; هل ستبقى تركيا تتجاهل مشاكلها؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل ستبقى تركيا تتجاهل مشاكلها؟

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر الأحد 26-أبريل-1992

مشاهدات 63

نشر في العدد 998

نشر في الصفحة 28

الأحد 26-أبريل-1992

• يقول دعاة العلمانية في تركيا إن الإسلام طارئ، على ذهنية الأتراك وأنهم من صناع حضارة البحر الأبيض المتوسط.

 

• اعتقد أتباع أتاتورك أن لبس قبعة الأوربي وخلع لباس المرأة المسلمة تقليدًا للغرب إنما هو المفتاح الذي سيفتح لهم أبواب التقدم على مصراعيه.

 

أخطر المشاكل التي تواجه أي أمة من الأمم هي التي يجري تجاهلها. والأمم المتخلفة وحدها هي التي تغلف مشاكلها بأوراق زاهية، بل قد تصورها لشعوبها نوعًا من الإنجازات تطرب لها هذه الشعوب فترة من الزمن ثم تجد نفسها أمام ورطة كبرى أقل نتائجها أنها تصيب الفرد بالإحباط وتصيب الأمة بالإفلاس والانهيار.

ولا توجد أمة أو جماعة لا تواجه مشاكل من نوعٍ ما، فإذا استطاعت أن تحول هذه المشاكل إلى تحديات وأطلقت عقل الفرد وهمة الجماعة وسخّرت الجامعات والمعاهد العلمية في تحديد حجم المشكلة ووضع الحلول المناسبة لها وحلها، عندها تكون هذه الأمة أو تلك الجماعة في طريقها إلى الرقي الفكري والمادي، أما إذا تجاهلتها وكأن شيئًا لم يكن، فاعلم أن تلك الأمة أو الجماعة اعتمدت الأسلوب الغوغائي وأنها غلّفت مشاكلها وحاولت إقناع الآخرين بأن الحال على أحسن ما يرام.

في التاريخ المعاصر الكثير من الشواهد التي يمكننا الاستشهاد بها لتوضيح هذه الفكرة.

الثورة الروسية

فالثورة الروسية التي انطلقت عام 1917م معتمدة في انطلاقتها على الشعوب المظلومة التي كانت تحت الاحتلال القيصري، وأعلنت الثورة في المواثيق أنها ستمنح هذه الشعوب حرياتها وأنه قد أزفت ساعة تحررها، وما أن تمكن لينين ورفاقه من تثبيت أقدامهم، حتى استداروا على هذه الشعوب يظلمون ويفتكون حتى حولوها إلى توابع قليلة مسحوقة لا حول لها ولا قوة وأسدلوا الستار الحديدي. وأعلن لينين أن الدين والقومية والملكية الفردية من مخلفات الإقطاع وأن الثورة الاشتراكية ستقضي على ذلك في مدة وجيزة، وكانوا يتباهون في كتبهم ومنشوراتهم أن الجامعات والكليات التي تخصصت في (علم الإلحاد) قد نجحت في تحويل الشعوب السوفيتية إلى شعوب لا تؤمن بغير الاشتراكية العلمية.

وهم في ذلك كانوا يضحكون على أنفسهم وعلى شعوبهم وعلى الآخرين. فلما جاءت ساعة الحساب وإذا بمقومات الشعوب مازالت أصيلة قوية متماسكة، وإذا بعلاقات هؤلاء مع الاشتراكية العلمية أوهى من خيوط العنكبوت، وإذا بالبناء الضخم الذي كان اسمه الاتحاد السوفيتي يتحول بين عشية وضحاها من الدولة الأعظم إلى دولة مازال الغرب يحقنها بعشرات مليارات الدولارات من أجل أن تأكل وتحولت ترسانة أسلحتها وصواريخها إلى المزاد العلني.

قضيتها الأساسية أنها تجاهلت مشاكلها: مع شعوبها، مع اقتصادها، مع حقائق الحياة المعاصرة حولها، مع التاريخ مع الجغرافيا، مع الدين، مع كل مقومات الإنسان والأمة، فتحولت جميع هذه العناصر إلى عوامل هدم في كيان مصطنع. وفي جلسة البرلمان الروسي التي عقدت مؤخرًا وضعت ستارة على تمثال لينين تجلله بالسواد والعار، فقد حول أكبر دولة في العالم إلى دولة مهينة تبحث عن المساعدات لتأكل.

ومازالت تركيا التي تعيش إلى الجنوب تعاني من مشاكل مماثلة، فالانقلاب الذي حدث في تركيا والذي مازال الأتراك يدرسونه في جامعاتهم باعتباره الإنجاز الأهم والأعظم في تاريخهم والذي حولته طبقة المنتقمين إلى دين يعبد، ونصبوا أنفسهم كهنة لهذا المعبد، يحيطون أنفسهم بالرفعة والقدسية، وليس لأحد أن يسألهم عما يفعلون وهم وحدهم الذين أعطوا لأنفسهم حق السؤال.

أنشأوا أحزابًا ديمقراطية ونادوا بالتعددية السياسية، حتى إذا حاولت هذه الأحزاب أن تخرج عن قواعد الهيكل تحرك الجيش في انقلاب جديد، فألغى الأحزاب وأوقف الدستور وعطّل المؤسسات ودعا الشعب للبدء من جديد.

تركيا والمجموعة الأوروبية

وقالوا بحضارة البحر الأبيض المتوسط وأن الإسلام طارئ على ذهنية الأتراك وأنهم من صناع حضارة البحر المتوسط، وأنهم يشتركون مع أوروبا في حضارة مشتركة، وأنهم إذ يواكبون هذه الحضارة اليوم، إنما يريدون سبقها في الغد.

ونادى ساسَتهم وفلاسفتهم على السواء بهذه المقولة واعتقدوا أن لبس قبعة الأوروبي وخلع لباس المرأة المسلمة تقليدًا للغرب إنما هو المفتاح الذي سيفتح لهم أبواب التقدم على مصراعيه، ومع ذلك فمازالت أنقرة بعيدة عن أوروبا.

في سبتمبر 1989 قال البروفيسور جاك ديلور رئيس المجموعة الأوروبية في محاضرة له: من أهم خصائص الشخصية الأوروبية التي تتيح الانضمام إلى المجموعة الأوروبية هو أن تنتمي إلى الثقافة المسيحية.

وجاء هذا ردًا مباشرًا على تصريحات رئيس الجمهورية التركية تورغوت أوزال في ستراسبورغ حين قال: إن الغرب فكرة ومفهوم بغض النظر عن الحدود الجغرافية.

وبالطبع هناك مئات التصريحات والمقالات والأبحاث التي تقول إن الحضارة الأوروبية هي حضارة مسيحية وحتى زعيم الإلحاد الرسمي ميخائيل غورباتشوف يقول في إحدى تصريحاته: إن أوروبا هي بيتنا المسيحي المشترك. والذين لا يريدون أن يسمعوا هم الأتراك أبناء الانقلاب الكبير، وماذا يقولون لشعوبهم بعد أن نالوا بالتغريب وبحضارة البحر المتوسط لأكثر من قرن من الزمان، أيستطيعون أن يقولوا لهم أن ذلك كان مجرد وهم؟

وقالوا إن التركي سيد قدره، وأنه معلم الناس، وأن السعيد في هذه الحياة من يقول: أنا تركي. وفي تركيا أجناس وأقوام متفاوتة الأحوال مختلفة الألسن، فهناك التركي والكردي والشركسي والبلغاري، واليوغسلافي والعربي واليوناني والمجري وكثير غيرهم.

هؤلاء جميعًا كان يجمعهم الإسلام أخوة في المواطنة متساوين في الحقوق والواجبات.

فلما سقطت الدولة العثمانية ورفع الانقلاب الكبير شعار القومية والعلمانية وأعطيت جميع الحقوق للأتراك وصارت المدرسة تدرس أدب وعظمة وتاريخ الأتراك واصطبغت جميع مؤسسات الدولة بهذه الصبغة وحرمت جميع الشعوب الأخرى من كافة حقوقها.

فهم أتراك رغمًا عنهم، يدرسون هم وأبناؤهم اللغة التركية ويُحرمون حتى من النطق بلغتهم فذاك جرم يعاقب عليه القانون. وكانت النتيجة المنطقية لهذا الوضع الخطأ أن بدأت هذه الشعوب بالتململ.

إن الثورة التي يقودها الأكراد في تركيا وهم يشكلون ثلث السكان للمطالبة بحقوقهم التي تتراوح بين إعطائهم حقوقهم الأساسية والحكم الذاتي لمناطقهم وبين الانفصال الكامل عن تركيا وتشكيل كردستان الكبرى، ليس سببها سوريا أو العراق أو إيران التي تؤلّب وتسلح حزب العمال الكردي، وليس سببها اختلاف مصالح الأحزاب التركية واستغلال هذه الأحزاب للورقة الكردية، وليس سببها تخلّف مناطق الأكراد بالنسبة لمناطق البلاد الأخرى. إنما الأسباب الحقيقية هي أن تركيا تخلت عن هويتها الحقيقية، من هويتها الإسلامية التي كانت تجمع جميع هذه الشعوب تحت لواء الإسلام أخوة في العقيدة والوطن، إلى عقيدة وهوية جديدة هي القومية العلمانية، القومية التي تفرق والعلمانية التي تباعد بين الشعوب والقوميات.

