العنوان هندسة التأثير- فبان للعقل أن العلم سيده
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 28-يناير-2006
مشاهدات 174
نشر في العدد 1686
نشر في الصفحة 58
السبت 28-يناير-2006
لما دخل الحجاج بن يوسف الثقفي البصرة، قال: من سيد البصرة؟ فقيل له: الحسن البصري قال: كيف وهو من الموالي؟ فقيل له: لأن الناس احتاجوا إلى علمه وزهد هو عما في أيدي الناس.
نعم، إنه العلم الذي يرفع الله به صاحبه مهما كان شكله، أو لونه أو صنعته أو حالته، إنه سيد التأثير؛ تأثير موصول بالسماء، تأثير عابر للقارات بل وعابر للقرون والأحقاب، إذ ما زال الناس يتأثرون بأقوال العلماء الأفذاذ الذين بليت أجسادهم منذ أمد بعيد وما بليت أعمالهم ولا تبدد تأثيرهم.
ولذلك قالوا: عوامل الفوز والنجاح والتأثير ثلاثة، مجموعة في الكلمة (ASK) ومعناها ما يلي:
۱: (:(Attitude (A أي أن تكون صاحب مواقف وقناعات.
۲:(:(Skills (S أي أن تكون صاحب مهارات.
3- (Knowledge (K): أي أن تكون صاحب علم ومعرفة.
ولقد تأملت في واقع كثير من المؤثرين فوجدت أن أغلبهم تمكنوا في علم من العلوم أو في فن من الفنون، فاستطاعوا أن يفرضوا أنفسهم، وأن يلووا أعناق الناس إليهم، فاقتدى بهم خلق كثير، وتأثروا بأفكارهم ومبادئهم رغم أنهم لم يكونوا من أعيان الناس ووجهائهم.
لقد رفع الله من قيمة هؤلاء العلماء المؤثرين قبل أن يرفعهم البشر، فقال -تعالى-: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْـمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: ١١)، وقال -تعالى-: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (الزمر: 9).
ويقول الإمام الشافعي -رحمه الله-:
العلم مغرس كل فخر فافتخر *** واحذر يفوتك فخر ذاك المغرس
واعلم بأن العلم ليس يناله *** من همه في مطعم أو ملبس
فلعل يومًا إن حضرت بمجلس *** كنت الرئيس وفخر ذاك المجلس
قال أبو الأسود الدولي: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
إن الأكابر يحكمون على الورى *** وعلى الأكابر يحكم العلماء
ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «أيها الناس عليكم بطلب العلم، فإن لله رداء محبة، فمن طلب بابًا من العلم رداه الله بردائه ذاك».
ويقول الحسن -رحمه الله-: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم، أي أنهم بالعلم يخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد الإنسانية.
ويقول يحيي بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة.
ويقول الحسن البصري: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اطرد الليل والنهار.
ويقول سفيان الثوري: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.
ويقول الحسن البصري: يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجح مداد العلماء.
ويقول الشاعر:
رضينا قسمة الجبار فينا *** لنا علم وللجهال مال
فعز المال يفنى عن قريب *** وعز العلم باق لا يزال
وقال ابن وهب: كنت عند مالك قاعدًا أسأله، فجمعت كتبي لأقوم، فقال مالك: أين تريد؟ قلت: أبادر إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه إذا صحت فيه النية.
ولقد أكرم الرسول ﷺ من ارتفعت هممهم، وقدم من سمع نفوسهم، فقد أخرج الطبراني بسند جيد أن عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- قال: قدمت في وفد ثقيف حين قدموا على رسول الله ﷺ فقال: من يمسك لنا رواحلنا ؟ فكل القوم أحب الدخول على النبي ﷺ وكره التخلف عنه.
قال عثمان وكنت أصغرهم فقلت إن شئتم أمسكت، لكن على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم، قالوا: فذلك لك، فدخلوا عليه ثم خرجوا فقالوا: انطلق بنا، قلت أين؟ قالوا: إلى أهلك!! فقلت: خرجت من أهلي حتى إذا حللت بباب النبي ﷺ أرجع ولا أدخل عليه، وقد أعطيتموني ما قد علمتم؟! ويذكرهم بالعهد، قالوا: فأعجل، إنا قد كفيناك المسألة، فلم ندع شيئا إلا سألناه.
يقول عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- فدخلت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يفقهني في الدين ويعلمني!! قال الرسول: ماذا قلت؟ قال عثمان: فأعدت عليه القول، فقال رسول الله ﷺ: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من يقدم عليك من قومك.
وانظر إلى معاذ بن جبل -رضي الله عنه- الذي قال فيه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: من أراد الفقه فليأت باب معاذ بن جبل.
ولما أصيب معاذ بالطاعون في الشام، جاءه رجل فجعل يبكي على معاذ، فقال له معاذ: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم الذي كنت أصيبه منك، فقال معاذ: لا تبكه، فإن إبراهيم -صلوات الله عليه- كان في الأرض وليس بها علم، فأتاه الله علمًا، فإن أنا مت فاطلب العلم عند أربعة: عبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن سلام، وعويمر أبي الدرداء.
ويقول أرسطو الفرق بين العالم والجاهل كالفرق بين الحي والميت.
ويقول المثل الصيني زين عقلك بالعلم، خير لك من أن تزين جسمك بالجواهر، وما أجمل الحوار اللطيف الذي دار بين العلم والعقل، حيث اختلف الاثنان في أيهما أشرف وأكرم وأرفع منزلة العقل أم العلم.. فكانت النتيجة هي ما سطره الشاعر حيث قال:
علم العليم وعقل العاقل اختلفا *** من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا
فالعلم قال أنا أحرزت غايته *** والعقل قال أنا الرحمن بي عرفا
فأفصح العلم إفصاحًا وقال له *** بأينا الله في قرآنه اتصفا!
فبان للعقل أن العلم سيده *** فقبل العقل رأس العلم وانصرفا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل