العنوان هندسة التأثير: مقام الخفافيش
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005
مشاهدات 75
نشر في العدد 1673
نشر في الصفحة 59
السبت 15-أكتوبر-2005
أريد في هذا المقام أن أوجه كلمة أخص بها المصلحين والدعاة والساعين في الخير والباحثين عن الأجر والثواب من الله تعالى، بل وإلى كل عاقل فقه قول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى: 20).
وقبل أن أقول هذه الكلمة المختصرة المركزة لأحبابي الدعاة والمصلحين فإني أرجو منهم معايشة النصوص التالية والتأمل فيها، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33).
وروى الإمام الترمذي في الحديث الحسن الصحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض ليصلون على معلم الناس الخير»، وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (رواه أحمد والترمذي).
ويقول ابن القيم رحمه الله: «فمقام الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد».
ويقول الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله، وهو يثني على العلماء الدعاة في كتابه «الرد على الزنادقة والجهمية»: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويبصرون من هم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله العمي فكم من قتيل لإبليس أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في الذين يتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهل الزهد والذكر: هؤلاء في نظر العلماء من أقل الناس دينًا، فأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسوله يرغب عنها، وهو بارد القلب ساكن اللسان شيطان أخرس وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما يجري على الدين وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قوبلوا في الدنيا بأعظم بلية وهم لا يشعرون وهو موت القلب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه الله ورسوله أقوم وانتصاره لدين الله أكمل.
ويقول أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: الزهاد في مقام الخفافيش قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير من جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض إلا أنها حالة الجبناء، فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام.
وهذا عبد القادر الجيلاني رحمه الله، وهو فقيه ثقة من فقهاء الحنابلة ببغداد، وقد قام أحد تلامذته بتدوين بعض كلماته في خطبته الأسبوعية (١٤٥هـ) وجاء فيها: يا زهاد الأرض تقدموا خربوا صوامعكم واقربوا مني قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل ما وقعتم بشيء تقدموا.
ويقول كذلك: سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي.. ثم يقول: إذا رأيت وجه مريد صادق قد أفلح على يدي شبعت وارتويت واكتسيت وفرحت كيف خرج مثله من تحت يدي.
ويقول الفقيه المحدث العابد الصالح الوزير العباسي ابن هبيرة الدوري، في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ (يس: 20)، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ (القصص: ۲۰)، تأملت ذكر أقصى المدينة، فإذا الرجلان جاءا من بعد في الأمر بالمعروف ولم يتقاعدا لبُعد الطريق.
ويقول الأستاذ البهي الخولي في كتابه «تذكرة الدعاة» مُعرِّفًا مفهوم الدعوة إلى الله تعالى: هي نقل الأمة من محيط إلى محيط، تلك هي مهمة الداعية فيها يندرج مجمل منهاجه ومفصله، ومن ظنها غير ذلك فقد جهل نفسه ورسالته.
ويروي التابعي الكوفي الفقيه عامر الشعبي: أن رجالاً خرجوا من الكوفة ونزلوا قريبا يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فأتاهم ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد، فقال: عبد الله بن مسعود، لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا.
وأخيرًا يقول الداعية الفذ الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله- بعد أن أصيب بالفالح (وهو شلل يصيب أحد شقي الجسم طولًا) وظن البعض أنه سيركن إلى الراحة والسكون وإلى الانزواء والانعزال، يقول:
فإن تكن الأيام أودت بصحتي وعاقت خطى عزمي بكل مسدد
فما كنت خوَّارًا ولا كنت يائسًا ولست بثاوٍ في فراشي ومقعدي
سأمشي إلى الغايات مشي مكافح ألوذ بعز الله من كل معتد
إن التأمل في النصوص سالفة الذكر يجعلنا نوجه كلمة أو قل صرخة مدوية إلى أحبابنا الدعاة والمصلحين نذكرهم فيها بمقام الدعوة إلى الله تعالى وأجرها العظيم، وأنها شرف لا يستحقه إلا من يعيش لها ويبذل في سبيلها ويموت من أجلها، إن واجب الدعوة إلى الله تعالى يحتم على الدعاة أن يكونوا أكثر الناس حراكًا، وأعظمهم تأثيرًا، وأسماهم همةً، وأسرعهم مبادرةً، وأوسعهم صدرًا، إذ كيف يسبق أهل الدنيا وأصحاب الشهوات والمقاصد العاجلة الدنيئة إلى الناس فيؤثروا فيهم وربما يجرونهم إلى ما لا ينفعهم في دنياهم وآخرتهم ويبقى الدعاة، أو من يسمون أنفسهم دعاة ومصلحين يتفرجون وكأن الأمر لا يعنيهم، كما أن على الدعاة أن يدركوا أن من أهم مقاصد الدعوة إلى الله تعالى وأعظمها ثلاثة، وهي:
امتثال أمر الله تعالى وطلب مرضاته بتبليغ دينه وأداء رسالته.
السعي في هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله تعالى.
إظهار الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض.
إن المقاصد الثلاثة سالفة الذكر بحاجة إلى رجال كرام أبطال مخلصين، يمتلكون قدرات فذة ومهارات متميزة ليسبقوا غيرهم ممن لا يرجون لله خلاقًا، فيحدثوا التأثير الذي يحبه ربهم ويرضاه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل