; هل تحتضر الماسونية حقًّا؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تحتضر الماسونية حقًّا؟

الكاتب عبدالله نافع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1983

مشاهدات 67

نشر في العدد 634

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 23-أغسطس-1983

- الماسونيون يؤمنون بضرورة التماذج بين الحضارة الإسلامية والغربية دون ضوابط!

- لا يمكن لأحد أن ينفي مسؤولية المسلمين في واقعهم المتردي.

- الماسونية ترى أن سيطرتها على العالم لا تكون إلا بالتركيز على النخبة ذات النفوذ بالمجتمع.

- نوادي الروتاري نشطة في تونس علنًا.

اهتم كثير من الكتاب الإسلاميين وغيرهم بالحركات الماسونية وبينوا كثيرًا من أخبارها، وتكاد تُجمع الكتابات الواقعية على خطر هذه الحركة العالمية على المجتمع البشري بأسره، ومع كل ذلك فهناك بعض الأصوات -ممن تنسب نفسها إلى الإسلام- تحاول التقليل من خطر هذه الحركات الماسونية أو غض الطرف عنها، وليس بإمكانهم العمل أكثر من ذلك حتى لا يضعون أنفسهم في مواطن الشبهة.

مجلة مشبوهة!

من هؤلاء أصحاب مجلة (15×21) التونسية الذين تهجموا على كل فكر إسلامي صحيح، وبعدها امتدحوا الشيوعية واليسار والاشتراكية ومزجوا الماركسية بالمفاهيم الإسلامية، وادَّعوا أنهم وحدهم يمكنهم فهم الإسلام على حقيقته وسموا أنفسهم بالتيار اليساري الإسلامي، وتنبأوا بمستقبل فكرهم في محاولة ذاتية لتبرير عدم استساغة المسلمين لأفكارهم.

وقبل أن نضع علامات الاستفهام على هذا التيار وظروف نشأته والأيدي التي تصفق له، فإننا نريد الوقوف عند دعوى هذا التيار «بأن الماسونية تحتضر!» وأنها استنفدت أغراضها أو تكاد، وذلك حسبما ورد في العدد الرابع من مجلتهم الصادرة في شهر أبريل 1983.

استغلال كتابات عماد الدين خليل

افتتح المقال بفقرة من كتابات الدكتور عماد الدين خليل، وهي كلمة حق لكن هؤلاء أرادوا أن يتخذوها مقدمة تمكنهم من مهاجمة خصوم وهميين.

تؤكد مقدمة الدكتور عماد الدين خليل أن القرآن يبين أن الأمم تتحمل مسؤولياتها كاملة في الأحداث التاريخية المتحولة، ولا يجوز أن تلقي بالمسؤولية على غيرها من الأمم، وهذه الفكرة التي يذكرها هذا المفكر الإسلامي ليست بجديدة على الفكر الإسلامي وإنما هي امتداد لما عرف به الفكر الإسلامي الصحيح.

ولا يمكن لأحد أن ينفي المسؤولية عن المسلمين الحاليين في واقعهم المتردي، ولكن هذا لا يعني إغفال الحركات الداخلية التي حاولت أن تستفيد من هذا الوضع لتزيد في تدهوره، وليست الماسونية إلا واحدة من هذه الحركات وغيرها كثير، وواضح للعيان ما تتمتع به الماسونية من نفوذ في السياسات العالمية وفي سياسات العالم الثالث بصفة أخص.

التعتيم على الماسونية

والمسلم الذي لم يتمكن من إحداث عملية التغيير والبناء في مجتمعه، فإنه يعترف بتقصيره ويؤمن بأن الله ينصر من يستحق النصر ويأخذ بأسبابه، وهذا لا يتنافى مع وجود بعض الكتابات الإسلامية التي تعتمد على العاطفة أكثر من اعتمادها على التحليل العلمي، فاكتفت ببيان الخطر الماسوني دون أن تدخل في تفاصيل هذا الخطر، ولئن كنا نؤمن بوجوب الابتعاد عن المبالغات في الوصف فإننا نؤمن كذلك بأن محاولات التعتيم على الماسونية أخطر بكثير على المسلمين؛ لأن من شأن هذا التعتيم أن يفيد الأعداء كثيرًا.

مقولات مغلوطة

ولا داعي للخلط بين قضيتين منفصلتين: الأولى أننا مسؤولون عن تردينا، والثانية أن الماسونية تشكل خطرًا لا على المسلمين وحدهم، بل على العالم كله، ولكن أسلوب هذا الاتجاه اليساري في تونس بات معروفًا، وذلك أنهم يوهمون الناس بمقولات مغلوطة ينسبونها إلى خصومهم ليظهروهم بمظهر السذاجة والغفلة، كل ذلك حتى تسهل مهاجمتهم ويخرجوا من المعركة الكلامية وكأنهم منتصرون بسبب ما اتَّسموا به من واقعية وقدرة على التحليل! وهذا الأسلوب معروف عند اليساريين منذ القديم.

والمقال المنشور في مجلة (15×21) لا يمثل رأي كاتبه فقط، وإنما يمثل رأي الجماعة التي تصدر هذه المجلة، ولعل الأشقاء في تونس ممن عاصروا هذا التيار يعرفون هذه الأشياء أكثر منا بحكم المعايشة والاحتكاك والصراع الفكري الذي يشهدونه، ولذا فإننا لا نرد على رأي أحد الكتاب وإنما نبين تهافت فكرة اغترت بها زمرة من شباب تونس.

 ولا نريد هنا بيان أخطار الماسونية فالكتابات فيها كثيرة، ولكن نود أن نرد أسلوبًا تهكميًّا يسخر من المسلمين. ونرفض التقليل من الأخطار التي تهددنا حتى نقدر على التصدي لها، فمن من الناس لا يعرف تآمر الصليبية منذ قرون وإلى الآن لضرب المسلمين؟ ومَن مِن الناس يشك في حقد اليهود وممارساتهم الوحشية ضد الإسلام والمسلمين؟ ومَن مِن الناس يخامره أدنى شك في حقد الشيوعية ومحاربتها للإسلام خاصة؟ كلها قضايا يوردها مقال المجلة المذكورة بأسلوب التهكم مدعيًا أن المسلمين يبالغون في الحديث عنها، ويتجاهل التقارب اليهودي المسيحي الذي أوصل الفاتيكان إلى تبرئة اليهود من قضية الصلب التي قامت الصليبية على أساسها الباطل.

ولعل الدخول في هذه التحليلات وبيان أخطار هذه الحركات يخرج بنا عن مجال بحثنا هذا، ولكن كنا نتمنى ألا يكتب هؤلاء الذين يدعون الموضوعية والواقعية عن أشياء تفوق إمكاناتهم، وكان يكفيهم الاقتصار على وصف تأثير هذه الحركات الهدامة على المجتمع التونسي، فإذا أدركوا ذلك عرفوا حقيقة الخطر وخطر إغفاله.

اتجاهات مشبوهة تمارس نشاطًا علنيًّا!

ولما كانت الأنشطة الشيوعية والصهيونية والتنصيرية والماسونية مسموحًا لها بالنشاط في تونس دون قيد ولا شرط، فإن المقال لم يشر إليها لا من قريب ولا من بعيد حفاظًا على حسن المودة القائمة بين النظام الحاكم وأصحاب هذه الاتجاهات. ونوادي الروتاري نشطة في تونس علنًا ويفتخر الوزراء التونسيون -في أكثر من مناسبة- بانتمائهم إليها وحمايتها وتمكينها.

والإلحاد الشيوعي في تونس أمر يفضحه الواقع، فكم من مسجد في تونس داهموه وتبوَّلوا فيه! وكم من مصحف مزقوه! ومع ذلك فإن أصحاب هذا التيار الذي يدعى باليسار الإسلامي يتحالف معهم لضرب الاتجاه الإسلامي الصحيح في الجامعة، ويدعو الشعب التونسي لانتخابهم في البرلمان، ولقد سُمح لهذين التيارين بالنشاط العلني في الوقت نفسه الذي ضُربت فيه الحركة الإسلامية، والقول بأن المسلمين يتحملون المسؤولية في تغيير واقعهم ليس من قبيل الشعارات المرفوعة، وإنما هو نابع من صميم قصيدتهم.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11), وقال تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105),  وقال تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: 165).

وهذا الذي فهمه السلف الأول من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، والخطر الصهيوني على الإسلام يثبته الواقع بعد أن أكده القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120).

وأما ما أورده صاحب المقال من خلط في الأسماء والأفكار عند بعض العوام فلا يقبله تصور أي مسلم مهما كان جهله بالتاريخ الإسلامي، وهو خلط لا يوثق بالمصادر التي أوردته، وما الاستدلال به إلا لبيان سذاجة عقول المسلمين.

الإحصاءات تكذب دعوى احتقار الماسونية

ومهما يكن من أمر فإن المقال اضطر إلى الاعتراف بخطر الماسونية في الماضي، ولكنه خطر يدَّعي أنه انتهى الآن ولا داعي للانزعاج منه بعد أن وصلت الماسونية إلى فراش الموت، فأي احتقار توصف به الماسونية وأعضاؤها في أمريكا وحدها أربعة ملايين! وفي ألمانيا ثلاثون ألفًا، وفي فرنسا تسعة وثلاثون ألفًا! وهذه الإحصاءات قد تكون أقل من الحقيقة، ولكن نكتفي بها لأن المقال يعترف بها، وإذا عرفنا أن الماسونية تنتخب عناصرها انتخابًا ولا تسعى للامتداد الشعبي لأدركنا مدى النفوذ السياسي والاقتصادي والإعلامي والثقافي الذي تعنيه هذه الأرقام!

تناقضات صارخة!

والغريب في المقال ما يحويه من تناقضات صارخة، منها:

- الادعاء بأن الماسونية ترفض التدخل في السياسة في الصفحة نفسها التي يدعي فيها أن الماسونية تحارب الاستبداد السياسي أينما وُجد، وأنها ساهمت في حل الثورات المهمة في التاريخ.

