العنوان هل تصلح الفيدرالية كأساس وحدوي للدول الإسلامية حاليًا؟
الكاتب حفيظ الرحمن الأعظمي
تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003
مشاهدات 59
نشر في العدد 1580
نشر في الصفحة 42
السبت 13-ديسمبر-2003
التكامل الإسلامي الواقع والممكن (2 من 2)
بالعقيدة والاقتصاد نبني وحدتنا
يمكن تحقيق تكامل جزئي بين دول إسلامية تقع في إقليم جغرافي واحد
تعارض المصالح القومية جعل دولنا تتبنى سياسات خارجية متبـاينة
التكامل يتطلب تهيئة نفسية ومادية لتوحيد الفكر والإرادة داخل الأمة
في مقالنا السابق أشرنا إلى ضرورة وجود تكامل أو شكل من أشكال الوحدة بين الدول الاسلامية، وتناولنا صيغًا مقترحة لذلك التكامل، منها ما يشبه النظام الحالي للأمم المتحدة وهو أقرب الأشكال من الناحية الواقعية للتنفيذ في ضوء معطيات العصر الحديث، كما تناولنا فكرة الحكومة العالمية وتوحيد كل النظم السياسية القائمة في نظام واحد، وقلنا إن هذا محكوم عليه بالفشل، ولو مؤقتًا لعدم واقعيته. وفي السطور التالية نتناول أشكال الوحدة الأخرى المقترحة، والتي من بينها ما هو قابل للتنفيذ، وما هو بعيد المنال، فمن أشكال التكامل أو الوحدة المقترحة «التكامل على أساس فيدرالي»، وهو يمكن أن يأخذ أحد شكلين:
اتحاد كونفيدرالي أكثر عمقًا من منظمة الأمم المتحدة أو الكومنولث البريطاني، وفي نفس الوقت لا يرقى إلى مستوى الاتحاد الفيدرالي الكامل.
اتحاد فيدرالي كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية.
والشكل الأول لن نناقشه ثانية لأنه لا يختلف كثيرًا عن المنظمة الدولية (الأمم المتحدة).
وإذا تفحصنا الدول التي تقوم على أساس فيدرالي مثل: الهند وكندا، وأستراليا، والولايات المتحدة، وسويسرا والاتحاد السوفييتي السابق، والبرازيل نجد نوعين من الاتحاد الفيدرالي:
الاتحاد الفيدرالي غير المركزي.
الاتحاد الفيدرالي الذي يقوم على أساس مركزي.
غير أن المبادئ العامة لهذا الاتحاد أو ذاك لا تختلف كثيرًا عن بعضها البعض.
وفي مثل هذه الأنظمة نجد توزيعًا للسلطة بين الحكومة الائتلافية وبين الولايات، فتترك السلطة الثانوية لحكومات الولايات، كما هو الحال في الولايات المتحدة، وفي بعض الحالات -كما في كندا- يحدد الدستور سلطات حكومات الولايات تاركًا بقية السلطات للحكومة الفيدرالية.
أما الدستور الهندي فيقسم السلطات إلى ثلاثة أقسام: الفيدرالية، سلطة الولايات، ثم المشترك بين كليهما. والائتلاف غير المركزي يقوم على الأساس الأول، في حين يقوم الائتلاف المركزي على المبدأ الثاني.
وبهذا يمكن أن نطرح هنا سؤالًا:
على أي النظامين يمكن أن يقوم الائتلاف المقترح بين الدول الإسلامية؟ هل يقوم الائتلاف بين الدول الإسلامية في مراحلها الأولى على الأساس المركزي والوحدوي، ثم مع الوقت تتحول إلى النظام اللامركزي مع بقاء الخلافة كعنصر شكلي، كما كان الحال في الجزء الثاني من الدولة العباسية؟
إذا ما سلمنا بأن الدول الإسلامية لا يمكن أن تفرط إحداها فيما تعتبره حق السيادة، فإن الاتحاد المقترح بين هذه الدول يقوم على الأساس اللامركزي، على أن يترك للظروف السياسية والاقتصادية والتكنولوجية تحويل هذا الاتحاد إلى اتحاد مركزي كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الاتحاد المقترح يكفل للدول الأعضاء حق الحكم الذاتي، وفي الوقت ذاته يدعم التكامل الإقليمي والاستقلال السياسي لهذه الدول من خلال نظام الدفاع المشترك.
وهذا الائتلاف المقترح للدول الإسلامية يمكن من خلاله أيضًا تنظيم عمليات التنمية الاقتصادية في الأمة من خلال التعاون المتبادل والتخطيط المشترك، ويسهم ذلك أيضًا في إزالة الحواجز الاقتصادية المصطنعة التي تمزق الأمة حاليًا لكن الوضع الحالي للأمة كدول منقسمة على نفسها يجعل من الصعوبة بمكان تخلي كل منها عن وضعها الحالي في سبيل تحقيق الائتلاف المقترح لأننا نجد بين هذه الدول تضاربًا في الأهداف القومية والمصالح مما يجعل تحقيق هذا الائتلاف أمرًا ليس باليسير يضاف إلى ذلك أن العوامل الجغرافية تفرق أكثر مما تجمع شمل هذه الدول.
الاتحاد الإقليمي
يتضح مما سبق صعوية تحقيق التكامل السياسي للأمة على الأساس الفيدرالي، لكن هذا لا يعني عدم جدوى هذا الأساس؛ إذ يمكن تحقيق هذا بين الدول الإسلامية التي تقع في إقليم جغرافي واحد وتوجد بين دوله وحدة في اللغة أو الحضارة؛ فمثلًا الدول العربية يمكن أن تتآلف في ظل اتحاد للدول العربية، وكذا يمكن أن يقوم اتحاد فيدرالي بين باكستان وإيران وأفغانستان وتركيا، والشعوب الإسلامية لجنوب شرق آسيا، يمكن أيضًا قيام اتحاد فيدرالي بينها، وهكذا يمكن أن تتوحد هذه الاتحادات في ظل هيئة عليا للشعوب الإسلامية.
وبغض النظر عن هذه التنظيمات هناك وسائل أخرى لتنظيم العلاقات الدولية مثل العلاقات الدبلوماسية والقانون الدولي؛ فالأولى تحدد بعض الوسائل التي يمكن أن تنظم توازنات القوى في الدول الحديثة، وهذه الوسائل تتراوح بين النظام المزدوج للدفاع المشترك والأحلاف السلمية والتكتلات السياسية في العصر الحديث، غير أن الدول الإسلامية لم تفلح للآن في إعمال أي من النظم الداخلية لتحقيق التوازن داخل الأمة وذلك لتعارض المصالح القومية في مختلف النواحي الإستراتيجية والاقتصادية مما جعل كلًا من هذه الدول تتبنى نظامًا مختلفًا في سياستها الخارجية.
وهذه الحقيقة ذاتها تجعل الوصول إلى رأي مشترك في مشكلات العالم المتشابكة أمرًا بالغ الصعوبة؛ فالدول العربية ما زالت تكافح للوصول إلى نظام سياسي ثابت، في حين أن بعض النظم يعتمد على القوى الغربية لاستمرار بقائها، والبعض الأخرى قرر الانضمام إلى الدول غير المنحازة، أما تركيا فقد انضمت إلى حلف شمال الأطلنطي، وإندونيسيا ظلت إلى وقت قريب من الدول غير المنحازة.
وفي ظل التعدد القائم في سياسات الدول الإسلامية يبدو من الصعوبة بل -من المستحيل- جمع شمل هذه الدول حول سياسة واحدة في ظل أوضاع العالم المتعدد الانتماءات، ويمكن أن نشير هنا إلى المجهود الذي بذل من قبل لعمل حلف مشترك بين أفغانستان وإيران وتركيا عام 1937م.
الأساس الأيديولوجي
ويمكن أن نطرح سؤالًا: هل يمكن في ظل الظروف الحالية لتوازنات القوى في العالم أن تتوحد الدول الإسلامية في أمة واحدة على الأقل على أسس أيديولوجية لتكون بمثابة كتلة تحقق التوازن في العالم المعاصر؟
من الناحية النظرية يمكن أن نتخذ من العقيدة الإسلامية أساسًا لتوحيد الرؤية لدى الدول الإسلامية فيما يتعلق بسياسات العالم اليوم، لكن إذا انتقلنا إلى الواقع نجد أن معظم الدول الإسلامية لم يتمكن بعد من إدراك أهمية العقيدة الإسلامية كعامل في الحياة القومية، فنجد أن تركيا قد اختارت طريق القومية الذي يقوم على خمسة مبادئ هي القومية، والشعبية، والاشتراكية، والجمهورية، والثورية، كعناصر للديمقراطية الحديثة، أما الدول العربية فنجد بينها الشعور القومي أيضًا كعامل كامن، في حين نجد في الدستور الإيراني مذهب (الشيعة) كأساس للدولة، أما إندونيسيا فتسير في طريق العلمانية.
