; هل تستفيد الأمة من النهضة الإسلامية؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تستفيد الأمة من النهضة الإسلامية؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006

مشاهدات 73

نشر في العدد 1690

نشر في الصفحة 45

السبت 25-فبراير-2006

هل تستفيد الأمة اليوم من شبابها الناهض وزرعها اليافع، وهل تستطيع أن تساعد العزم الفتي، والساعد القوي وتبث فيه من روحها ورحيقها، حتى يعطي أكله ويينع ثمره، وتتمتع الأمة بعطائه وصموده؟

لا بد أن تأخذ الأمة شباب الإسلام اليافع في حضنها الدافئ فهو الذي يقيم نهضتها ويمسح دمعتها، ويضيء النور في دروبها وربوعها المظلمة، ذلك لأنهم يعتقدون في أنفسهم أنهم أصحاب رسالة، وحملة تعاليم وممثلو الحضارة الإلهية التي جاء بها الإسلام، والتي نحلم بنورها ينتشر على بلادنا جمعاء، وبعزتها تظلل الجميع وتحميهم.

وخير وسيلة يجب أن يلجأ إليها المسلمون حتى يحملوا العالم الغربي على احترامهم هي أن يكونوا أقوياء، ولا قوة بغير عقيدة، ولا عقيدة أقوى من الإسلام، ولا إسلام بغير رجال، أما إذا ظل المسلمون مصرين على أن يلهثوا وراء كل ناعق في الغرب أو الشرق فإنهم يدخلون الضعف على أنفسهم، ويدعمون بكل تأكيد تطاول الغرب على بلادهم ومقدساتهم والتنشئة الغربية المتسيبة لشباب المسلمين ستفضي حتمًا إلى زعزعة إرادتهم في أن يعتقدوا أو ينظروا إلى أنفسهم على أنهم ممثلو الحضارة الإلهية الخاصة، التي جاء بها الإسلام، وليس من شك إذا استمر ذلك فإن العقيدة الدافعة ستأخذ في الاضمحلال بسرعة بين المخدوعين الذين ينشؤون على أسس غربية لا دينية، ولا أظن أن أحدا يتردد اليوم في الاعتراف - والحالة الحاضرة على ما هي عليه من الانحطاط - بأن الجو الديني والخلقي في كثير من بيوت أصحاب الثقافة الغربية قد بلغ من التدني الفكري حدا يثير في الأحداث والناشئة عوامل الإغراء في أن يولوا وجوهم نحو الانحلال، وظهورهم نحو الإسلام وقضايا المسلمين، ويقرر الباحثون بغير تردد أنه في حالة تعليم الناشئة المسلمة الغزو الثقافي الغربي فإن التأثير سيكون بالتأكيد يؤدي إلى موقف عدائي من الإسلام ومن هويتهم. وهذا لا يعني أن الإسلام يعارض التعلم في ذاته والأخذ من العلم الحديث، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تدعو إلى العلم ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 18) كما أنه دائمًا يحث على استعمال العقل وفتح البصيرة ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾.

والإسلام لم يقف يومًا ما سدًا في وجه التقدم العلمي، ولكنه يقدر الجهود الفكرية في الإنسان إلى درجة يرفعه فيها فوق الملائكة، وما من دين ذهب أبعد من الإسلام في تأكيد غلبة العقل، وبالتالي غلبة العلم على جميع مظاهر الحياة، وإذا نحن عملنا بأركانه فإننا لا نستطيع أن نهجر التعليم الحديث في حياتنا، ولكن الشيء الوحيد الذي لا يستطيع المسلمون أن يتمنوه هو أن يأخذوا أمراض الحضارة الغربية على أنها علوم ومعارف والعلوم والمعارف نفسها ليست غربية ولا شرقية، إنها عامة بالمعنى الذي يجعل الحقائق الطبيعية عامة، وإنما ذلك يختلف باختلاف المزاج الثقافي في الشعوب، وعلى المسلمين أن يأخذوا العلوم المجردة والعلوم التجريبية، وصلاتهم الثقافية يجب أن تبدأ عند هذا الحد وتنتهي عنده أيضًا، أما أن يقلدوا المدنية الغربية في أسلوب حياتها الاجتماعية والإلحادية فهذا هو المستحيل ولهذا يقول لبويولد فايس المستشرق المسلم إن ما يظهر أنه انحلال في الإسلام ليس في الحقيقة إلا موتًا وخلاء يحلان في قلوبنا التي تبلغ من خمولها وكسلها أنها لا تستمع إلى الصوت الأزلي. ثم ليس ثمة علامة ظاهرة تدل على أن الإنسانية مع نموها الحاضر قد استطاعت أن تشب عن الإسلام بل إنها لم تستطع أن تخلق نظامًا خلقيًا أحسن من ذلك الذي جاء به الإسلام، إنها لم تسطع أن تبني فكرة الإخاء الإنساني على أساس عملي كما استطاع الإسلام أن يفعل حينما أتى بفكرة القومية العليا: الأمة، إنها لم تستطع أن تشيد صرحًا اجتماعيًا يتضاءل التصادم والاحتكاك بين أهله فعلًا، على مثال ما تم في النظام الاجتماعي في الإسلام، إنها لم تستطع أن ترفع قدر الإنسان، ولا أن تزيد في شعوره بالأمن، ولا في رجائه الروحي ولا سعادته.

ففي جم هذه الأمور نرى الجنس البشري في كل ما وصل إليه مقصرًا كثيرًا عما تضمنه المنهاج الإسلامي.. فأين ما يبرر القول إذن بأن الإسلام قد ذهبت أيامه؟ أذلك لأن أسس بنية خالصة والاتجاه الديني زي غير شائع اليوم؟ ولكن إذا رأينا أن نظامًا بني على الدين قد استطاع أن يقدم منهاجًا عمليا للحياة أتم وأمتن وأصلح للمزاج النفساني في الإنسان من كل شيء آخر يمكن للعقل البشري أن يأتي به من طريق الإصلاح والاقتراح، أفلا يكون هذا نفسه حجة بالغة في ميزان الاستشراف الديني؟

لقد تأيد الإسلام - ولدينا جميع الأدلة على ذلك - بما وصل إليه الإنسان من أنواع الإنتاج الإنساني، لأن الإسلام كشف عنها وأشار إليها على أنها حبة قبل أن يصل إليها الناس بزمن طويل.

ولقد تأيد أيضًا على السواء بما وقع أثناء التطور الإنساني من قصور وأخطاء وعثرات لأنه كان قد رفع الصوت عاليًا واضحًا بالتحذير منها قبل أن تتحقق البشرية أن هذه أخطاء، وإذا صرفنا النظر عن الاعتقاد الديني نجد - من وجهة نظر عقلية محضة - كل تشويق إلى أن نتبع الهدي الإسلامي بصورة عملية وبثقة تامة.

فإذا اعتبرنا ثقافتنا ومدنيتنا من هذه الناحية وصلنا ضرورة إلى نتيجة واحدة هي أن إحياء هما ممكن نحن لا نحتاج إلى فرض إصلاح على الإسلام، كما يظن بعض المسلمين، لأن الإسلام كامل بنفسه من قبل أما الذي نحتاج إليه فعلا فإنما هو إصلاح موقعنا من الإسلام بمعالجة كسلنا وغرورنا وقصر نظرنا ومساوئنا نحن، وخاصة بإغفال شبابنا وضياع عزمه الصاعد.

نسأل الله الهداية والتوفيق والسداد.

آمين.

الرابط المختصر :