; هل سقطت وزارة الداخلية في قبضة الإرهاب العلماني؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل سقطت وزارة الداخلية في قبضة الإرهاب العلماني؟

الكاتب عبدالرزاق خليفة الشايجي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999

مشاهدات 59

نشر في العدد 1338

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 16-فبراير-1999

كنت مسافراً لحضور مؤتمر الإسلام والغرب في: تركيا، وسمعت أن ن مواطنا كويتياً طالب في كلية الشريعة مارس حقه في التعبير عن رأيه، لكنه تجاوز قانون الطبع والمنشورات في أسلوب التعبير، فالقي القبض عليه، فقلت الحمد لله، سيكون الأمر بسيطاً في ظل الحرية التي تتمتع بها الكويت.

 ثم هجم فجأة على بالي طرف معروف بإثارة الفتن كنت قد نسيته، وهو أم المصائب والبلاء في الكويت وهم العلمانيون وممارساتهم الإرهاب الفكري على الحكومة، واستغلالهم الأقلام والصحافة للتأثير على وزارة الداخلية لتتجاوز القوانين والأحكام والدستور والديمقراطية والحرية وحرمة المواطن، وحقوق الإنسان، وكل شعاراتهم التي يتبجحون بها، والتي يتناسونها إذا كان المتهم قال كلمة أو نصف كلمة، أو ربع كلمة خلاف ما يريده العلمانيون لهذا البلد، وإذا كانت القضية تتعلق بالأخلاق والدين عندها قلت في نفسي: «الله يستر، هذا هو ما نخشاه، ثم شغلتني الأحداث حتى وصلت الكويت.

ثم مررتُ على الصحف سريعاً بعد رجوعي.. فرأيت أنه قد وقع ما كنت أخشاه وإذا بالعناوين العريضة مثل الخوارج في قبضة الأمن السياسة (۲/۲)، ثم مقالات تنضح بتأليب الداخلية في قضية لا تستحق كل هذا التضخيم مثل عبارة اليوم كلمة، وغداً أسلحة ورصاص قاتل (السياسة)، وعبارة: أم هي من فعل أعداء مندسين بين صفوفنا يريدون نشر البغضاء، وإشعال فتنة لا تحمد عقباها (حسن الصايغ الأنباء 3/2)، وعبارة أين وزير الداخلية من كل ما يجري.. يبدو أنه منهمك في إكمال لزوميات أناقته بدل لزوميات أمنه (زاهد مطر السياسة 1/2)، وهلم جرا.

وإذا بمقالاتهم تنضح بالتحريض ضد هذا المواطن المسكين، وتدفع باتجاه تكبير القضية وإعطائها حجماً هائلاً، ومقارع بني علمان الصحفية تقرع رأس الطالب الذي عبر بطريقة بدائية وعفوية عن رأيه، لكنه يجهل ما وراء هذه المخالفة، وظن المسكين أنه حتى لو عوقب فهو في دولة يحترم فيها القانون والمواطن له حقوقه والداخلية متجردة تتعامل مع الجميع بروح القانون بعيداً عن تأثير أقلام الصحافة العلمانية، ونسي أن وزارة الداخلية قد تسقط ضحية لإرهاب بني علمان.

وهكذا نجح "بنو علمان" في أن يجعلوا وزير الداخلية يتدخل شخصياً في قضية جنحة ليس فيها إلا كفالة وحكم بغرامة، والوزارة تفعل مثل هذا في جرائم الهوامير الكبار. ولكن هنا فعل بنو علمان، فعلتهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 أخذني الإرهاق بعد قراءة الصحف وطول السفر، فوضعت رأسي على الوسادة وجالت بخاطري قصة كأنني أرى مناماً عجيباً غريباً. كأنني اسمع باب الغرفة يطرق بشدة، ثم يضرب بمطارق الحديد، ويرفس بالأرجل، حتى تكسر وتناثر الخشب، ودخل خمسة من الرجال الأشداء كان الواحد منهم كبت صناعة دمياط أبو بابين فأخذوا برجلي، وألقوا بي في جيب قديم لأبوابه صرير مقزز للسمع مكتوب على بابه: وزارة الداخلية - الأمن السياسي - دائرة مكافحة المعارضة السياسية - قسم المعارضة الإسلامية. شعبة الشايجي وما إليه، وبعد أن عصبت عيناي وفي الطريق أسمع السائق يقول لمن بجانبه كم رقم هذا الشايجي من حصيلة اليوم، فقال الآخر: نسينا والله من كثرهم اليوم والله هلا فبراير هذا أشغلنا احجزونا بس نلاحق المعارضين.

ولحظات.. وإذا أنا أمام ضابط كبير امتلأ كتفاه بالنجوم وصدره بالنياشين الحمراء والصفراء والخضراء، وله شاربان طويلان، وفي فمه غليون، ولوحة الاسم مكتوب عليها المهيب الركن أبو كلبشة، وله كرش عظيم، فنفخ في وجهي الدخان ثم صرخ يا شايجي أنت متهم بالدفاع عمن يعارض "هلا فبراير"، فاندفعت قائلاً بلا تردد، كأنني ألهم الكلام إلهاماً، وأخذت الشجاعة بتلابيب قلبي:

١- إذا كانت مهمتكم حفظ الأمن، فالأمن يأتي أولاً وقبل كل شيء باحترام القوانين والمواطن الكويتي لا ولن يستطيع أحد أن يصادر حريته، ولن يكون في الكويت سجناء رأي، أو تكميم للأفواه بالتعسف في استعمال السلطة، وما يجري في بعض الدول العربية التي تمارس هذا النهج، إنما هو سوءة التصقت في جبين الأمة لن تطول جبين الكويت بإذن الله تعالى.

 2- نحن هنا في دولة قائمة على احترام حق الجميع في التعبير عن رأيهم، إذا كان الطالب قد أساء في الأسلوب فلا تضخموا القضية.

 3- ليس من المعقول أبداً أن تخرج الجمعيات النسائية بلافتات عريضة وتتجمع في الساحات العامة مخالفة للقانون مخالفة صريحة، ويعلق مئات المواطنين مئات اللافتات بلا إذن من وزارة الإعلام أو البلدية، وتعلق ألاف اللافتات تعلن عن هلا فبراير بلا ترخيص، فيمر هذا كله مرور الكرام ويغض النظر عن قانون النشر، وعندما يأتي دور طالب صغير السن، يعبر عن رأيه بطريقة سلمية وبلافتة ليس فيها تهجم على أحد، ترضخ وزارة الداخلية لضغوط بني علمان»، الذين يصفون حساباتهم مع التيار الإسلامي، ويصبح هذا الطالب ضحية وكبش الفداء، تمهلي يا وزارة الداخلية واتزني، واستفيدي من أخطاء الدول التي صنعت التطرف والإرهاب لما استمعت المشورة الحاقدين على الإسلام.

 فضحك الضابط "أبو كلبشة"، ضحكة مدوية وقال بصوت يشبه صوت محمود المليجي أيام تليفزيون الأسود والأبيض: مسكين يا شايجي!! إنت نايم هذا كان أيام زمان، أيام الدستور، الحين أنت تحت قانون الطوارئ والأحكام العرفية، ثم سكت ونفخ الدخان وهو يقهقه وكرشه (ينطط)، وبقي في أذني دوي قوله: الأحكام العرفية.. الأحكام العرفية.. الأحكام العرفية..

ثم استيقظت فجأة وقد امتلأ جسمي بالعرق والزفير والشهيق يكاد يقتلني، وحمدت الله تعالى أنه كان مجرد حلم مزعج، ولن يحدث في واقع الكويت بإذن الله تعالى.

 والآن يا وزارة الداخلية نريد أن نفهم ما هي القصة بالضبط؟ هل هناك استثناء خاص من وزارة الداخلية في التعامل مع التيار الإسلامي؟ هل الجنحة تصير جناية إذا كان مرتكبها إسلامياً؟ ولأنه قال: )وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ( (البقرة: 281)، يجرجر من أربعة أيام إلى أربعة أيام، إلى ٢١ يوماً. ثم استكمال التحقيق، ثم إعادة التحقيق، ثم تتطور إلى قضية تنظيم إرهابي خطير، لأن هناك من يؤثر على القضاء الكويتي إعلامياً بأفكار علمانية متطرفة تحرض ضد الإسلاميين؟

هل القانون يفرق بين الإسلاميين وغيرهم؟ هل ستنحاز وزارة الداخلية إلى طرف من المواطنين الكويتيين دون طرف في دولة من المفترض أن يكون الجميع سواء تحت القانون؟ هل هناك تأثير خارجي من وزراء داخلية عرب في دول تصادر فيها الحريات على وزيرنا الفاضل؟

اقبضوا عليّ

هل تريد الحكومة أن تفهمنا أن صدقوا أن هلا فبراير ينعش الاقتصاد واقبلوه، وإلا يصير مصيركم مصير المحجوز في الجنائية، بهدلناه بهدلة محترمة؟ والله يا سلام يا حكومة أما أنا عبد الرزاق خليفة الشايجي، فأوَّل المعارضين لمهلا فبراير»، ووقعت على ذلك مع سبعين من الأساتذة والدعاة غيري في صورة بيان وزعناه على الصحف وأعضاء مجلس الأمة، فاقبضوا عليّ لأنني قلت رأيي، وإذا كنتُ سأسجن لأنني قلت رأيي ف السجن للرجالة، كما يقول الصعايدة.

إن تحوير هذه القضية البسيطة من جنحة في مسألة شخصية يقع فيها ألاف الناس فتمر بسلام إلى هالة كبيرة، ومحاولة تفهيم الناس أن هذا الطالب الذي لم يتجاوز الحادي والعشرين عاماً (كارلوس) الكويت، والفتيان اللذان معه هما جماعة أبو نضال، فإن ذلك يثير التساؤل التالي: هل هناك مؤامرة على التيار الإسلامي - الذي يشكل شريحة عظيمة جداً من المواطنين أوصلت أغلبية إلى البرلمان - بتحريض علماني للحكومة لتحجيم وتخويف الإسلاميين بسبب موقفهم الصلب ضد تجاوز قانون منع مطبوعات الزندقة والإباحية والذي أدى إلى إقالة وزير الإعلام السابق، وصارت برأس مواطن كويتي علق لافتات بريئة ولم يدر ما وراء الكواليس؟ نحن بدورنا نحمل النواب مسؤولية كشف أطراف هذه المؤامرة وإحباطها لينقلب المكر على صاحبه. وبصراحة.. نقول للداخلية: القضية ما كانت تستأهل لو أن الأقلام الحاقدة كفت بث سمومها المؤججة للفتنة، وأن بقاء هؤلاء المحجوزين وبقاء الأقلام الصحفية تحرض على الإسلاميين تأجيج لنار فتنة نحن في غنى عنها، ونطالب بالإفراج عن الطالب ومن معه وعرضهم على المحكمة لتأخذ القضية مجراها الطبيعي، وكفى الله المؤمنين شر الفتن.

نقطة أخيرة وزع سبعون من المواطنين - دكاترة وخطباء ودعاة - الذين لهم حق التعبير عن الرأي بياناً على الصحف يعترضون بأسلوب سلمي على منكرات هلا فبراير، فلم ينشر سوى في «الوطن» وصحيفة أخرى بتصرف شديد وبتر كبير، فماذا جرى على صحف الحرية التي طالما تبجحت بها؟ أم أن الحرية فقط في نكت الاستهزاء بالله تعالى؟

الرابط المختصر :