; هل تعود المقاومة الفلسطينية إلى العمل السري؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تعود المقاومة الفلسطينية إلى العمل السري؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1983

مشاهدات 67

نشر في العدد 634

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 23-أغسطس-1983

• حكومة المنفى مرفوضة، والاستسلام غير وارد، فلا بد من العمل السري.

• صلاح خلف: من الممكن أن نعود إلى حرب الأشباح.. ولا بد من التفكير في خلق بدائل على الساحة العربية.

• لا بد من التحالف مع الجماهير الإسلامية لإقامة القاعدة الإسلامية الآمنة والانطلاق إلى تحرير فلسطين.

من غير الممكن بعد كل الذي جرى لفتح على وجه الخصوص وللشعب الفلسطيني على وجه العموم أن نتوقع استسلام هذا الشعب وقبوله بإسرائيل بديلًا عن فلسطين، وذوبانه في الشعوب المحيطة به حتى وإن كانت هذه الشعوب عربية أو إسلامية.

وإذا كان جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الأسبق يقول بإن الزمن كفيل بحل القضية الفلسطينية وإن جيل النكبة يموت وجيل الهجرة لا يعرف فلسطين، فقد أثبتت الأحداث أن الزمن لم يقتل القضية الفلسطينية وإن كل المحاولات التي جرت عربيًّا وعالميًّا لقتل هذه القضية قد باءت بالفشل.

إن جيل المعاناة في ديار الغربة -نعم ديار الغربة- حتى وإن كانت ديارًا عربية أشد تعلقًا بوطنه فلسطين، وأكثر استعدادًا للبذل والتضحية من أجل استرداد هذا الوطن، من الجيل الذي عاش في فلسطين ونعم بخيراتها وتنسم هواءها العليل الفواح بأريج البرتقال والليمون، والواقع يشهد بما نقول، فالمعارك الطاحنة مع العدو اليهودي ومع غيره من الأعداء أدلة لا تقبل الشك.

وإذا كانت فلسطين مقدسة وكان الله -سبحانه وتعالى- قد كتب على هذا الشعب هذا الشقاء، فلعلة نحن لا نعلمها، ولكن الله -سبحانه وتعالى- قد وهب هذا الشعب قدرة على الشعور بالذات وعلى مواجهة كل المصاعب والحفاظ على قدر لا بأس به من الجلد، والخلق العالي والمثابرة، والأمل في الله بنصر المؤمنين الصابرين في نهاية المطاف ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).

وربما يعاب على الشعب الفلسطيني أنه لم يعلنها منذ البداية ثورة إسلامية واضحة، وأنه أخذ يمد يده إلى الأنظمة العربية الثورية منها وغير الثورية، ثم تطلع بعد ذلك إلى الأنظمة العالمية الاشتراكية منها والرأسمالية علها تساعده على استرداد وطنه، ولكنه لم يحصد من هؤلاء ومن أولئك غير الخذلان.

وللحقيقة والتاريخ نقول: «إن جهاد الشعب الفلسطيني لم يكن دائمًا على هذه الصورة، بل إن ثورات الشعب الفلسطيني المتلاحقة والمتجددة كانت في مجملها ذات طابع إسلامي، وكانت هتافاتهم المدوية في ثورة 1936م وغيرها إسلامية».

وكانت الثورة الرائدة للشعب الفلسطيني هي ثورة الشيخ عز الدين القسام التي كانت ثورة إسلامية بكل معنى الكلمة، والتي أنشأت التنظيم السري المتقن ولم تطلب العون من أي نظام كان.

كما أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» خرجت في الأصل من جلباب «الإخوان المسلمين» وبدأت بيانها العسكري الأول بما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، بعد الاتكال على الله...» ولكن «عبد الناصر» ومن بعده الطواغيت الأصغر شأنًا لم يدعوا الحركة الإسلامية تأخذ مداها في أوساط الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، تمامًا مثلما لم يدعوا هذه الحركة الإسلامية تأخذ مداها لدى شعوب عربية أخرى.

انكفأ الفلسطينيون على ذاتهم ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ (الكهف: 16) اعتقادًا منهم أن أولئك الطواغيت الذين تجرأوا على الله وعلى حزب الله لن يتجرأوا على الحركة الفلسطينية، سيما وأنهم وصلوا إلى كراسي الحكم باسم فلسطين وإنقاذ فلسطين. ولكن التجارب المريرة ومنذ البداية خيبت ظن الفلسطينيين الذين لم يكونوا يدركين تمام الإدراك أن تحرير فلسطين بمعزل عن الإسلام ضرب من المحال، وأن عدو الإسلام والمسلمين لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال نصيرًا حقيقيًا لفلسطين والفلسطينيين.

وعندما صحا الفلسطينيون على الحقيقة المرة كانوا قد وصلوا إلى مرحلة يصعب بعدها التخلي عن كل «إنجاز» حققوه للقضية الفلسطينية على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي -أو هكذا كان تصورهم-, ثم اكتشفوا بعد ذلك أن كل الإنجازات التي حققوها مهددة بالفناء بين عشية وضحاها، بعد أن أخذ الخط الناصري مجاله التطبيقي في عهد السادات فاعترفت مصر بإسرائيل، ثم تبعتها لبنان وانفرط العقد العربي الوهمي، وأخذت بقية حبات العقد تتسابق للاعتراف بإسرائيل على حساب فلسطين والثورة الفلسطينية.

ثم انكشفت الحقائق أكثر فأكثر مع ظهور حركة «أبو موسى» التي كانت حلقة -أريد لها أن تكون الأخيرة- في سلسلة التآمر على فلسطين وشعبها وثورتها توطِئة للاعتراف العربي الشامل بإسرائيل، أما الأرواح التي أُزهقت من أجل استرداد فلسطين فلها الله في عليين ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر: 55).

ورغم كل العبر ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37) فإن كثيرًا من الذين قُدر لهم أن يتولوا أمور هذه الأمة لا يعتبرون، ألم يروا السادات صريعًا بين الكراسي وهو أول حاكم عربي يمد يده -علنًا- مصافحًا إسرائيل؟ وكانت اليد التي نفذت فيه حكم الله يد متوضئة، ألم يروا بشير الجميل جثة بين الأنقاض؟ وهو ثاني حاكم يمد يده إلى اليهود ليدخلوا عاصمة بلده ويخلصوه من «الغرباء»! ألم يروا عصام سرطاوي مضرجًا في دمه؟ وهو أول قيادي فلسطيني يجري اتصالات علنية مع اليهود في فلسطين.

ماذا بقِي من عِبر لكل الوالغين في المؤامرة على حساب فلسطين وشعب فلسطين والشهداء الذين قضوا من أجل فلسطين؟

والفلسطينيون الذين عركتهم المؤامرة وعركوها، ماذا هم منتظرون؟ ولماذا الدوران في حلقة مفرغة؟ استلمت الأنظمة العربية عنكم وعن شعوبها القضية الفلسطينية وأودعتها ملفات الأمم المتحدة وأجهزة إعلامها الرسمية ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (الأحزاب: 25)، ثم استلمتم قضيتكم ومهرتموها بالدم والجهاد، فحركتم الجماهير العربية والإسلامية التي رأت فيكم طليعة العزة والكرامة تعود إلى هذه الأمة الضائعة.

ولكن سرعان ما تحرك أعداء هذه الأمة في الظلام فجذبوكم عن الجماهير وجذبوا الجماهير عنكم، واستفردوا بكم وساقوكم سوقًا إلى طريقهم المغلق في وجه كل حركة إلى فلسطين والمفتوح في وجه كل حركة لمصالحة اليهود، ثم حاولوا الإجهاز عليكم ولا يزالون فأصبحتم -كما يقول أبو إياد- تخافون منهم بعد أن كنتم تخيفونهم، ولم يبق أمامكم من سبيل إلا إلقاء السلاح والاستسلام وهو غاية المنى بالنسبة لهم ولمن يحركهم، أو النزول تحت الأرض والعودة إلى العمل السري والانتقام من كل الرموز التي نذرت نفسها لذبحكم من أجل أبناء صهيون.

