العنوان هل تغيرت أمريكا؟
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 24-مايو-2003
مشاهدات 59
نشر في العدد 1552
نشر في الصفحة 37
السبت 24-مايو-2003
تقول واشنطن إنها لا تريد من العرب جزاء ولا شكورًا، لا نفط ولا قواعد عسكرية ولا تعمير ما دمرته صواريخها وقنابلها، ولا أي شيء من متاع الدنيا الزائل، وكل ما يهمها أن يتذوق العرب شيئًا من النعمة التي يعيش فيها الأمريكيون: الحرية والديمقراطية، ليعرفوا قيمة الدنيا وحلاوتها ويكفوا عن طلب الموت، وإذا كان هذا الكلام البريء صحيحًا، فلابد أن يتبعه سؤال أكثر براءة: لماذا تكره غالبية الشعوب العربية والإسلامية بل وشعوب العالم، السياسة الأمريكية منذ أن سمعوا عن أمريكا وقبل أن يعرفوا موقعها على الخريطة، ألم يكن الأولى أن تتيه تلك الشعوب حبًا في أمريكا؟
بل لماذا يعارض قسم وافر من الشعب الأمريكي تلك السياسات، ويرى أنها سبب المشكلات التي يعاني منها الأمريكيين عامة حتى أصبح الأمن، الهاجس الأول في حياتهم، ولا يمر أسبوع دون صدور تحذير لهم من السفر إلى هذا البلد أو ذاك...
والغريب أن كبار المسؤولين عندهم هم الذين يؤكدون باستمرار أن بلادهم وبعثاتهم ومصالحهم حول العالم ليست آمنة وأنها يمكن أن تتعرض لهجمات لا تقل ضراوة عن هجمات سبتمبر ۲۰۰۱، والأكثر غرابة ألا يسألهم أحد كيف تقولون ذلك وأنتم المسؤولون عن توفير الأمن؟!، تمامًا كما لم يسألهم أحد عن التقصير إن كان تقصيرًا ولم يكن الأمر متعمدًا في منع هجمات سبتمبر أو على الأقل منع الهجمتين الثانية والثالثة منها بعد وقوع الهجوم الأول، في بلد يعيش حالة التأهب وتحرسه المقاتلات على مدار الساعة!
لقد من الله تعالى على الناس بنعمتي الأمن والطعام ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (القصص: ٥٧) ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش:4).. وإذا كان الأمريكيون لا يخشون الجوع حتى إنهم يلقون فائض الطعام في البحار كي لا تنخفض أسعار التصدير، ويضنون به على الفقراء الذين يتضورون جوعًا في بلاد أخرى إذا كانوا قد اتخموا بالطعام حتى أصبحوا أكثر الشعوب معاناة من البدانة، فقد حرموا -باعترافهم- نعمة الأمن، سواء بسبب سياسات حكوماتهم تجاه شعوب العالم أو کأمر مقصود ومتعمد.
لماذا يكرهوننا؟
الأمريكيون تساءلوا: لماذا يكرهوننا؟ حك البعض رأسه.. وفكر وقدر.. ثم نظر.. ثم عبس وبسر ثم قال: وجدتها.. إنهم يكرهوننا لأننا نتمتع بالديمقراطية والحرية.. والحل أن يتمتع الكارهون لنا أيضًا بالحرية والديمقراطية فأما الحرية، فقد بدأوها به احتلال أفغانستان والعراق، وأما الديمقراطية فقد بشر وزير الخارجية الأمريكي من قلب القاهرة عاصمة ديمقراطية الأنياب والأظافر بأنها ستتحقق في العالم العربي خلال عشرة أعوام.
لماذا لم تتحقق الديمقراطية من قبل؟ إما لأن شعوبنا غير مهيأة لممارستها، حتى إنه رغم مرور موجات الديمقراطية العالمية الثلاث فإن أيًا منها لم يحل بأوطاننا، بل تجاوزها إلى شعوب أخرى تستحقها أكثر منا فنحن لم نصل بعد لمستوى الوعي الديمقراطي المتوافر عند المعدمين في الهند، أو ساكني الأدغال في القارة السمراء، فضلًا عن دول أوروبا الشرقية.