وهكذا نجد صورة معظم الدول الإسلامية كئيبة ومحزنة لعدم إقرار أي منها بالأيديولوجية الإسلامية، وحتى الدول التي أعلنت عزمها على إقامة حياتها وفق التعاليم الإسلامية لم تتمكن للآن من الوصول إلى لب العقيدة الإسلامية. ولهذا فإن المحاولات التي بذلت لجمع الدول الإسلامية على أساس أيديولوجي تبدو للآن غير ذات جدوى.
وماذا بعد؟
بعد بحثنا لسبيل تحقيق التكامل السياسي بين الدول الإسلامية على الأسس السابقة يمكننا أن نخلص إلى أن أوضاع الأمة الحالية لا تتيح تطبيق هذه المبادئ، ولهذا يبدو أن هناك شرطين لازمين للوصول إلى الهدف الأسمى، وهو تحقيق التكامل السياسي بين الدول الإسلامية هما:
تهيئة نفسية تمهد الطريق في النهاية لظهور إجماع بشأن ضرورة الوحدة الإسلامية.
أساس مادي يقوم على أساس نظام سياسي يتعدى الحدود القومية.
أما الشرط الأول فيأتي بتوجيه كل الجهود لتبصير الرأي العالم الإسلامي بضرورة الأمة العالمية، وهذه الأمة العالمية تقوم على أساس عقدي، وتلك الأمة تراوحت فيها النظم السياسية في الماضي ما بين المركزية الشديدة في ظل الخلافة الأولى، حتى وصلت إلى تقسيم الأمة إلى دويلات كثيرة ذات سيادة، وهذه التغيرات التي طرأت على بناء الأمة السياسي تمثل تجسيدًا لأحد جوانب الأمة، ولهذا فإن الأمة العالمية لا زالت حقيقة على الرغم مما أصاب الأمة من تمزق، وتهيئة المناخ للتكامل بين الدول الإسلامية يقوم على مفهوم آخر مهم هو (الشريعة)؛ إذ إن تطبيق الشريعة بمفهومها الكامل يؤدي إلى توحيد الفكر والإرادة داخل الأمة، وهذا الاعتقاد المشترك بالأمة العالمية والشريعة سيؤدي في النهاية إلى حل عقدة الانفصال والاستقلالية التي تغرسها الدول القومية، وبذلك يمكن للدول القائمة أن تتوحد بالتدريج في ظل العقيدة الإسلامية الواحدة.
غير أن ا(لأيديولوجية الإسلامية) بمعناها المجرد لن تصبح حقيقة ما لم تتحول
مفاهيمها الرئيسة إلى واقع حي وأنظمة معمول بها، فمثلًا يمكن اتخاذ (علم) موحد، و(شعار) مشترك لإيجاد شعور عاطفي قوي بوحدة الأمة، وكذا يمكن أن يتنافى الشعور بالانسجام داخل الأمة، مع وجود الوكالات الخاصة التي تهدف إلى تعميق الوحدة الفكرية للشعوب الإسلامية، وهذا يعني عمليًّا إيجاد اتحاد إسلامي مثلًا لنقابات المحامين أو الصحفيين أو العمال أو المهندسين أو العلماء أو الرياضيين وغيرهم كثيرون ويفترض مسبقًا لكل هذا وسائل الإعلام وتبادل الوفود العلمية على مستوى كبير وكذا تبادل الخبرات وما إليه.
كذلك يمكن اتخاذ قنوات مشتركة للتعامل بين شعوب العالم الإسلامي لخلق الإحساس بالوحدة والعالمية، ولتكن اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن، وبالتالي اللغة التي تتقبلها الشعوب الإسلامية جميعًا.
ويمكن أيضًا تعميق الشعور النفسي بتكامل الأمة عن طريق ما وصف به التنوع الحضاري في إطار الوحدة الاجتماعية، ويمكن الوصول إلى ذلك -حسب رأي «فيرنر ليو»- من خلال التغاضي عن الاختلافات الثقافية والحضارية.
وعلى الرغم من أن الأمة تبدو اليوم خليطًا من الثقافات والحضارات إلا أنه مع كل هذه الاختلافات لا زال هناك إحساس عام بوحدة اجتماعية جامعة للشعوب الإسلامية.
وقد كان التقاء الإسلام والحضارات المجاورة ينتهي دائمًا بإدخال الصالح من هذه الحضارات في الإطار العام للأمة وبما يتوافق مع مبادئ الإسلام، غير أن الوحدة الاجتماعية لم تكن تعني إطلاقًا انقسامًا داخل الأمة، وإنما كان يؤخذ الصالح من هذه الحضارات، وظلت الشعوب التي اعتنقت الإسلام تحتفظ غالبًا بالكثير من عاداتها التي لا تتنافى مع روح الإسلام، ولعل ذلك يتضح بمطالعة سريعة لأصول الفقه والتي تقر العرف والعادات كأصول ثانوية للتشريع.
التكامل الاقتصادي
لا بد من اتخاذ بعض الخطوات التي تحقق تكاملًا اقتصاديًّا بين الدول الإسلامية للوصول في النهاية إلى تحقيق التكامل السياسي في الأمة. ولعلنا نجد مثالًا لذلك في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فلو لم تنشأ السوق الأوروبية المشتركة لكان قيام حلف الأطلنطي عديم القيمة ولما قام الاتحاد الأوروبي، ويمكن للدول الإسلامية أن تحذو هذا الحذو بإيجاد سبيل التعاون الاقتصادي بينها.
ولكن تبرز بعض الصعوبات، منها أن هذه الدول الإسلامية تعاني من وجود حواجز وعوائق تحول دون تنقل السلع والمواد الخام، والأيدي العاملة، ورأس المال بين الدول الإسلامية بجانب تخلف معظم الدول اقتصاديًّا مما يجعلها تمد يدها لطلب المساعدة والخبرة من الدول الأكثر تقدمًا لمعالجة مشاكلها الاقتصادية سريعًا، وهذا يوسع الهوة بين الدول الإسلامية في مجال التعاون الاقتصادي.
وفي ظل هذه الصعوبات الكثيرة يصير من الواجب على حكومات الدول الإسلامية تجنيد هيئة دائمة من رجال الاقتصاد لبحث الأوضاع الاقتصادية في العالم الإسلامي باستفاضة، وذلك عبر التوفيق بين عمليات التخطيط على المستوى القومي وبين التخطيط المشترك على مستوى الأمة للوصول إلى تنمية شاملة في أسرع وقت.
وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية تشجيع سياسة (التزمت الاقتصادي) والتأكيد أكثر على (الصناعات الثقيلة)، وهذا يضمن استقلال الدول الإسلامية إلى حد كبير عن الدول المتقدمة، ويؤدي أيضًا إلى زيادة التعاون بين الدول الإسلامية الاقتصادية بحيث يزيد حجم التجارة الخارجية بينها إلى حد كبير، وهنا لا بد من توحيد سياسات المال لتسهيل التبادل التجاري بين الدول الإسلامية، ويمكن لحكومات الدول الإسلامية أيضًا إلغاء الرسوم الجمركية بينها، وكل هذه الخطوات ستؤدي تدريجيًّا إلى قيام السوق الإسلامية المشتركة.
وعلى الرغم من أن معظم الدول الإسلامية تقع في آسيا وإفريقيا فإن هذه الدول ظلت إلى وقت قريب منعزلة عن بعضها البعض لقلة وسائل الاتصال، غير أن بعض الدول الإسلامية أصبحت تولي هذا الموضوع اهتمامها في الوقت الحالي لكن مع ذلك ما زال هناك الكثير، فينبغي مثلًا على حكومات الدول الإسلامية أن تتعاون لربط شعوبها بخط حديدي واحد، وأن تعمل أيضًا لإنشاء خط جوي وبحري بينها.
وينبغي أيضًا إنشاء وكالات أنباء لضمان سرعة نقل الأخبار داخل الأمة، ويمكن الاستفادة من الإذاعة باعتبارها من وسائل الإعلام المهمة لتكوين رأي عام يساند فكرة العالمية الإسلامية، وهذا يتطلب أن تجند الحكومات الإسلامية هيئات متخصصة من المستشارين والخبراء في الإذاعة.
وينبغي للدول الإسلامية مثلًا أن تعتمد عملة واحدة، وباختصار يجب أن يبرز إلى حيز الوجود « دينار محمد » ليهدد دولار النصارى.
لكن يجب أن نضع في اعتبارنا أن أي تخطيط في المجال الاقتصادي لن يؤتي ثماره المرجوة ما لم يقم على الأيديولوجية الإسلامية والتي تقوم في هذا المجال على توزيع الثروات بما يتوافق مع مبادئ العدالة الاجتماعية في الإسلام، وهذا يعني أن الدول الإسلامية ستعدل سياساتها الاقتصادية لتحقيق نموذج للرفاهية الاقتصادية في الدولة، وهو هدف إسلامي يؤدي إلى إزالة الحواجز الاقتصادية التي تعوق الحركة الاجتماعية من الطبقات الأدنى للأعلى، وبهذا فقط يمكن بناء مجتمع إسلامي، ولو قبلت جميع الدول هذه المبادئ التي تقوم على العقيدة الإسلامية كعنصر موجه للسياسة الاقتصادية لأمكن حينئذ تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية، وبالتالي تحقيق الوحدة المنشودة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل