; هندسة التأثير-المفتاح الأعظم للتأثير | مجلة المجتمع

العنوان هندسة التأثير-المفتاح الأعظم للتأثير

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2005

مشاهدات 68

نشر في العدد 1672

نشر في الصفحة 59

السبت 08-أكتوبر-2005

الإخلاص لله تعالى، والاستعانة به هما المفتاح الأعظم للتأثير، ومن أهم مقومات وعناصر النجاح والتوفيق في الدنيا فضلًا عن الآخرة. 

فكم من أناس بذلوا من الجهد والمال والوقت والتفكير ما لا يعلمه إلا الله تعالى، ولكنهم لم يستطيعوا التأثير في هذه الحياة أو ترك بصماتهم في جانب من جوانبها..

قال الله تعالى، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة:5).

وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» «رواه مسلم». وعن أبي عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض.. وفي رواية إلا شاركوكم في الأجر.

ومن إحسان العمل صلاح النية والإخلاص لله تعالى بالسر والعلن ومن أشرك في عمله غير الله تعالى حبط عمله، وضاع جهده، وزالت بركة فعله وقوله، وأصبح من الخاسرين.

وإذا نوى المسلم الخير في أعماله المباحة حصل على الأجر الجزيل، وقد كان كثير من السلف يتوقف قبل العمل لإصلاح نيته من الرياء والسمعة ومن أي غرض دون مرضاة الله تعالى.

إن التوفيق هو محض فضل الله تعالى يهبه لمن يشاء من عباده ويصرفه عمن يشاء، فقد يبارك الله في العمل القليل فيكتب له القبول عند الناس وتتفتح له أبواب التأثير من حيث لا يحتسب المرء، وهنا تكون كلمته صانعة للتأثير، ويكون موقفه صانعًا للتأثير، وتكون علاقاته صانعة للتأثير، وتكون رؤيته صانعة للتأثير بل ويكون صمته صانعًا للتأثير.

فهذا الإمام الحسن البصري رحمه الله كان إذا رؤي ذكر الله تعالى وكان إذا دخل السوق ورآه الناس تركوا تجارتهم وذكروا الله تعالى دون أن يتكلم البصري بكلمة واحدة. 

وقال الإمام الذهبي، كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولًا لا لله، وحصلوه ثم استفاقوا فحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق كما قال مجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزق الله النية بعد، وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، فهذا أيضًا حسن، ثم نشروه بنية صالحة. 

وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا وليثني عليهم فلهم ما نووا قال صلى الله عليه وسلم: من غزا ينوي عقالًا فله ما نوى «رواه أحمد». وترى هذا الضرب لم يستضيؤوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى. 

وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب، فظلموا وتركوا التقيد بالعلم وركبوا الكبائر والفواحش، فتبا لهم، فما هؤلاء بعلماء. 

وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار.

وبعضهم اجترأ على الله ووضع الأحاديث، فهتكه الله، وذهب علمه وصار زاده إلى النار.

وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئًا كبيرًا، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بأن نقصهم في العلم والعمل.

 وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله، لأنهم ما رأوا شيخًا يقتدى به في العلم، فصاروا همجًا رعاعًا، غاية المدرس منهم أن يحصل كتبًا مثمنة يخزنها، وينظر فيها يومًا ما، فيصحف ما يورده ولا يقرره، فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم ولا رأيت عالمًا، «انتهى كلام الذهبي». نعم، إن أسوأ ما يمكن أن يكون عليه المرء عندما يوكل إلى نفسه، فمن وكل إلى نفسه لا إلى الله تعالى، فقد خاب وخسر ولقي في دنياه عنتًا وضنكًا وفي آخرته ذلًا وخزيًا.

ويقول الله تعالى، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه:124). 

ويقول الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى والله إني لا أخشى عليكم الدنيا مجتمعة، ولكن أخشى عليكم أمرين اثنين، أن تنسوا الله فيكلكم إلى أنفسكم، أو تنسوا أخوتكم فيصبح بأسكم بينكم شديدًا...

وعن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف.. «رواه الترمذي»

إن التاريخ مليء بالأحداث والمواقف التي تؤكد أنه من كان مع الله كان الله معه، وأن الذين يستعينون بالله تعالى يعينهم الله ويسدد خطاهم، ويبارك في جهودهم، ويحفظهم في دنياهم وينصرهم على أعدائهم، ويجعل لهم التأثير العظيم والتغيير الفذ.

هذا أبو سليمان سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه التقى د. علي الحمادي الروم، وكان عدد جيشه اثنين وثلاثين ألفًا، وجيش الروم كان عدده مائتين وثمانين ألفًا.

وفي الصباح ومع طلوع الشمس أقبلت كتائب الروم تهدر.

وقبيل المعركة قال أحد المسلمين لخالد يا خالد ما أكثر الروم وأقل المسلمين، اليوم نفر إلى جبل أجا وسلمى فدمعت عينا خالد، وقال بل إلى الله الملتجأ قل ما أكثر المسلمين وأقل الروم لوددت أن الأشقر براء من توجيه وأن الروم أضعفوا العدد. 

ثم جرد خالد بن الوليد رضي الله عنه سيفه وجرد المسلمون سيوفهم والتقى الجمعان وما أتت ثلاثة أيام إلا وقد أوقع الروم في كربة وفي سحق ومحق لا يعلمه إلا الله، وانتصر عليهم!! وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. 

ومن الأهمية هنا أن نشير إلى أن الإخلاص لله تعالى لا يعني أن يعيش الإنسان منزويًا عن الآخرين وفي معزل لا يراه أحد حتى يكون مخلصًا، فهذا مخالف للمنهج السوي الذي دعا إليه الإسلام. 

فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.. «رواه أحمد والترمذي» 

وسئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.. الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو الرجل يتكلم في أهل البدع؟ قال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلمين، وهذا أفضل. 

ويقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، فالقادة الأعلام يوم من أيام أحدهم أكبر من عمر أحاد الناس. وأخيراً يحسن التنبيه إلى أن الإخلاص لله تعالى يستوجب طاعته والبعد عن معصيته، فالمعصية شؤم في الدنيا وبلاء في الآخرة، وهي تستجلب غضب الله تعالى، وتحجب إعانته وتأييده، كما أن التمادي فيها والإصرار عليها يحرم العبد خيري الدنيا والآخرة. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل