; هل هي محنة الأكراد أم محنة الأقلام ؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل هي محنة الأكراد أم محنة الأقلام ؟

الكاتب محسن جوامير

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 64

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 06-أبريل-1999

هل هي محنة الأكراد أم محنة الأقلام؟

بقلم: محسن جوامير ([1])

في العدد 1340 من مجلة المجتمع الغراء وتحت عنوان «محنة الأكراد» نشر السيد صفوت جودت مقالًا يستعرض فيه الجذور والأسباب التي تقف وراء ما يتعرض له الأكراد من مآس وكوارث.. والغريب أن الكاتب يقدم مادته للقارئ بشكل يوحي بأن الأكراد هم السبب الأول لكل ما جرى لهم، لكونهم يستندون في ثوراتهم وحركاتهم إلى العوامل الخارجية من استعمار وآخرين أما الإجراءات القمعية والتصفيات الجسدية وحملات الاعتقال، تدمير البلاد، وحرمانهم من الحقوق من جانب الحكومات، فكأنها أحكام عادلة صادرة من دول لا تمت إلى الاستعمار أو الأجنبي بصلة، وبالتالي لم يكن الاستعمار سببًا في تأسيسها وحرمان الأكراد من كيان أو دولة.

ولا يتعرض السيد صفوت بسوء أو نقد أو تجريح إلى شخصية مصطفى كمال الذي كان رأس الحربة لهدم الخلافة الإسلامية، والقضاء على كل معلم من معالم الحضارة الإسلامية ابتداء من إلغاء الشريعة، وتبديل الأحرف العربية، وانتهاء بمنع الأذان باللغة العربية، وتتريك كل مناحي الحياة في بلد تختلف فيه الألسن والألوان.. بل على العكس منه، يوهم القارئ بأنه كان بطلًا، حينما تحدى تأسيس كيان كردي وذلك بإلغاء معاهدة «سيفر» عام 1920م.. ويضفي طابع الشرعية على دور أتاتورك، لكون الأكراد قد قاتلوا بجانبه ضد المحتلين بدعوى أنهم لم يرضوا بتفتيت بلدهم، وكأن الأكراد قد عشقوا مبادئ أتاتورك ولم يزجوا في أتون الحرب مجبرين. بمثل هذه المغالطات يريد السيد صفوت أن ينتصر للحق وباسم الإسلام.

ونحن نقول: إن الأكراد- ومنذ تأسيس الجمهورية التركية لم يكن نصيبهم من الحكومات التركية إلا الذل والقهر والاستعباد والإعدام والسجون والحرمان حتى من الحقوق الحيوانية، ناهيكم عن الحقوق الإنسانية.. وإنهم لم يثوروا- حتى ولو لم يكن قائدهم ملتزمًا- إلا من أجل نيل حقوقهم، والعيش بكرامة مع الأتراك وعلى قدم المساواة. وإذا كان اتهامك لهم بأنهم دفعوا من قبل أعداء الجمهورية التركية، فالبادي هو الأظلم، فهل تسمح لتركيا أن تتعاون مع الأمريكان وتعقد الأحلاف مع إسرائيل وأعداء دينك، لضرب الأكراد وتخريب بلادهم بشتى أنواع الأسلحة المستوردة، وتأبى أن يشتري الأكراد عصا للدفاع عن أنفسهم؟!

إن السيد صفوت يريد تبرئة ساحة الدولة التركية من خلال اتهام أوجلان بالماركسية واللينينية، بدعوى أن الأكراد ضد الماركسية ولا يؤيدون أوجلان.. إننا نقول، صحيح أن أوجلان وحزبه قد تبنيا الماركسية في البداية- وهذا شأن أغلب الأحزاب العلمانية في السبعينيات والثمانينيات- ولكن هذا الطابع قد اختفى بمجرد انهيار الاتحاد السوفييتي، وطغى الطابع الوطني على هذا الحزب، والدليل على ذلك، هو تبديل العلم الذي كان يحمل صورة المنجل والمطرقة إلى علم جديد يحمل صورة النجمة، والمطلع على تصريحات أوجلان الأخيرة يعلم جيدًا أنه كان يؤكد كثيرًا على كونه متدينًا، وأنه يمشي على خطى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الدفاع عن الحق، وكان يدعو الحكومة التركية إلى الاحتكام إلى القرآن.. نحن لسنا بصدد الدفاع عن أوجلان، ولكن الحق يجب أن يقال، فإذا كان اتهام السيد صفوت لأوجلان بالماركسية فبماذا يصف رجال الدولة التركية؟ هل هم حملة القرآن أم حماة الشريعة؟يعاتب الكاتب أوجلان، بادعاء أنه أدلى بتصريحات غريبة، فور زوال المخدر في الطائرة التي كانت تحمله من نيروبي إلى إسطنبول، معتبرًا تلك تخاذلًا، وبعيدًا عما يجب أن يتمتع به زعيم شعب.. الحقيقة أن هذا الكلام لا يتجاوز دائرة الحرب النفسية التي جرت من طرف بعض أنصار تركيا الذي حاربوا أوجلان والأكراد على شاشة بعض قنوات التلفزة، وإلا فإن كل مطلع على تأثير الأدوية المخدرة على الإنسان يعرف ما تتولد عن استعمالها من حالات خاصة يستحيل السيطرة عليها مهما امتلك الإنسان من عزيمة وشكيمة، وبالتالي، فإن الإنسان في مثل هذه الحالات معذور شرعًا وقانونًا ولا يؤخذ من كلامه ما يخالف الأصل والمبدأ، وما مثال سيدنا عمار بن ياسر عنا ببعيد، حين اعترف وكفر ظاهرًا تحت التعذيب، ومن ثم برأه الله تعالى من ذلك، في حين لم يكن في عهده مادة مخدرة مصنوعة.أقول، لقد كان الأولى بالسيد صفوت أن يدين المخابرات التركية لهذه الممارسة اللاإنسانية التي تخالف كل الشرائع، لا أن يطلب من أوجلان المقاومة والصلابة في مثل هذه الحالة التي لا يمكن مقاومتها أبدًا، هنا أتذكر حالة أحد دعاة الإسلام- الشيخ محمد الحامد- وقد أجريت له عملية جراحية باستعمال أدوية مخدرة، حيث طلب من زوجته ألا يحضر عنده أحد- ما عداها- حال صحوته- بعد العملية- خشية أن يتكلم بما لا يليق به ومن ثم يحس بحرج أمام الآخرين مستقبلًا.إن ما ذكرته من ملاحظات خاطفة لا يعني الدفاع عن شخص أوجلان بقدر ما يعني الطلب بالإنصاف حين طرح ومناقشة مثل هذه الأزمة المزمنة، حتى لا تختلط الأوراق.- إنني باعتباري مسلمًا ملتزمًا- أحسب نفسي كذلك ولا أزكي على الله أحدًا- أخالف أوجلان في بعض طروحاته الفكرية، ولكن هذا لا يعني وضعه في قفص الاتهام وتعييره، لأنه قام بسرقة عشر ليرات من والده- كما يذكر كاتب المقال- وباعتباره تبعًا لذلك شخصية مريضة، فكم منا يسرق في صغره يا ترى؟ثم يجب ألا نغفل حقيقة وهي أن أوجلان- مهما كانت توجهاته- كان سببًا في نهوض الأكراد الذين كادوا ينسون حتى لغتهم التي جعلها الله تعالى آية، بفعل النهج الأتاتوركي في تغليب التركية على جميع الألسن.. وقد يكفي فخرًا لأوجلان- بالرغم من كل نواقصه- وللأكراد أيضًا- أنه قبض عليه بمؤامرة أمريكية- إسرائيلية.. وقد تكشف الأيام القادمة ما لا ندركه الآن.المجتمع: من حق الأخ محسن جوامير أن يدافع عن قضية الأكراد، ولكن لا نعتقد أن من واجبه تحسين صورة أوجلان الذي ما ترك المنجل والمطرقة إلا بعد أن أصبحت تجارة بائرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ولكم استشهد الشيوعيون والاشتراكيون بالآيات والأحاديث دون أن يعني ذلك تغييرًا في قناعاتهم.

([1]) رئيس تحرير مجلة حلبجة. السويد.

الرابط المختصر :