العنوان هل فقد الشارع العربي فاعليته وتحول إلي أسطورة وهمية؟
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2002
مشاهدات 79
نشر في العدد 1487
نشر في الصفحة 21
السبت 02-فبراير-2002
خلال الأيام التي سبقت بدء الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان, نشط الدبلوماسيون الأمريكيون في رصد ردود الفعل المتوقعة في الشارع العربي والإسلامي. ومع أن النتائج التي توصلوا إليها أظهرت تواضع ردود الفعل الشعبية المحتملة، فإن قدرًا من التخوفات ظل قائمًا، خشية أن تخطئ هذه التقديرات, وأن تحصل مفاجآت غير مرغوبة، لا سيما بعد القصف العنيف المتواصل الذي أسقط آلاف القتلى في صفوف المدنيين، وأدى إلى تدمير البيوت على رؤوس ساكنيها. ولكن وبعد إنهاء المرحلة الأولى من الحملة، تلاشت المخاوف، وبدأت تسود في أروقة صناع القرار الأمريكي أجواء وتقديرات مختلفة عن أهمية ودور الشارع العربي والإسلامي الذي يقولون إنهم بالغوا في تقدير تأثيره على استقرار الأوضاع في المنطقة، وتأثيره على المصالح الغربية والأمريكية على وجه التحديد.
وقد التقيت مؤخرًا مع أحد الدبلوماسيين الأمريكيين المهتمين برصد ردود الفعل الشعبية, ونقل لي صورة هذه الأجواء والتقديرات الجديدة في الأوساط الأمريكية, وخلاصة ما ذكره في هذا الشأن، أن أولئك المسؤولين وصلوا إلى استنتاج أن الشارع العربي والإسلامي بات عديم التأثير وبلا فاعلية، وأنه لا يوجد ما يدعو للخوف من احتمالات تحركه في حال تنفيذ فصول جديدة من الحملة الأمريكية ضد ما تسميه أمريكا بـ «الإرهاب»، أيًا كانت الجهة العربية أو المسلمة المستهدفة.
الدبلوماسي قال إن أصحاب القرار في واشنطن باتوا على قناعة أن الشارع العربي والإسلامي عاطفي يثور سريعًا، ولكنه يهدأ سريعًا, ولا يلبث أن يغط في سبات عميق، لاسيما إذا حقق الخصم انتصارًا واضحًا، إذ يصاب الشارع في هذه الحالة بالإحباط, ويتخلى عن إبداء أي مشاعر تأیید أو تعاطف.
وكمثال على ذلك، قال إن ردة الفعل كانت ضعيفة ومحدودة للغاية عند بدء الحملة على أفغانستان، ولكنها اختفت تمامًا بعد انهيار نظام طالبان. أما المثال الآخر الذي يستشهد به الأمريكيون، فيتعلق بالانتفاضة الفلسطينية المستمرة منذ نحو عام ونصف العام، حيث أظهر الشارع تعاطفًا قويًّا ونشاطات جماهيرية حاشدة في مختلف الدول العربية والإسلامية خلال الأسابيع الأولى للانتفاضة, بشرت بعودة بعض الفاعلية لهذا الشارع, ورد بعض الاعتبار له في التأثير على القرارات الرسمية، وفي أخذه بالحسبان من القوى الإقليمية والدولية المؤثرة, خصوصًا وأن العديد من الاجتماعات الرسمية جرى عقدها؛ بهدف امتصاص غضب الشارع وتهدئة ثورته ضد ممارسات شارون وضد الصمت الرسمي, ويقول الأمريكيون إن حيوية الشارع في التفاعل مع الانتفاضة التي أثارت القلق لديهم على استقرار الأوضاع في المنطقة، ما لبثت أن تلاشت بعد وقت قصير، لتعود حالة انعدام الفعل والتأثير مجددًا.
مراكز دراسات أمريكية تنصح إدارة بوش بالمضي في مخططاتها غير عابئة بالشارع العربي!
تلك التقديرات أكدتها تقارير أمريكية صدرت في وقت لاحق، وأظهرت قدرًا كبيرًا من الاستخفاف بردود الفعل الشعبية العربية الضعيفة وغير المؤثرة.
التقارير التي أعدها خبراء في شؤون المنطقة وصلت إلى نتيجة مفادها أن أسطورة الشارع العربي قد تحطمت وتلاشت وثبت أنها ليست أكثر من وهم، ولا تستحق أن تعيرها الإدارة الأمريكية كثيرًا من الاهتمام، بل عليها أن تمضي في مخططاتها المرسومة، فأمن المنطقة لم يتهدد بسبب الانتفاضة أو تدمير أفغانستان، والمصالح الغربية لم تتأثر نتيجة ذلك، وليس في الأفق ما يدعو إلى التوجس والتردد.
والسؤال المهم الذي يطرح نفسه: هل فقد الشارع العربي فاعليته بصورة مطلقة تنفي إمكانية لعبه دورًا مؤثرًا على القرارات العربية في الفترات المقبلة؟ وهل أصابت مراكز الدراسات الأمريكية في توقعاتها وفي إصدارها شهادة وفاة للشارع العربي وإلغائها لأي دور مستقبلي مؤثر له؟
يرجح أن الإجابة السريعة لدى الأغلبية في الساحة العربية والإسلامية تتفق مع ما خلصت إليه التقارير الأمريكية، وأذكر أن وجهة النظر التي طرحتها في حينه بهذا الخصوص أمام الدبلوماسي الأمريكي هي أن الاستنتاجات الأمريكية ربما تكون متسرعة أكثر من اللازم، وأن الشارع العربي قد أسكت- ولم يسكت- بفعل الضغوط الأمريكية على بعض الحكومات العربية من أجل قمع أي ردود فعل شعبية, وأن هذا الضعف في ردة الفعل, لا يعني بالضرورة أن تغيرات مهمة وخطيرة لم تطرأ على نفسية هذا الشارع قد تظهر نتائجها بعد حين.
صحيح أن الضغوط وعوامل الإحباط قلصت حجم ردة الفعل، لكن الصحيح أيضًا أن هذه الضغوط ومواصلة الاستفزاز بالاستمرار في ارتكاب جرائم بحق العرب والمسلمين, قد زادت بصورة كبيرة من حجم حالة الغضب والاحتقان التي تعتمل داخل النفوس، وقد تنفجر في أية لحظة حين تصل الأمور إلى حالة الإشباع ونفاد الصبر، وعندها قد لا تملك كل الأطراف الإقليمية والدولية السيطرة على الأوضاع.
الدبلوماسي الأمريكي شعر بالكثير من القلق من وجهة النظر تلك، وعقب قائلًا إنه غير متفائل بمستقبل العلاقات بين أمريكا والشعوب العربية والإسلامية.