; هل تنجو المالية العامة من عبث بعض «الفعاليات»؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تنجو المالية العامة من عبث بعض «الفعاليات»؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993

مشاهدات 72

نشر في العدد 1049

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 11-مايو-1993

الميزانيات التقديرية التي قدمها وزير المالية إلى مجلس الأمة أخيرًا تحتاج إلى وقفة جادة لإجراء تقييم عاجل لأوضاع المالية العامة للكويت.

فالميزانيات تعطي نظرة متشائمة -وواقعية أيضًا- لما ستكون عليه إيرادات الدولة خلال العقد الحالي، وتتنبأ التقديرات بتزايد العجز في الميزانية الحكومية بمرور السنوات بتصاعد المصروفات وثبات الإيرادات بالمقابل عند سقف محدد هو 2.750 مليون دينار.

وتفترض وزارة المالية في تقديراتها أن الكويت ستنتج نفطًا بسقف محدد وهو 1.8 بليون برميل، بينما سيكون السعر السائد للبرميل 15 دولار، الأمر الذي يعني أن عائدات النفط التي تمثل 92% من إيرادات الدولة لن تتحسن بقدر كبير إلا إذا حصلت معجزة بوقوع طفرة في الأسعار كما حصل عام 1973م، وهو أمر غير مرجح.

وإذا كان البعض يرى أن تقدير وزارة المالية لعائدات النفط متحفظ بل متشائم، فإننا نعتقد أن هذه التقديرات ستكون «متفائلة» جدا لو نجحت جهود المجموعة الأوروبية في فرض ضريبة 10 دولارات على برميل النفط فيما يسمى «ضريبة الكربون» حينئذ سينخفض الاستهلاك العالمي بشكل حاد وتُمنى الأسعار بانتكاسة تصل آثارها بشكل مدمر إلى اقتصاديات الدول النفطية وأولها الكويت.

وهذا التركيز على بند الإيرادات النفطية يكتسب أهمية بالغة إذا ما أردنا الانتقال إلى مناقشة جانب المصروفات التي ستتزايد سنويا بمعدل 300 مليون دينار.

وسنلاحظ في أول بنود المصروفات استمرار التضخم في المرتبات، حيث يستهلك «جيش الموظفين» في الحكومة أكثر من 25% من إجمالي المصروفات، في حين تساهم البطالة المقنعة والسياسة الوظيفية والإدارية المتعثرة في خفض إنتاجية الموظفين إلى أدنى درجاتها.

ونلاحظ بالمقابل أن مخصصات المشاريع والتنمية ستتراجع إلى نسب منخفضة؛ حيث لن تمثل في ميزانية 93/ 1994 على سبيل المثال سوى 6% من إجمالي المصروفات، مع العلم أن هذا البند سيغطي كافة المشاريع التي ينتظرها المواطنون بشغف مثل استكمال شبكة الطرق ومشاريع الإسكان والخدمات الصحية والكهربائية وغيرها.

أما القسم الأعظم في جانب المصروفات للسنوات الخمس القادمة فيتمثل في بند «المصروفات المختلفة والمدفوعات التحويلية»، ويدخل في هذا البند مصروفات وزارة الدفاع «لا تتضمن صفقات السلاح الجديدة» وتكاليف الإعفاءات من القروض العقارية ومصاريف بعض الجهات الملحقة.

لكن هذا البند الذي يمثل أكثر من 55% من إجمالي المصروفات كذلك يتضمن دفع فوائد السندات في مشروع شراء المديونيات الصعبة، وربما سيتحمل هذا البند مزيدا من الأعباء في حال إقرار شراء المديونيات؛ إذ ستظهر الحاجة خلال التطبيق إلى مزيد من «الإعفاءات» ومزيد من «الشراء» مما سيضخم التزامات الميزانية بقدر أكبر بكثير مما يظهر في تقديرات وزارة المالية.

هذا الوضع المضطرب لأوضاع المالية العامة يحتاج من المواطنين ومن ممثليهم في مجلس الأمة المتوقع سيتزايد من 1.027 مليون دينار في ميزانية 93/ 1994 إلى 1870 مليون دينار في ميزانية 96/ 1997. دع عنك الالتزامات الضخمة التي تتراكم على الكويت سواء لمواجهة القروض التي حصلت عليها من الأسواق المصرفية أو لتمويل المشاريع «الكارثية» مثل مشروع شراء المديونيات، أو لتسديد فواتير صفقات السلاح البالغة 3.500 مليون دينار والتي تبرم حاليا وسط اتهامات جسيمة توجه لمسؤولين في وزارة الدفاع بتقاضي عمولات وارتكاب اختلاسات.

إن في بلادنا من بدأ بخرق أسفل السفينة بحثا عن الماء، وهو لا يقبل ممن بأعلى السفينة شكوى ولا حسابا، فإن تركوه غرقوا جميعا كما جاء في الحديث الشريف، وإن أقوى المعاول التي تضرب بقاع سفينتنا الكويتية أولئك الذين يدفعون البلاد والحكومة والبرلمان دفعا لإقرار شراء المديونيات وفق تصوراتهم وحلولهم المتفقة مع مصالحهم ولإعطاء من لا يستحق من مال من يستحق، وهم يزعمون أنهم يريدون باقتصاد الكويت إصلاحا.

إن الأعباء المالية على كاهل الدولة أصبحت أكثر من ثقيلة، وإن الاستمرار في سير المالية العامة للبلاد على حد السيف حالة خطرة جدا؛ إذ قد تقع أزمات اقتصادية عالمية أو تنشأ أحداث إقليمية طارئة تمتص القدر القليل الباقي من الأصول الاحتياطية للدولة.

وإننا في مثل هذه الظروف لا نتحمل مغامرات الهدر العشوائي غير المحسوب، ولا نقبل إصلاح الأخطاء السياسية بمصاريف مالية، وإن شبح الوقوع في مصيدة الدولة المدينة كما حدث لأقطار نفطية أخرى لا يبدو بعيدا، وعلى الدولة التي تحث المواطنين كل يوم على التقشف وتريد أن تحقق برامج طموحة للخصخصة أن تدرك أن الأولوية تكمن في وقف صنبور المال العام الهادر بلا حساب.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :