العنوان هل تهدم الانتخابات ما بنته الحرب؟! مستقبل الائتلاف الحاكم في اليمن
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996
مشاهدات 78
نشر في العدد 1209
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-يوليو-1996
بعد ما يقارب من العامين من الائتلاف الثنائي بينهما، تبدو العلاقة بين حزبي المؤتمر الشعبي العام والإصلاح إحدى أهم المعطيات السياسية في الساحة اليمنية منذ انتهاء الحرب الأهلية في صيف ١٩٩٤م، وطوال العام ونصف العام من مدة الائتلاف الثنائي، كان الوسط السياسي اليمني مشغولًا بواقع العلاقة الائتلافية بين المؤتمر والإصلاح، والخلافات التي تطرأ بينهما، ومستقبل هذه العلاقة استمرارًا أو انفكاكًا.
وليس جديدًا القول إن العلاقة بين حزبي الائتلاف الحاكم في صنعاء كانت محل اهتمام ومتابعة من قوى عديدة داخلية وخارجية، فقد كان وجود التيار الإسلامي في سدة الحكم مثار قلق لخصومه في الداخل والخارج، الذين كانوا -وما يزالون- يتخوفون أن تؤدي هذه المشاركة إلى ازدياد نفوذ الإسلاميين في أجهزة الدولة. وبالمقارنة مع تجارب مشاركة الإسلاميين في بلدان أخرى، فإن مشاركة التيار الإسلامي في اليمن في السلطة لا تبدو جديدة، إذ ظل الإسلاميون قريبين من دائرة الحكم، بل وصل الأمر في عهد الرئيس علي عبد الله صالح إلى تحالف قوي ضد التمرد الشيوعي في بداية الثمانينيات، وفي كل الأحوال ظل هناك تواصل وتفاهم بين الطرفين حتمًا في السنوات التي تحالف فيها الرئيس اليمني مع الاشتراكيين في أعقاب إعلان الوحدة، وقد أثبتت الأحداث أن التحالف بين الإسلاميين والرئيس علي صالح يؤدي إلى تشكيل قوة سياسية تجمع إلى قوة الدولة شعبية الإسلاميين الواسعة وقدرتهم على حشد الشارع وراء الأهداف الوطنية والإسلامية.
الائتلاف بين القوة والضعف:
يتميز الائتلاف الثنائي بين المؤتمر والإصلاح بجوانب قوية أسهمت في تجاوز الحزبين للعقبات والمخاطر التي هددت ائتلافهما طوال الفترة الماضية، ويمكن إجمالها كالتالي: وجود تفاهم بين قيادتي الحزبين وأرضية مشتركة ساعدت على تجاوز محطات الخلاف البارزة التي حدثت بينهما، ولا سيما أن الإسلاميين كانوا أعضاء في المؤتمر الشعبي العام قبل إعلان حزبهم الخاص، بل كان لهم دور هام في صياغة الميثاق الوطني الذي يعد الدليل الفكري للمؤتمر، إضافة إلى العلاقات التحالفية السابقة التي جعلت كل طرف يفهم الآخر أكثر من غيره.
نجاح الطرفين في التعامل مع نقاط الخلاف التي نشأت بينهما بدون اللجوء إلى سياسة التحدي المكشوف أو دفع الأمور إلى حافة الهاوية، كما كان يصنع الاشتراكيون أيام تحالفهم مع المؤتمر، حيث كانوا يعتمدون على قوتهم العسكرية في تصعيد الخلاف وحدة التوتر للضغط على شريكهم للاستجابة لمطالبهم تحت راية التلويح بالحرب والانفصال.
وعلى العكس من ذلك، حرص الإسلاميون على التعامل مع نقاط الخلاف انطلاقًا من فقه عميق لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظلوا يعبرون عن مواقفهم في قضايا الخلاف بأسلوب متزن يلتزم بقرار الأغلبية مع توضيح للموقف الخاص للإسلاميين.
وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب لم يكن يرضي حزب المؤتمر على طول الخط، إلا أنه جنب البلد الدخول في صراعات سياسية ومهاترات مستمرة كالتي كانت تحدث أيام الفترة الانتقالية.
اطمئنان قيادة المؤتمر إلى عدم وجود مشروع تأمري لدى الإسلاميين، يؤكد ذلك التجارب السابقة في التعامل، وحقيقة كون الإسلاميين هم التيار الوحيد الذي لم يتورط في أية محاولة انقلابية أو تمرد عسكري مثلما حدث مع الشيوعيين والبعثيين والناصريين، وعندما ثارت أزمة الدستور بين الإسلاميين والدولة في أعقاب الوحدة، استخدم الإسلاميون كل الأساليب السلمية الممكنة بما فيها تسيير أكبر مسيرة شعبية عرفها اليمن في تاريخه، وعندما أصرت الدولة على موقفها اكتفى الإسلاميون بمعارضتهم السلمية، وأعلنوا أنهم سيواصلون معارضتهم للدستور عبر البرلمان والصحافة حتى تتحقق أهدافهم، وهو موقف أكسبهم احترام المراقبين بالنظر إلى خطورة نقطة الخلاف.
ومع توافر جوانب القوة المذكورة سابقًا إلا أن هناك جوانب ضعف حقيقية تؤثر على تماسك الائتلاف وتعرضه لهزات بين حين وآخر، وإجمالًا فإن جوانب الضعف تتمثل في الآتي:
التنافس الحزبي الطبيعي بين كيانين يمثلان أكبر قوتين سياسيتين فاعلتين في الساحة اليمنية، وربما تبرز مظاهر التنافس -في الغالب- عند مستوى القواعد وخصوصًا في القضايا الإدارية التي تقتضي تعيينات جديدة.
وجود مجاميع غير قليلة داخل المؤتمر الشعبي كانت فيما سبق منخرطة في أحزاب شديدة العداوة للإسلاميين، وهذه المجاميع تحتفظ بمواقف خاصة معارضة للائتلاف مع الإصلاح، وهي التي تعمل على إذكاء روح التنافس والخصام مع شركائهم في الائتلاف، إلا أن نفوذ هذه المجاميع يبقى محدودًا بسقف معين، إذ ما تزال السلطة والقرار الأخير داخل المؤتمر بيد الرئيس علي عبدالله صالح المشهور عنه إجادته للعبة التوازنات داخل أجهزة الدولة.
وفي المقابل فإن هناك انطباعًا نافرًا داخل التيار الإسلامي من المجاميع الحزبية المشار إليها سابقًا، وكل ذلك يعد نقطة ضعف خطيرة داخل الائتلاف.
التخوف المعلن عالميًا من التيار الإسلامي بشكل عام، إذ تصير مشاركة الإسلاميين في السلطة -عادة- مصدر قلق وتخوف من ازدياد فرص الإسلاميين في تنفيذ مشروعهم الثقافي والفكري على حساب النهج العلماني الذي يحظى بدعم الغرب.
وكل ما سبق ذكره من جوانب القوة والضعف فعلت فعلها في مسيرة الائتلاف الثنائي بين المؤتمر والإصلاح، فجوانب القوة نجحت -مثلًا- في أن يتجاوز الائتلاف مرحلة الانفكاك، وعلى الرغم من قضايا الخلاف الكبيرة التي برزت خلال الـ ۱۸ شهرًا الماضية.
أما جوانب الضعف فقد كشفت حقيقة الخلافات الموجودة، وأضعفت مستوى العلاقات التي كان الائتلاف يطمح في الوصول بها إلى درجات كبيرة، وانحصر -بالتالي- مستوى التنسيق أو صورة التحالف في جوانب معينة أبرزها الحكومة المشكلة من الحزبين.
مظاهر الخلاف:
ومن الناحية الفكرية يميل المؤتمر إلى نهج أقرب لنهج الأحزاب الحاكمة في مصر وتونس على سبيل المثال، وخاصة فيما يختص بالقضية الاقتصادية والخصخصة، ورفع الدعم الفوري عن المواد الأساسية، بينما يشترط الإسلاميون أن تصاحب هذه الإجراءات إصلاحات إدارية تطال العناصر الفاسدة في الجهاز الإداري للدولة، إضافة إلى الاهتمام بمقاومة الآثار السلبية التي تطال الفئات الفقيرة من جراء تطبيق سياسة اقتصاد السوق.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، تبرز قضية السلام مع الصهاينة كمسألة خلافية أكيدة، فالمؤتمر يتعامل معها كقضية سياسية، ومنها جاءت مشاركته في مؤتمر «عمان» الاقتصادي بينما ينظر إليها الإسلاميون في إطار تحليلهم المعروف للصراع بين الإسلام وأعدائه من الصهاينة والصليبيين.