أما «حكومة المنفى» التي تلوح بين الحين والآخر كمخرج تلوح به مصر، فما هي في الحقيقة إلا صورة أخرى من صور الاستسلام واستبعاد الخيار العسكري والعمل المسلح، ولن تكون أسعد حظًّا من «حكومة عموم فلسطين» التي جعلت منها مصر في عهد عبد الناصر مجرد قنصلية لصنع جوازات السفر الفلسطينية التي اعتبرت وثيقة اتهام لكل من يحملها في ديار العرب.

ولعل فكرة الاستسلام غير واردة ولا يمكن أن تكون لا على المستوى القيادي الفلسطيني ولا على المستوى الجماهيري، يقول «أبو إياد» بهذا الصدد: «لا يمكن أن نأتي إلى دمشق رافعي الرايات البيضاء» ونحن نعلم أن إسرائيل ومعها فيليب حبيب طلبا من المقاومة أن تخرج من بيروت رافعة راياتها البيضاء، ولكنهم آثروا جميعًا الاستشهاد على قبول هذا الأمر.

فماذا إذًا؟ إنه العمل السري الذي لا بد من العودة إليه:

• لحماية الثورة واستمرارها.

• وردع كل من تسول له نفسه النيل منها.

• وإيجاد القاعدة الآمنة لهذه الثورة.

ولن يتحقق ذلك إلا بالنزول تحت الأرض وإعادة النظر جذريًّا في التحالفات القائمة، وإذا كان «المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين» فكيف به وهو يلدغ من عدة جحور ومن الجحر الواحد مرات عديدة؟

ولعل فكرة العودة إلى العمل السري أخذت تراود أفكار قادة «فتح» في الآونة الأخيرة.

يقول أبو إياد بهذا الصدد: «من الممكن أن نعود إلى حرب الأشباح، وهذه ضرورة يجب أن نقوم بها، إذ من غير المسموح أن تقفل الثورة الفلسطينية أبوابها وكأنها دكان، إنها لا تشبه ثورة 1933 و1936، وإذا ضربت فكرة الثورة لدى الشعب الفلسطيني فإنه من الصعوبة استئناف الثورة مجددًا...».

ويقول أيضًا: «لا بد من التفكير في خلق بدائل في الساحة العربية إذا استمر هذا العداء للثورة الفلسطينية، نحن مع أي نظام بقدر عدائه لإسرائيل واستعداده لمواجهتها، ولكن إذا استمرت الأمور في التدهور فإننا سنفكر في تحالفات بديلة».

وبعد أن أشار «أبو إياد» إلى تفكير القيادة في العودة إلى العمل السري أي العمل تحت الأرض، وبعد أن أشار إلى فكرة إعادة النظر في تحالفات الثورة الفلسطينية القائمة على المستوى الرسمي العربي والعالمي، هذا المستوى الذي خذل الثورة أو تآمر عليها، يستطرد بشيء من التفصيل الحديث عن مجالات العمل القادمة والممكنة فيقول: «أمامنا الآن المحاور التالية: المحافظة على منظمة التحرير، ولا بد من أن يكون هناك عمل سري داخل الأرض المحتلة، وتهيئة الظروف لخلق قاعدة آمنة للثورة الفلسطينية على الساحة العربية».

وخلق القاعدة الآمنة للثورة الفلسطينية على الساحة العربية يقتضي كف أذى الأنظمة المتآمرة على الثورة الفلسطينية، وهذا الهدف يرتبط مع مبدأ إعادة صياغة التحالفات الذي ذكره سابقًا، وهذا يقتضي التحالف مع الجماهير العربية الإسلامية المقهورة التي تعتبر قضية فلسطين قضيتها والجهاد في سبيل تحريرها من اليهود فرض عين، وهذا لا يتم إلا بتأمين الظهر وتوفير دار الأمان، دار الإسلام، أي «دولة المدينة» التي اتخذ منها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نقطة انطلاق للفتح العظيم وإقامة دولة الإسلام الكبرى بعد تطهير يثرب من اليهود وتحطيم أوثان الشرك في مكة المكرمة.

الرابط المختصر :