا من مواردها تأمينا لبقائها في مواجهة أضخم تكتل دولي مستعينا بتواطؤ إقليمي.. ومع ذلك فقد تمكن النموذج الإيراني من إرساء نظام مستقر يحقق التداول في نطاق الأيديولوجيا الرسمية للدولة «ولاية الفقيه» ويوفر استقلال قراره وتصميمه على انتهاج مشروع تنموي ضخم، يقدم الدعم المقاومة المشروع الصهيوني الذي استسلمت له المنطقة تقريبًا.. ومع أنه ليس مبرأ من المآخذ إلا أنه يبقى متقدما بالقياس إلى الأنظمة العربية المجاورة، سواء على صعيد نظامه السياسي، أو على صعيد استقلال قراره، أو دعمه للقضية المركزية للأمة « فلسطين».

 أما مشروع «طالبان» فهو أقرب انتماء لتراث ما قبل الحركة الإسلامية، الذي هو مزيج من الإسلام والحداثة، ولك أن تدعوها الحداثة الإسلامية.

وتظل الصورة العامة لوضع الإسلام - وربما الأفضل ضمن الظروف القائمة - أنه في المعارضة للاستبداد العلماني المحلي وللهيمنة الدولية الداعمة له، سواء أكانت معارضة معترفًا بها والمعارضة الجادة مثل الإسلاميين هم في غني عن استجداء اعتراف من خصوم لا يملكون شرعية أصلًا، فضلًا عن أن المعارضة في الإسلام هي جزء من واجبات المسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وأداؤه لا يحتاج إلى إذن من حاكم - أم كانت تدور عليها رحى القمع إلى درجة السحق أحيانًا أخرى. وفي كل الأحوال، فقد أصبح المشروع الإسلامي أوسع من أن يختزله حزب أو برنامج للحكم، فالحكم مجرد جزء من مشروعه، وليس هو الأعظم والأهم، ولذلك سقطت للإسلام دول لا تحصى، بينما استمر فعله في الأمة والتاريخ.. ولطالما عرفت حضارة الإسلام ازدهارا في مجتمعات زاخرة بالفكر والثروة في ظل دول فاسدة، حيث كانت سلطة الدول محدودة والمبادرة الحرة متاحة .. وإنما اشتد طلب الإسلاميين على الحكم بأثر دولة الحداثة التي تغوّلت حتى خنقت مبادرات المجتمع وابتلعته.

 إن مركز المشروع الإسلامي هو «الإنسان» - فردًا وأسرة وعلاقات اجتماعية - باعتباره مشروعًا مجتمعيًا تربويًا يتجه إلى الإنسان ليحقق في حياته - أيًّا كان وضعه - حضورًا لله في حياته يلون كل فكره ومشاعره وسائر مسالكه وعلاقاته بصبغة إلهية.. وفي هذا الصدد يمكن اعتبار المشروع الإسلامي رغم ضعف إنجازه في مستوى الوصول إلى السلطة بسبب عوائق الميزان الدولي المائل حتى الآن لصالح خصومه - أنه حقق إنجازات كبرى على صعيد الأمة تؤهله عن جدارة للحديث باسم الرأي العام في الأمة الإسلامية.. نعم، إنه في المعارضة والعلمانية في السلطة، ولكنه المعارضة الأقوى والأوسع شعبية ولم يكن الأمر كذلك قبل أكثر من ثلاثين عامًا..

الرابط المختصر :