- الادعاء بأنها تدعو إلى أفكار الحرية والمساواة والأخوة في الوقت نفسه الذي يشير فيه المقال إلى أن الماسونية دخلت إلى العالم الإسلامي مع الاستعمار الذي مكَّن لها من الانتشار.

- الادعاء بأن هتلر إنما حاربها بسبب مقاومتها للاستبداد السياسي ثم الاعتراف بأن الماسونية حولت كل نشاطاتها لخدمة الهدف الصهيوني!

- الادعاء بأن مؤسسيها هم عمال البناء الأوربيين في القرون الأخيرة ثم القول إن جذورها التاريخية تمتد إلى إخوان الصفا الذين عُرفوا منذ حقب طويلة في التاريخ الإسلامي.

- الادعاء بأن الخلط بين الحركات الماسونية والصهيونية إنما يدل على عجز الإسلاميين في تحليل الأسباب السياسية مع الاعتراف بأن الماسونية كرست نفسها لخدمة الصهيونية.

وكم تمنينا أن يقتصر المقال أو يورد على الأقل بعض الأمثلة للتغلغل الماسوني في تونس، ولا نظن أن الأمثلة تنقصهم إن كانوا يرغبون في ذكرها. وإذا كان المقال ينتقد المسلمين لأنهم عجزوا عن تفسير الظواهر التاريخية فإننا نراه قد وقع فيما يتهم به غيره دون أن يدري؛ وذلك للأسباب التالية:

- العجز عن معرفة سبب مقاومة الماسونية للسلطان عبد الحميد مع الادعاء بأن ذلك منشؤه. 

- مقاومة الاستبداد السياسي وإغفال أن الأمر يتعلق بسعي الماسونية لتحطيم هيكل الخلافة الإسلامية حتى يمكنوا لليهود في فلسطين.

- إظهار قلة الأعداد المنتمين للماسونية دون الانتباه أن ذلك من أسرار قوة الماسونية التي ترى أن سيطرتها على العالم لا تكون إلا بالتركيز على النخبة ذات النفوذ بالمجتمع.

- عدم الالتفات إلى التنظيم العالمي لهذه الحركة.

- الادعاء بأن الحركة استنفدت أغراضها وأنها ستنتقل للعمل العلني في الوقت الذي لا تزال فيه انتماءات كثير من قادتها السياسيين سرًّا مكتومًا، وكذلك تاريخ تكوينها وفروعها وهياكلها.

- تغطية الهدف الحقيقي لنشاطها الهادف للسيطرة على العالم تحت ستار ادعاء الحرية والمساواة والأخوَّة والعدالة ومقاومة الفساد الكنسي ومجابهة الاستبداد السياسي.

ولئن كانت هذه العجالة كافية لإعطاء القارئ المسلم فكرة عن هذه الدعوة المشبوهة، فإن الصورة الحقيقية لا تكتمل في الذهن إلا إذا بينَّا التيار الذي يقف وراءها وما يتبناه من أفكار ظهرت إلى السطح كالفقاقيع.

الأفكار المقبولة والشخصيات المرسومة عند هذا التيار

جملة من الأفكار يؤمن بها أصحاب هذا التيار، من أهمها:

- ضرورة التماذج بين الحضارة الإسلامية والغربية دون ضوابط.

- خير الدين التونسي هو الذي مهَّد لطلائع التغريب.

- الفكر اليساري الشيوعي وخاصة فيما يتعلق بالنواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

- طه حسين وبراعته في التشكيك.

- المشكلة الصهيونية ليست عقائدية وإنما هي سياسية اقتصادية.

- الأحزاب الاشتراكية وموقفها من القضية الفلسطينية.

- حسن حنفي لأنه ضد الإخوان.

- اليسار الإسلامي التقدمي.

- ماركس وما قدمه من إنجازات للبشرية.

- قاسم أمين الداعي إلى تحرير المرأة في مصر.

- الطاهر الحداد الداعي لتحرير المرأة وتغريبها في تونس.

- ضرورة نزع عقدة الصهيونية والإلحاد لأنها توتر علاقتنا بالماركسية.

- علي عبد الرزاق وكتابه الإسلام وأصول الحكم.

- تكامل الإسلام والقومية الاشتراكية.

- أحمد فؤاد نجم الشاعر المصري اليساري.

- المعتزلة وتبرير اعتداءاتهم على أهل السنة.

- الخوارج باعتبارهم أول حركة تصحيحية في تاريخ المسلمين.

- اليسار في العالمين العربي والإسلامي.

- فصل الجوانب العقائدية الإيمانية عن الجوانب السلوكية الأخلاقية والسياسية في الإسلام.

- محمد أركون الداعي إلى النزعة البربرية في الجزائر.

- أحكام الشريعة كانت ظرفية في الزمان والمكان.

- المسلمون منذ عهد الصحابة فريقان: يمين ويسار!

وغير هذه الأفكار كثير عند هؤلاء علَّنا نرجع إليه مرة أخرى، ولكن في هذه العجالة كل الكفاية لهذا التيار الذي تدعمه السلطات التونسية حتى يعوض الاتجاه الإسلامي الذي وضع قادته في السجون.

الرابط المختصر :