العنوان هل هو انقلاب أبيض في إيران؟
الكاتب أحمد راؤول
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1988
مشاهدات 71
نشر في العدد 884
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 27-سبتمبر-1988
- الحرس الثوري يتحمل مسؤولية الفشل في الحرب.. ورضائي هو كبش الفداء.
- الخيوط السياسية الإيرانية بين أصابع رفسنجاني.
- إيران: المعتدلون ينتصرون على الصقور في المعركة السياسية.
- خصوم رفسنجاني بين مستقيل ومقال وقابع وراء القضبان.
- المجلس الخاص يصدر القرارات ورفسنجاني يحكم في الداخل ويوجه السياسة الخارجية.
- تصفيات قادة الحرس الثوري تعزز موقف الداعين إلى استمرار المفاوضات مع العراق.
- المشكلة الداخلية الرئيسة: ما طبيعة الجمهورية الإسلامية والنظم التي يجب أن تدار بها البلاد؟
التغيرات الواضحة في مواقع التأثير في جسم القيادة الإيرانية لم تعد سرًا، فتصريحات حكومة طهران وكبار السياسيين فيها كشفت عما يمكن تسميته بانقلاب أبيض حدث.. وما زالت بعض فصوله تتوالى، وهي المتعلقة في مواقع التأثير على مستوى السياستين الداخلية والخارجية.
مظاهر الانقلاب:
يعتبر ذلك القرار الذي اتخذه الخميني وأعلنه هاشمي رفسنجاني بشأن قبول وقف الحرب مع العراق والاتجاه نحو التفاوض بشأن الإشكالات القائمة بين العراق وإيران هو أبرز مظاهر الانقلاب الذاتي الذي تعيشه إيران حاليًا، وقد فجر هذا القرار عددًا من القضايا الخلافية بين مراكز القوى الحاكمة في طهران، والتي تتمثل بثلاثة محاور يرأس كل محور منها شخص بارز... هؤلاء الثلاثة هم: «أحمد الخميني- هاشمي رفسنجاني- مير حسين موسوي»... وتوجد على الطرف الآخر من الحكم شخصيات واتجاهات سياسية أخرى ليس لها علاقة مباشرة بالقرارات والتوجهات الخلافية بين هؤلاء الثلاثة كالمجموعات التي تلتف حول «منتظري» منتظرة خلافته.
ويمكن للمراقب أن يرتب مظاهر الخلاف الناتجة عن الجدل بين القوى الحاكمة كما يلي:
1-صلاحية قرار القبول بالحل السلمي مع العراق.
۲- مسؤولية الخسارة الإيرانية على الجبهة. هل يتحملها الحرس الثوري وحده؟
٣ - طبيعة سير المفاوضات مع العراق تحت إشراف دولي.
٤- الإصلاح الإداري الداخلي للوزارات والمؤسسات الإيرانية.
5- القطاع العام والقطاع الخاص ومسألة الاستثمار والتجارة والتصنيع والتعمير.
ومنذ سبعة أشهر ألمح رفسنجاني وهو الرجل القوي في إيران- كما نقلت الفايننشال تايمز البريطانية عنه قوله أنه: يوجد في بلدنا جناحان قويان.. مختلفان في وجهة النظر حول الكيفية التي يجب أن تدار بها البلاد... ويمكن- كما قال رفسنجاني- اعتبارهما حزبين دون أسماء، ويلاحظ أن رفسنجاني دمج محور أحمد الخميني مع محوره لئلا يظهر عليه أي تناقض مع نجل الخميني.
ويبدو أن حرب الخليج كانت تغطي على خلاف هذين الاتجاهين... إلا أنه وبعد عدة شهور من تصريح رفسنجاني برزت التناقضات علانية متخذة شكل التنافس السياسي الذي تمحور أخيرًا حول:
طبيعة الجمهورية الإسلامية والنظم التي يجب أن تدار بها الشؤون الداخلية للبلاد إضافة إلى الشؤون الخارجية، وهكذا أجمل رفسنجاني كل نقاط الجدل في قضية النظم التي يجب أن تشكل طبيعة الدولة.
نتائج سريعة:
أسفرت الخلافات بين الاتجاهات الإيرانية بعد الإعلان عن قبول المفاوضات مع العراق عن عدة أمور من أبرزها:
۱ - إقالة عدد من الوزراء عن طريق حجب ثقة البرلمان عنهم.
2- محاولات رئيس الوزراء مير حسين موسوي لتقديم استقالته.
3- تحميل مسؤولية فشل إيران في الحرب للحرس الثوري وإقالة قادته ومحاكمتهم.
والمتابع لهذه التطورات يلاحظ أن خصوم رفسنجاني قد تلقوا المزيد من الخسارات السياسية، ويعتبر أكبر ربح لرئيس البرلمان كف يد قادة الحرس الثوري وجيوشهم التي تزيد على (٣٥٠) ألف مقاتل عن التدخل في الشؤون السياسية، كما أن وضع رئيس الوزراء ومؤيديه في البرلمان والوزارة مال بشدة إلى الضعف.. مما يعني أنه بقي في القيادة الظاهرة المتحركة رجلان هما: رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الذي جمع إلى منصبه منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبالنظر إلى سياسة رئيس الجمهورية نلاحظ أنها لا تفترق عن سياسة المحور الذي يقوده رفسنجاني، وانعكاسًا لهذه التطورات السياسية الداخلية السريعة أزيلت من الشوارع الشعارات الرسمية الداعية لاستمرار الحرب مع العراق، كما حصلت بعض المظاهرات والمشاحنات التي تم فيها إطلاق النار وسقوط الضحايا بين الداعين لاستمرار الحرب والمؤيدين لقرار المفاوضات.
من هم المعارضون؟
يعتبر الحرس الثوري الذي ينضوي تحت وزارة رسمية هم المعارضون الأوائل للسياسة الجديدة، ويلتقي مع هؤلاء مير حسين موسوي رئيس الوزراء والتيار الحكومي والإداري المؤيد له، وعلى رأس هؤلاء النائب العام المدعو حجة الإسلام خوئيني إضافة إلى وزير الداخلية المدعو حجة الإسلام محتشمي، أما وزير الحرس الثوري محسن رفيق دوست وهو من التيار المعارض فقد تمت إقالته يوم 12/6/1988، لتتم بذلك عملية نزع التأثير المعارض بين مجموعات الحرس الثوري قبل حله أو ضمه للجيش ليكون تحت قيادة هاشمي رفسنجاني، ويعتقد المراقبون أن تيار السياسة الجديدة حدد شخصية قائد الحرس الثوري «مرتضى رجائي» ليكون كبش فداء المرحلة الانتقالية، وذلك بتحميله مسؤولية فشل مهمة الحرب في الانتصار على العراق.
أحمد الخميني ورفسنجاني:
إن رفسنجاني الذي يطلق عليه الغربيون اليوم صفة الرجل المعتدل لم يتمكن من تجميع الخيوط السياسية بيده متجاوزًا ابن الخميني الذي يمتلك من القوة الكثير، فقد نقلت مصادر إيرانية داخلية أن رفسنجاني الذي كان يميل سابقًا إلى الانفتاح على الغرب قد حصل على وعود غربية- أمريكية بتحقيق معظم المطالب الإيرانية في المنطقة من ناحية... ومن العراق من ناحية أخرى.. ومن هنا تمكن من إقناع أحمد الخميني للحصول على موافقة والده بشأن وقف الحرب.. وقد حرص رفسنجاني الذي يحظى بتأييد معظم رجال البرلمان وجميع قادة الجيش على التشاور مع أحمد الخميني لا لأنه نجل الخميني فقط، بل لأنه يرأس المكتب الخاص الذي يتألف من (٢٥) مسؤولًا، وكل المسؤولين الكبار عن الميليشيات المحلية ووزارة الداخلية واللجان الثورية والإعلام هم أعضاء في المكتب الخاص ومقره بيت الخميني نفسه... وتقول مصادر المعارضة الإيرانية إن هذا المكتب حقيقة هو الذي يشكل الحكومة السرية الخاصة التي تتخذ القرارات في كل شأن إيراني.
على أن القادمين من إيران إلى أوروبا يؤكدون أن التفاهم المعلن بين أحمد الخميني ورفسنجاني فيما يتعلق بقرار وقف الحرب... ثم سير المفاوضات مع العراق إنما هو تفاهم جاء على مضض من أحمد الخميني ومحوره في المكتب الخاص، لذا فمن المتوقع أن يقدم رفسنجاني المزيد من تصفيات معارضيه وخصومه داخل الأجهزة العليا، وذلك لتحصين اتجاهه السياسي من أولئك المعارضين ولا سيما الأقوياء منهم، ويعتقد المراقبون أن ذلك لن يكون صعبًا فيما هو منظور من سير الأمور، فقد تمكن رئيس البرلمان من إزاحة تلك القوة الكبيرة التي كانت تتمثل بالحرس الثوري وقائده رضائي والوزير المقال محسن رفيق دوست.
حيثيات على الطريق:
ويبدو أنه لم ينته بعد موضوع التعقيد السياسي الجديد، فهناك حيثيات أخرى على الطريق تتعلق بالسياسة الخارجية أهمها:
١- العلاقة الإيرانية مع الغرب والقوى العالمية الأخرى.. كيف ستكون؟ وإلى أي مدى سيتم التطبيع فيما يتعلق بفروعها ودقائقها؟
٢ - العلاقة مع الدول المجاورة ولا سيما دول الخليج.
3- العلاقة مع العراق في مرحلة ما بعد المفاوضات.
4- التصدير الفكري والثقافي لمبادئ الثورة الإيرانية وأيديولوجيتها.
5- الموقف من فروع المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج.
وإلى أن تأتي تلك المراحل... فإن الجدل سيظل مستمرًا حول طبيعة الجمهورية الإيرانية والنظم التي يجب أن تدار بها الشؤون الداخلية.
وإذا كانت هذه الحيثيات كلها محصورة في المدى المنظور... فإن أية مفاجأة تحصل بعد رحيل الرجل المسن قد تغير كل المعادلات القائمة.. وربما يتغير مسار الانقلاب الأبيض ويتحول طريق السلام الذي قبلت به إیران إلى طريق آخر والله أعلم.