إن القومية التي أفقدت الأتراك زعامة امتدت لعدة قرون من حكم الجزء الأكبر من العالم الإسلامي تهدد اليوم النسيج الاجتماعي للأمة بكاملها، إن التنافر القائم اليوم بين القومية التركية والقومية الكردية في تحدٍ سافر وحرب حقيقية لا تختلف في شيء عن الحرب التي قامت في أوائل سني هذا القرن بين القومية التركية والقومية العربية وساعدت بذلك على هدم الدولة الإسلامية، وتسليم المقاطعات الإسلامية كمناطق نفوذ للدول الكبرى الطامعة. إن القرار السياسي الذي أصدره تورغوت أوزال زعيم حزب الوطن الأم بالسماح للأكراد بالتحدث بلغتهم دون أن يستطيعوا الكتابة أو القراءة بها والمبادرة التي أطلقها سليمان ديميريل زعيم حزب الطريق المستقيم بالسماح للأكراد بأن يفتحوا مدارسهم الخاصة بهم وأن يصدروا كتبًا ومجلات بلغتهم أو أية مبادرات أخرى من هذا القبيل إنما هي محاولات بدائية تخطاها الزمن من ناحية وهي في الاتجاه الخطأ من ناحية أخرى. إن هذه المحاولات تعالج مظاهر للمشكلة ولم تنفذ إلى حقيقة المشكلة وهم بالطبع لا يستطيعون النفاذ إليها، وماذا سيقولون لشعوبهم هل سيقولون لهم أن الهوية الجديدة القومية العلمانية التي تنادي بها تركيا منذ أكثر من نصف قرن والتي اعتبرتها بطاقتها لدخول العالم المتحضر والتي هي عماد انقلابها الكبير، إنما هي مجرد هوية زائفة ووهم كبير حارب التلاحم بين طبقات الأمة وحولها إلى شعوب وقبائل يقاتل بعضها البعض وأن الدمار الذي أصاب العلاقات بين الشعوب العربية والتركية سابقًا والعلاقات التركية الكردية اليوم إنما سيكمل الدورة وسيأتي على البقية في وقت قريب؟

هل يستطيع هؤلاء أن يصارحوا شعوبهم بالحقيقة؟ نشك في ذلك لأن القضية ستكون على أنقاضهم وأنقاض سياساتهم وأنقاض هيكلهم وهيكل كبيرهم الذي علمهم السحر.

رأي أربكان ومزاركي

إن أخطر المشاكل التي تواجه الأمة هي تلك التي يجري تجاهلها. ولقد قرع ناقوس الخطر زعيم حزب السلامة (سابقًا) البروفيسور نجم الدين أربكان حين قال: إن تركيا لن تستطيع تغيير أوضاعها المتردية حتى لو تمكنت الأحزاب الوطنية الصادقة في كسب معظم أصوات الجمعية الوطنية.

الذي تركه أربكان مبهمًا أوضحه النائب حسن مزاركي أحد أعضاء حزب الرفاه في البرلمان وعضو لجنة حقوق الإنسان التركية حين اقترح فتح ملفات التاريخ التركي حتى تستطيع البلاد أن تتأمل في تاريخها المعاصر وتخطط لمسيرتها المستقبلية في ضوء الوقائع الموضوعية. لقد أرعبته أحداث إلقاء القنابل على الباصات والمحلات التجارية في مدن مختلفة في أنحاء تركيا والتي نتج عنها عشرات الضحايا الأبرياء. وأرعبه أكثر عندما شاهد أثناء زيارته لمناطق الأكراد الآلاف من أبناء الشعب الكردي ملقين على وجوههم في الطين من الصباح حتى المساء، وعشرات بل مئات حوادث الاعتقال والتعذيب والاعتداء على الأعراض والتي كانت (في رأيه) سببًا في تدعيم الدعاوى الانفصالية التي ينادي بها (حزب العمال الكردستاني). ويستطرد النائب المسلم فيقول: إن مشاكل تركيا ستظل بدون حل حتى لو أتى حزبه (حزب الرفاه) إلى الحكم، فهو لا يعتقد بأن حكم تركيا في يد الجمعية الوطنية (البرلمان) ولا رئاسة مجلس الوزراء وإنما توجد دولتان داخل تركيا:

إحداهما منظورة. والأخرى خفية.

وليست الجمعية الوطنية ولا رئاسة مجلس الوزراء سوى أداة في يد الدولة الخفية.

ويستطرد حسن مزاركي فيقول: لدينا مخلوق غريب اسمه المخابرات يعمل تحت إشراف المخابرات المركزية الأمريكية ويرسل تقاريره بصورة منفصلة ومختلفة إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس الأركان. أما الجمعية الوطنية فتؤدي دورًا مرسومًا لها لا تستطيع أن تحيد عنه.

وأبدى نائب حزب الرفاه عدم تفاؤله إزاء مستقبل الحكومة الائتلافية التي قامت مؤخرًا بين ديميريل واينونو وهو يعتقد بأنه من واجب الشعب أن يسرع إلى التفكير بالبدائل بدلًا من الخوض في نزاعات سياسية. "دعونا نناقش مشكلة النظام السياسي في تركيا، لأنه بينما ينهار النظام فإنه قد يسقط على رؤوس الشعب أيضًا". وفي رأيه أن الحكومة تعمل بأسلوب قطاع الطرق بين عشية وضحاها تعلن عن رفع الأسعار 5% فتسطو على 5% من مكتسبات وأقوات الشعب. الظلم هو الظلم سواء ارتكبه اليونانيون في (تراقيا الغربية) أو البلغار (ضد البلغار الأتراك) أو صدام حسين (ضد شعبه وجيرانه) ولكنهم لا يعتبرونه ظلمًا إذا ارتكبته حكومة الجمهورية التركية.

ويرى نائب حزب الرفاه أن بذور الانفصالية وعدم الاستقرار السياسي في تركيا زرعت منذ الأيام الأولى للجمهورية عندما وضع آباؤها الروحانيون تقاليد وأسس الانقلابات العسكرية والثأر السياسي فقد تخلص مصطفى كمال أتاتورك نفسه من الجمعية الوطنية الكبرى بانقلاب، وتم التخلص من علي شكري والشيخ سعيد بكل بساطة لمعارضتهما لسياسات النظام، وكان الشيخ سعيد كرديًا مسلمًا، ولكنهم وصفوه بأنه قومي انفصالي، وكان علي شكري عضوًا في الجمعية الوطنية الكبرى من (طرابزون) وناطقًا باسم المجموعة التي تعارض سياسات مصطفى كمال العلمانية، وكان علي شكري قبل ذلك ضابطًا بحريًا تلقى تعليمًا عاليًا يتحدث الإنجليزية بطلاقة مما أتاح له فرصة متابعة ما تكتبه الصحافة البريطانية فأدرك جسامة المخططات الإمبريالية ضد تركيا ورأى بالطبع أن معاهدة لوزان التي كانوا يصورونها على أنها انتصار مؤزر كانت أكبر إذلال بحق تركيا. وقد اغتيل علي شكري بك سنة 1923م على يد طوال عثمان بمساعدة أفراد من الحرس الخصوصي لمصطفى كمال. وبعدها مباشرة قتل طوال عثمان في كمين نصبته القوات الحكومية وبذلك ظل الفاعل الحقيقي وراء مقتل علي شكري مختفيًا، وضاعت الحقيقة إلى أن كشفها أحد أصدقاء مصطفى كمال المقربين وأحد وزراء حكومته دكتور رضا نور الذي اتهم في مذكراته الخاصة التي ظلت محظورة في تركيا إلى الآن اتهم مصطفى كمال بتدبير اغتيال علي شكري بك.

ولما كان الانقلاب العسكري جزءًا عضويًا من صيغة الجمهورية التركية فإن حسن مزاركي يعتقد أنه لا يوجد ما يضمن ألا يحدث انقلاب آخر غدًا ولا يعتقد أن الذين يؤمنون بالكمالية صادقون في دعواهم، بل إنهم بكل بساطة يستغلون، بل ويسيئون استغلال ذكرى مصطفى كمال لخدمة مصالحهم الخاصة، فهذه الذكرى أحوج ما تكون إلى من يحررها من براثن كهنة الكمالية، وفي جميع الأحوال تحتاج تركيا إلى أن يعاد إليها تاريخها المحجور عليه.

 

 

الرابط المختصر :