والاحتمال الثاني والمؤكد: أننا حرمنا من الديمقراطية عن سبق إصرار وترصد وتدبير بعض المسؤولين الأمريكيين أصبح يردد ذلك، لكنهم يقفون بحدود المسؤولية عند بعض الأنظمة الحاكمة، وكأن واشنطن لا دخل لها بما حدث.
كنا نتمنى ألا يكون لواشنطن دخل بالسياسات الداخلية في المنطقة، لكن تلك الأمنية يعارضها الواقع المرير الذي يصم كثيرًا من تلك الأنظمة بالتبعية لأمريكا، فهي التي صنعت بعضها - بداية - وهي التي تحميها وتدعمها وتقدم لها أدوات القمع وتحرضها على أبناء الوطن ألم يكن بمقدور أمريكا طوال نصف قرن من الاستقلال والتحرر الوطني أن تمارس ضغوطًا مادية ملموسة على بعض الحكومات، فضلًا عن أن تأمر وتنهي للتحول نحو الديمقراطية؟ وهل عجزت عن اكتشاف زيف الديكور الديمقراطي الذي تبناه البعض؟ وإذا كان حالها قد تدهور، ورؤساؤنا قد استقووا حتى خرجوا عن طوعها - وهذا غير صحيح للأسف - فهل عدمت أمريكا الضغوط المعنوية والإعلامية؟
هل سمع أحدكم تصريحًا أو تعليقًا أمريكيًا يدين تزوير الانتخابات والتدخل السافر للشرطة وغياب الإشراف القضائي واعتقال المرشحين ومندوبيهم؟
هل انتقدت واشنطن تفصيل القوانين لصالح حزب حاكم بعينه ليبقى مهيمنًا هل ألمحت مرة، فضلًا عن أن تكون صرحت - بأن الديمقراطية تتنافى والبقاء المطلق للرؤساء على الكرسي حتى لا يزيحهم عنه سوى هادم اللذات ومفرق الجماعات؟
فكيف نبرئ أمريكا من مسؤولية غياب الديمقراطية، وكيف نثق في دعاواها الجديدة؟
اعترافات هاس
يعترف ريتشارد هاس مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية، في مقال بعنوان الهدف هو الديمقراطية الإسلامية، نشر في صحيفة هيرالد تربيون إنترناشيونال في الحادي عشر من ديسمبر الماضي بأن الحكومات الأمريكية المتعاقبة الديمقراطية والجمهورية على حد سواء، لم تعط إقامة الديمقراطية أولوية كافية في (سياساتها) في الكثير من أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة في العالم العربي.
وقد تجنبت الولايات المتحدة في بعض الأحيان تمحيص التشكيلة الداخلية وطريقة عملها في بعض البلدان بغية ضمان تدفق ثابت للنفط أو احتواء التوسع السوفييتي والعراقي والإيراني، أو معالجة مشكلات متعلقة بالنزاع العربي - الإسرائيلي أو مقاومة الشيوعية في منطقة شرق آسيا أو ضمان الحصول على حقوق بإقامة قواعد للقوات المسلحة الأمريكية.
ويعترف هاس بأن بلاده حرصت على إيجاد الاستثناء الديمقراطي أي استثناء بلادنا من تطبيق الديمقراطية، ثم يبشرنا بأنه، ليس من مصلحة الولايات المتحدة أو المسلمين أن تواصل أمريكا هذا الاستثناء وستصبح السياسة الأمريكية أكثر نشاطًا من أي وقت مضى في تعاطيها في دعم التوجهات الديمقراطية في العالم الإسلامي.
لكن اعتراف هاس النادر لا يلبث أن يضيع إذ يمضي إلى القول: ليست هناك أي أجندة سرية، فسبب ترويج أمريكا لإقامة الديمقراطية في العالم الإسلامي نابع من روح الإيثار عندها (ماشاء الله)، كما أنه يخدم مصلحتها الخاصة في الوقت نفسه (وهذا هو الأساس).
ذلك أن الدول التي تعاني من الركود الاقتصادي وعدم توافر الفرص ومن الأنظمة السياسية المنغلقة، وعدد السكان المتزايد بسرعة تعزز من عزلة مواطنيها وشعورهم بالانسلاخ وكما تعلمنا من درسنا القاسي، من الممكن أن تشكل مثل هذه المجتمعات مرتعًا خصبًا للمتطرفين والإرهابيين الذين يستهدفون أمريكا لدعمها الأنظمة التي يعيشون في ظلها.
وبنفس الأهمية إن اتساع الهوة بين الكثير من الأنظمة المسلمة وبين مواطنيها يحمل في طياته إمكانية تعريض قدرة تلك الحكومات على التعاون في قضايا ذات أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة للخطر، وسوف تؤدي هذه الضغوط الداخلية بشكل متزايد إلى الحد من قدرة الكثير من الأنظمة في العالم الإسلامي على تقديم المساعدة للجهود الأمريكية لمحاربة الإرهاب أو وقف انتشار أسلحة الدمار الشامل، بل وحتى قبولها.
إذن فالقضية كلها تدور حول المصلحة الأمريكية في وقت ما كانت المصلحة الأمريكية مع النظم الاستبدادية، وفي الوقت الراهن تحتاج أمريكا لإقامة نظم ديمقراطية لكي تخدم مصلحتها بشكل أفضل.
لكن ماذا لو أتت الديمقراطية بمن لا تحبهم واشنطن؟ يقول هاس: إن أمريكا ستساند العمليات الديمقراطية حتى لو كان أولئك الذين يتمكنون (من السلطة نتيجة لذلك) لا يختارون سياسات تروق لنا.
ولكن.. (الأسوأ يأتي دائمًا بعد لكن) علاقات الولايات المتحدة مع الحكومات، حتى لو تم انتخابها بشكل نزيه ستتوقف على كيفية معاملتها لشعوبها وكيفية سلوكها على الساحة الدولية فيما يتعلق بقضايا تتراوح ما بين الإرهاب والتجارة وما بين حظر انتشار الأسلحة وحتى المخدرات، وهذا استثناء كاف لإعلان الحرب على أي ديمقراطية عربية أو مسلمة.. فإذا أعلنت مثلًا أي حكومة عربية ديمقراطية، إن وصلت للسلطة - تأييدها للمقاومة الفلسطينية، كان ذلك مبررًا كافيًا لاتهامها بدعم الإرهاب ومن ثم إعلان الحرب عليها.
ومع ذلك فإن واشنطن لا تقف متفرجة لتأتي الحكومات وفق إرادة الشعوب بل تتدخل بكل قوة لتوجيه عملية الاختيار، فبعد سقوط نظام حكم طالبان في أفغانستان عقد مؤتمر بون لاختبار النظام الجديد الذي سيحكم في كابول، وهناك تم استبعاد كل التوجهات التي لا ترضى عنها واشنطن، وانتهى الأمر بحكومة يرأسها أفغاني / أمريكي يعمل أصلًا وكيلًا لشركات النفط الأمريكية، وعدد من أعضائها يحملون الجنسية الأمريكية، كما تم اختيار مجلس اللوياجركا أو البرلمان بالطريقة نفسها، وفي العراق لا يرى المسؤولون الأمريكيون أي حرج في التصريح برفض أن تكون الحكومة المقبلة ذات توجه إسلامي، مصادرين بذلك حق الشعب العراقي في الاختيار، علمًا بأن حق الاختيار الحر أحد دعائم الديمقراطية - عندهم لا عندنا - وفي فلسطين يؤكد كولن بأول وزير الخارجية الأمريكي استعداد بلاده لمساعدة حكومة أبو مازن في تدمير المقاومة الفلسطينية (هل يمكن أن يحدث ذلك في بريطانيا الديمقراطية مع الجيش الجمهوري الأيرلندي)
إذن فهي الديمقراطية الموجهة المرسومة شكل آخر من الزيف والدجل وقديمًا قيل: كم من الجرائم ارتكبت باسم الديمقراطية؟ ولا تزال المقولة صالحة للاستشهاد بها إلى اليوم..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل