العنوان هل يلحق الخزنوي السوري بالحريري اللبناني؟!
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005
مشاهدات 65
نشر في العدد 1655
نشر في الصفحة 44
السبت 11-يونيو-2005
سورية تمتلك 14 جهازًا أمنيًّا فضلًا عن الحزب الحاكم ومنظماته
بعد مضي عشرين يومًا من اختطاف الدكتور معشوق الخزنوي 10/5/2005م من وسط العاصمة دمشق، تعلن السلطات السورية عن اكتشاف جثته مقتولًا في مقبرة بمدينة دير الزور. وحين تُسلم جثته لذويه يرفضون تسلمها ما لم تُعرض على طبيب شرعي, للاشتباه أن اختطافه ومقتله الغامضين ينطويان على بعد سياسي، كما أفاد نجله مراد، وكما تذهب إلى ذلك مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني التي دأبت منذ ساعات اختطافه الأولى، على التنديد بالسلطات الرسمية، محملة إياها مسؤولية الاختطاف, من الناحية الإدارية، لأنها المكلفة بحماية المواطنين جميعًا، وبصفة اختصاصية لأنها «دولة أمنية» تملك أربعة عشر جهازًا أمنيًّا، فضلاً عن الحزب الحاكم ومنظماته أو «مليشياته الحزبية» المنتشرة في القطر انتشار الفطر، وأخيرًا بصفة تاريخية لأن هذه السلطة عرفت بنهج التصفيات الجسدية لخصومها داخل القطر وخارجه, وقد ذكرت «منظمة العفو الدولية» أنه «سادس كردي يقضي في السجن بسبب التعذيب أو سوء المعاملة منذ مارس ٢٠٠٤م».
موجة اعتقالات
وقد تزامن الحادث الرهيب مع موجة اعتقالات جديدة «ربيع دمشق الثاني»، مثل اختطاف نزار رستناوي في 8/4/2005م الناشط في حقوق الإنسان, الذي لم تعترف السلطات الأمنية باعتقاله في مدينة «حماة» إلا حين عثر على سيارته على باب أحد الأجهزة الأمنية, وتلا ذلك اعتقال عضو «منتدى الأتاسي» علي العبد الله 15/5/2005م، ثم اعتقال «أعضاء إدارة المنتدى» نفسه الثمانية دفعة واحدة 24/5/2005م، فضلًا عن اعتقال المحامي محمد رعدون «رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية» في 22/5/2005م، وإعادة اعتقال حبيب صالح 28/5/2005م في مدينة «طرطوس»، بعد أقل من تسعة أشهر من إطلاق سراحه, وهو أحد الذين سبق اعتقالهم في «ربيع دمشق»، وأمضى ثلاث سنوات في السجن, ثم اعتقال محمد حسن ديب في 26/5/2005م في مدينة السلمية «ناشط سابق في الحزب العمل الشيوعي».
مكانة متميزة
الشيخ محمد معشوق الخزنوي ذو شخصية منفتحة على الآخر، وله حضور فاعل في عدد من المنابر المحلية والإقليمية والعالمية المهتمة بالحوار بين الأديان والحضارات، بصفته نائب رئيس «مركز الدراسات الإسلامية في سورية» الذي يرأسه الدكتور محمد حبش, كما يحظى بمكانة متميزة في الوسط السياسي الكردي والشعبي؛ لأنه من الشخصيات الإسلامية الكردية القليلة المهتمة بالشأن السوري العام, وتنتقد السياسة السورية تجاه حقوق الأكراد السوريين، وكانت السلطات السورية قد سحبت قبل عام كتابًا له من الأسواق بسبب ذكره لـ «كردستان»، يضاف إلى ذلك أنه قبل اختطافه بقليل عاد من جولة أوروبية، حيث شارك في فبراير الماضي بندوة عن «الأديان والسياسة» عقدت في أوسلو بدعوة من الحكومة النرويجية, والتقى الجاليات الكردية والسورية, كما التقى المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية علي صدر الدين البيانوني، واتفق معه على إصدار بيان باسم الجماعة، يوضح فيه موقف الجماعة مفصلًا في حل المسألة الكردية السورية واستجاب لطلبه. أما عن كيفية اختطاف الشيخ الخزنوي فيشار إلى أنه أُستُدرج من مكتبه في «مركز الدراسات الإسلامية» بدمشق.. بمكالمة على هاتفه الخلوي، فخرج ولم يعد حتى عُثر على جثته التي تحمل آثار تعذيب كما أفاد ابنه ومسؤولون في الأحزاب الكردية، وأنه مات خنقًا.
ملف الاغتيالات
ومثلما كان اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري سببًا لاستذكار ملف الاغتيالات السياسية في لبنان, مثل اغتيال كمال جنبلاط, ومفتي لبنان الشيخ حسن خالد, وبشير الجميل, ورينيه معوض, والشيخ صبحي الصالح, ورشيد كرامي، ثم كان أيضًا سببًا مباشرًا لإخراج القوات السورية من لبنان, بعد ثلاثين عامًا من الممارسات الأمنية المرفوضة.. يتوقع أن يكون اغتيال الشيخ معشوق الخزنوي؛ سببًا لفتح ملف الاغتيالات السياسية في سورية على أيدي أجهزة «الأمن» الأخطبوطية.
وبالمناسبة نرانا مضطرين للإمساك بسلسلة العنف الدموي الذي عانت منه سورية في الثمانينيات من بدايتها الحقيقية، أي منذ اعتقال الشيخ المهندس مروان حديد ١٩٧٥م واغتياله عام 1976م تحت التعذيب في سجون الأجهزة الأمنية، والإجهاز على عدد من أفراد جماعته بالتعذيب حتى الموت أيضًا, مثل: حسن عصفور الذي اعتقل في 1/7/1975م وتمت تصفيته في 20/7/1975م، وصبحي عثمان الذي تمت تصفيته في عام ١٩٧٦م، ومحمد حسن عجموج الذي سلمت جثته لأهله في عام ١٩٨٥م.
الفصيل المعارض
من المفارقات العجيبة أن مدينة «حماة» المشهورة بمعارضتها للنظام السوري الاستبدادي، نصف سكانها أو يزيد من أصل كردي، وأن المواطنين الأكراد السوريين يشكلون اليوم فصيلًا معارضًا مهمًا للنظام أيضًا، ومن المعلوم أن «أبا الفداء» ملك حماة الصالح الأديب الذي تسمى باسمه هو من أصل كردي, وما تزال الأسر الحموية تحتفظ بأنسابها الكردية إلى اليوم مثل: «آل البرازي والملي».. ولا نبعد كثيرًا إذا تذكرنا أن رفيق الحريري أيضًا من أصل كردي!!
هذه ليست مصادفات بل توافقات ذات جذور في الأزمة السورية، يتحاشى المخلصون كشفها أو التعمق فيها، حفاظًا على الوحدة الوطنية، لكن ماذا تفعل إذا كان هناك من يمزقون هذه الوحدة صباح مساء، ثم لا يبالون, بل يتمتعون بالاستثناءات والأموال الحرام ومظلة المادة «۸» من الدستور التي تميز بين المواطنين تمييزًا متخلفًا مفضوحًا. لقد تغيرت الدنيا منذ أن استولى الحزب الحاكم على السلطة في انقلاب عسكري في الثامن من مارس عام ١٩٦٣م أو منذ ما يسمى بالحركة العسكرية التصحيحية في السبعينيات من القرن الماضي، ولم تتغير الطبيعة الأمنية للنظام ولا ممارساته القمعية طوال أربعين عامًا سئم منها الشعب داخل سورية، كما سئم منها الأشقاء اللبنانيون.
لقد كان بوسع الأباطرة «الأمنيون» السوريين أن يتعظوا من الدروس المستفادة من سقوط منظومة الاتحاد السوفييتي، أو من الدرس العراقي، أو من الدرس اللبناني، فيقلعوا عن سياسات القمع الأصم، وتحكيم «العنف» الرسمي في مواجهة التطلعات الشعبية الطبيعية للحرية والانعتاق والكرامة الإنسانية, وقد تغيرت القوى الدولية والتوازنات الإقليمية, ولم تعد تسمح كما كانت في الماضي بالمجازر الجماعية للفلسطينيين أو للسوريين أو للبنانيين ولا باختطاف السياسيين والتصفيات الجسدية للمعارضين.
نحن نزعم أن زمن صفقات «المقايضة» و«البلطجة» الدولية في منطقتنا على الأقل.. قد مضى, بل باتت هذه السياسات غالية التكاليف. وإن إعلان النظام السوري بعد ثلاثة أسابيع من اختطاف الشيخ الخزنوي ومقتله... على أيدي عصابة اعتقل منهم ثلاثة لا يعفيها من إجراء تحقيقات ومحاكمات «محايدة» أو «مستقلة» شفافة تشارك فيها مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني السورية والعربية حتى الدولية، لما يعاني القضاء السوري من ضغوط وانحرافات «سلطوية»، ولأن أجهزة الأمن هي نفسها متهمة، وبوسعها أن «تسوق» قضايا «مفبركة» مثل طمس اغتيال الأستاذ أمين يكن القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين عام ٢٠٠٠م على أيدي خصومه من المزارعين «المدعومين».
انحرافات سلطوية
ويكاد يكون هناك إجماع لدى منظمات حقوق الإنسان، يشكك برواية السلطات السورية التي تنفي اعتقالها للشيخ الخزنوي أو علاقة أجهزتها الأمنية بالحادث، فاللجنة العربية لحقوق الإنسان – باريس، تذكر أن الفقيد تعرض لعلاج من آثار التعذيب في مستشفى تشرين العسكري، وتضيف: «لكن ضمانات التحقيقات الأولية التي قمنا بها أصبح لدينا قرائن وأدلة على أن عددًا من المتهمين كانوا موجودين في أماكن عملهم أو مع أشخاص آخرين أثناء حدوث جريمة الاختطاف.. لكل ذلك تعد اللجنة ملفًا كاملاً حول هذه القضية لفريق العمل الخاص بالإعدام خارج القضاء التابع للمفوضية السامية لحقوق الإنسان في جنيف، لكون الجريمة السياسية هي العنصر الأكثر رجاحة في معطيات التحقيق وتجميع المعلومات الذي تقوم به اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية وحقوقيين سوريين. وقد طلب عدد من ذوي المتهمين مباشرة تدخل اللجنة العربية لحماية المتهمين من مسرحية محاكمة سريعة تنتهي بإعدامهم لإخفاء الحقيقة.