; هل يستقيل رفيق الحريري؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يستقيل رفيق الحريري؟

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001

مشاهدات 48

نشر في العدد 1451

نشر في الصفحة 40

السبت 19-مايو-2001

*السؤال المحير: لماذا ارتضى الحريري تحمل المسؤولية في ظل المعطيات غير المواتية التي انكشفت مؤخرًا؟

فترة التعايش بين رئيسي الحكومة والجمهورية في لبنان قد لا تطول كثيرًا، وبخاصة أن لحظة الحقيقة قد حانت، ربما بأسرع مما كان يتوقع الحريري. والذي فجر كل الاحتمالات مجددًا ما يعتبره البعض خطأ مميتًا من جانب الحريري، عندما انتقدت صحيفته «المستقبل» عملية حزب الله في مزارع شبعا منتصف أبريل الماضي، وإن لم تنتقد الصحيفة العملية في حد ذاتها، بل توقيتها الخاطئ، ولم يصدر النقد عن الحريري شخصيًّا. وتلك نقطة لا بد من الإشارة إليها لأن مجلس الوزراء مجتمعًا حسب نص الدستور هو الذي يحدد سياسة الدولة، لا رئيس الحكومة ولا رئيس الجمهورية منفردين. ومع ذلك وجد خصوم الحريري في تلك «السقطة»، اللحظة المناسبة للانقضاض عليه ومحاولة سحب التأييد السوري الذي ظلل عودته إلى السلطة، في محاولة لدفعه إلى الاستقالة الطوعية؛ حيث اللجوء إلى البرلمان لسحب الثقة غير مضمون النتائج في ظل الانقسام الواسع حول الوجود السوري في لبنان. على أن عائقًا أساسيًّا يحول دون هذا الخيار هو احتمال الانهيار الاقتصادي الشامل، وسقوط سعر الليرة بشكل دراماتيكي على غرار ما حدث في تركيا مؤخرًا وهو ما يفرض استمرار التعايش ولو لفترة قصيرة آتية، وإلى أن تنجلي نتائج الجهود التي قام بها الحريري في الأشهر الماضية للحصول على دعم دولي بما يكفي لإعادة هيكلة الدين العام وإصلاح الوضع المالي والاقتصادي وجذب الاستثمارات.

عاصفة سياسية

ورغم ذلك فإن المؤشرات المتواترة تنذر بعاصفة سياسية ما لم تتدارك دمشق وتعيد الثقة برئيس الحكومة، بعد أن أشاع تأجيل لقاء كان متوقعًا بين الحريري والرئيس السوري قبيل زيارة الأول للولايات المتحدة أجواء التشكيك وعدم الارتياح، فيما بدأ بعض الوزراء الموالين لرئيس الجمهورية يوجهون انتقادات لافتة إلى أداء الحكومة في الملفين الاقتصادي والسياسي على حد سواء. وما بدا وكأنه تسريب إعلامي مقصود عن قرب تغيير حكومي معين بسبب الأزمة بين الحريري ولحود، صار مع الوقت حديث الموالين والمعارضين على السواء، وفيما تتحدث أوساط لحود عن تفضيله العمل مع حكومة مصغرة كما كان الحال مع رئيس الوزراء السابق سليم الحص «حكومة من ١٦ وزيرًا فقط وليس ٣٠ وزيرًا كما هو حال الحكومات الحريرية»، تؤكد أوساط الحريري وحلفاؤه أن الوضع لم يعد مريحًا، وأنه ليس من الحكمة أن يستهلك الحريري رصيده الشعبي ثم يحمل المسؤولية وحده. فإذا كان خصوم الحريري لا يريدون له النجاح في خطته الاقتصادية المؤيدة من البنك الدولي ومؤسسات وجهات دولية فاعلة لا سيما التخفيف من حجم الدولة وخصخصة القطاع العام، فإن الأفضل له أن يختار بنفسه لحظة الفراق بعد أن يضع الجميع أمام مسؤولياتهم وتحديدًا رئيس الجمهورية ومجلس النواب، فإذا كانت سياسة الدولة تقضي بإبقاء جبهة الجنوب مفتوحة، فذلك لا يتوافق مع خطة الحريري الاقتصادية. وإن كان مجال للتوفيق بين الأمرين فلا بد من الحوار حول الوسائل ما دام الإجماع قائمًا على الهدف وهو تحرير الأرض. وكشفت الأزمة عن جوانب مخفية من صفقة التعايش بين لحود والحريري، إذ يبدو أن منح الحريري ما يطلبه لدى تشكيل الحكومة في أكتوبر الماضي حيث حصل على أكثرية الوزراء، واستعاد وزير المال فؤاد السنيورة الذي كان ملاحقًا قضائيًّا، كان بمقابل أن يستمر رئيس الجمهورية في لعب الدور السياسي الأول في البلاد بتأييد من دمشق، وهو ما كانت المعارضة للرئيس الحص ترفضه، وكان الحريري من ضمن هذه المعارضة. 

تقاسم الملفات

بالطبع نفى الحريري مرارًا أن يكون هناك تقاسم في الملفات بينه وبين لحود، استنادًا إلى الدستور الذي يجعل رئيس الحكومة المسؤول الأول عن السياسات المعمول بها وعلى كل الأصعدة، ويمكن نظريًّا لمجلس النواب أن يحاسبه طبقًا للبيان الحكومي وأن يسحب منه الثقة. لكن الواقع لم يكن بهذه البساطة، ذلك أن أزمة عملية مزارع شبعا الآنفة الذكر برهنت على ما كان يقال، حتى إن ما جرى بعد ذلك كان سقوطًا واضحًا لمعادلة التقاسم هذه، فلم تعد السياسة والاقتصاد في خطين متوازيين يعمل كل منهما في اتجاه، بل حدث التداخل، إذ بدأت المعارضة للإجراءات الاقتصادية تبرز من داخل الحكومة نفسها، ومن الموالين للرئيس لحود، مقابل إصرار الحريري على موقفه المتحفظ من توقيت عمليات المقاومة فيما يشبه نزال قوة بين الطرفين. ومن اللافت أن وزراء في الحكومة انتقدوا بشدة الولايات المتحدة أثناء لقاء الحريري مع الرئيس الأمريكي، علمًا بأن اللقاء لم يكن ليتم لولا تدخل مباشر من صديق الحريري الرئيسالفرنسي شيراك. وما إن بدأ تلفزيون لبنان الرسمي صرف الموظفين وإعادة تشغيله بكلفة أقل كخطوة أولى قبل تعميمها على باقي المؤسسات، وكوسيلة لوقف الهدر ومكافحة الفساد، ظهرت مؤشرات معاكسة لإفشال هذه الخطوة، فارتفعت كلفة التعويضات من ٥٠ مليون دولار إلى ۱۰۰ مليون دولار، إثر اكتشاف موظفين آخرين في التلفزيون لم يحسب حسابهم سابقًا، وهذه الحركة غايتها إجبار الحكومة على التراجع وإعادة تشغيل التلفزيون بموظفيه السابقين في الموعد المحدد في ٢٥ مايو الحالي، بما أن الوقت لم يعد كافيًا لتحديد المعايير اللازمة للتوظيف والدور الجديد لتلفزيون الدولة، وهو ما يحتاج إلى توافق سياسي غير متوافر، ولو فشل الحريري في الخطوة الأولى فستفشل حتمًا جهوده واتصالاته الخارجية لدعم لبنان، ولن يكون لاجتماع المؤسسات الدولية في يونيو المقبل لهذه الغاية أي معنى، وهو الاجتماع الذي يستكمل اجتماع باريس الأول مع مشاركة الولايات المتحدة واليابان هذه المرة.

 شركة الطيران الوطنية 

وإذا كانت إعادة هيكلة شركة الطيران الوطنية «ميدل إيست» هي المحطة الثانية في خطة الحريري الاقتصادية، فقد شنت نقابات الموظفين هجومًا مضادًّا قبل أن تصادق الحكومة على تقرير مجلس الإدارة بخصوص تسريح ۱۲۰۰ موظف من أصل ثلاثة آلاف، وهو ما يقصد به تحضير الشركة للخصخصة، علمًا بأن مصرف لبنان يتحمل خسائرها السنوية لأنه المالك لمعظم أسهمها، ولا يمكن إيجاد شريك استراتيجي أجنبي والشركةعلى الحال التي هي فيها من هدر وفساد. 

بالمقابل، تتواصل التحركات السياسية على جبهة معارضة التدخل السوري في السياسة الداخلية، وقد أفضت اللقاءات المكثفة بين الشخصيات المسيحية إلى اتفاق على وثيقة سياسية أكثر توازنًا من بيان مجلس المطارنة الموارنة الذي صدر في سبتمبر الماضي، الوثيقة تعرف بوثيقة «قرنة شهوان»، حيث صدرت وفيها اعتراف باتفاق الطائف ومطالبة بتنفيذه لا سيما إعادة انتشار الجيش السوري مع اتخاذ مواقف واضحة من الكيان الصهيوني ومن الوضع في فلسطين المحتلة. ويهدف هذا المعسكر إلى تحميل الرئيس لحود الملف ليناقشه مع دمشق، فإما أن يلقى مصير الوسطاء قبله وفي هذا إحراج له، وإما أن يرفض استلام الملف والنتيجة واحدة. المعارضة التي تبلور أفكارها ووسائلها لتصحيح العلاقات اللبنانية السورية على أقل تعديل، لها رؤية مختلفة بخصوص الوضع الحكومي لا سيما موقع رئيس الحكومة الذي تصب حركته السياسية حاليًا في خانة المعارضة المسيحية والدرزية، فهناك طرف يرى أن على رئيس الحكومة ألا يخضع للضغوط التي تمارس عليه، وأن يحتفظ بموقعه لأن الانسحاب الآن سوف يحمله كل المسؤولية، فيما يرى طرف آخر أن وصول البلاد إلى حافة الانهيار الكامل هو الظرف الأكثر ملاءمة للتغيير المنشود، فلن تتغير سياسة دمشق إزاء لبنان في الظروف الحالية، كما أن معسكر سورية في لبنان لن يتراجع عن مواقعه المتقدمة بهذه السهولة.أما السؤال الذي لا يزال محيرًا فهو: لماذا ارتضى الحريري تحمل المسؤولية في ظل المعطيات غير المواتية التي انكشفت مؤخرًا؟ وهل تورط في خطته الاقتصادية؟ وهل ما زال بإمكانه الانسحاب بأقل الخسائر؟ إن الوقت لا يعمل لمصلحته، فالأمم المتحدة قررت تخفيض القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان إلى حوالي ۲۰۰۰ عنصر صيف العام المقبل؛ وذلك للضغط على الحكومة اللبنانية كي ترسل الجيش إلى الجنوب. وما استطاع الحريري تحقيقهفي هذا المجال هو التدرج في تخفيض العدد، بعد أن كان مطروحًا الخروج الكامل. 

ومن ناحية أخرى طلب رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون في زيارته إلى لبنان قبل أشهر تخفيض سعر الليرة مقابل الدولار، بزعم أن سعره الحالي غير واقعي، لكن الحريري نجح في استيعاب الموقف لفترة ليست طويلة، إذ عرض على ولفنسون خطته الاقتصادية وتدخل الرئيس الفرنسي لمصلحته، فكان أن تأجل الاستحقاق دون أن يُلغى نهائيًّا. وتقول مصادر مطلعة إن البنك الدولي طلب تخفيض الليرة في مهلة أقصاها نهاية العام الحالي، بحيث يقترب السعر من الواقع الاقتصادي؛ أي ما بين 3 آلاف ليرة للدولار و5 آلاف كحد أقصى، علمًا بأن الأزمة السياسية الأخيرة اضطرت المصرف المركزي إلى بيع أكثر من مليار دولار لحماية السوق من الاضطراب وبمعدل يصل إلى أكثر من ٣٠ مليون دولار يوميًّا.

الرابط المختصر :