ومن القضايا التي تثير خلافات مستمرة بين حزبي الائتلاف ما يتصل بالجوانب الإدارية داخل جهاز الدولة، حيث تثير التعيينات الإدارية الجديدة خلافات -غالبًا- وتبادلًا للاتهامات بأن كل طرف يسعى لتمكين أنصاره، وهي قضية في الواقع لا تقتصر على الحزبين الحاكمين فقط، فكل تيار سياسي يثير زوابع في الصحافة عندما يطال التغيير شخصًا تابعًا له، وهو أمر يؤدي إلى عرقلة الإصلاحات الإدارية، إذ يتعمد المتضررون منها إلى منحها بعدًا سياسيًا للحصول على دعم الأحزاب التي ينتمون إليها.
وفي مجال العمل النقابي، تصطدم مواقف الحزبين الحليفين في أكثر من نقابة، إذ يسيطر المؤتمر الشعبي على معظم النقابات بما فيها قيادته، فيما يتنافس الإسلاميون والمؤتمريون في بعض النقابات ودون أن يتمكنوا من الوصول إلى صيغة مشتركة مرضية للطرفين، مما ينتج عنه ظهور أكثر من نقابة في قطاع واحد كما هو حاصل في نقابة المعلمين، أو تجميد العمل في قطاع، كما حدث في الانتخابات الجامعية التي توقفت المرحلة الأخيرة منها بعد اتضاح اكتساح الإسلاميين لمراحلها الأولى.
وفي العمل النقابي تبرز معضلة أن المؤتمر يطالب بنصيب يناسب وجوده في الدولة لافتقاره إلى شعبية حقيقية في القطاعات الطلابية والتعليمية، بينما يصر الإسلاميون على ألا تنسحب أغلبية المؤتمر في مجلس النواب على نصيبهم في كل شيء.
وأخيراً فهناك الانتخابات النيابية القادمة التي بدأ التنافس حولها قبل عام من موعدها، فالمؤتمر يعلم أن الإصلاح سوف يكون منافسه الأول، وخاصة أن الإسلاميين ليس أمامهم خيار إلا تحسين نصيبهم في مجلس النواب القادم إذا أرادوا أن يستمروا في أداء دورهم الراهن مستقبلًا، وفي المقابل فإن أمين عام المؤتمر د. عبد الكريم الإرياني أعلن أكثر من مرة أن المؤتمر يخطط للفوز بأغلبية كبيرة، وهو الإعلان الذي أثار تخوفات من احتمال استخدام آلة الدولة -التي يهيمن عليها المؤتمر- لتحقيق النتيجة مثلما يحدث في بلاد أخرى.
وما لم يتوصل الحزبان الحاكمان إلى صيغة معقولة للتحالف بينهما في الانتخابات القادمة، فإن المتوقع أن تكون الشهور القادمة -حتى موعد الانتخابات- شهور خلافات انتخابية وتنافس حاد سيلقي -بالتأكيد- بظلال قائمة على العلاقة بين القطبين السياسيين الكبيرين في اليمن.
بل وقد تستفيد من الخلاف جهات سياسية أخرى، لأن الوسط الشعبي -ولاسيما في المحافظات الشمالية- منقسم بين المؤتمر والإصلاح، وأي تحالف آخر بين اليساريين -مثلًا- ربما يتمكن من الفوز على أنقاض الخلاف والتنافس بين الحزبين الحاكمين.
رغم كل ما يقال عن الائتلاف إلا أنه سيظل يمثل تجربة مهمة في المنطقة
ومع كل ذلك، فيبقى أن الائتلاف بين الإسلاميين والمؤتمر هو تجربة هامة في المنطقة وعلى المستوى الداخلي فإن الخلافات التي تطرأ بين المؤتلفين لم تشكل خطرًا حقيقيًا على المجتمع كما كان يحدث سابقًا بين المؤتمر والحزب الاشتراكي، فقد استفاد اليمن من اتفاق المؤتمر والإصلاح في تشكيل جبهة ساحقة ضد الانفصال، وفي المقابل لم تنعكس خلافاتهما بالسوء إلا بنسبة ضئيلة.
فهل يستمر ائتلاف المؤتمر والإصلاح حتى خوض المعركة الانتخابية أم لا؟ هذا سؤال تصعب الإجابة عليه الآن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل