العنوان هواجس الانتخابات القادمة تتفاعل- أزمة جديدة بين المؤتمر والإصلاح في اليمن
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996
مشاهدات 49
نشر في العدد 1204
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 18-يونيو-1996
عاد التوتر مجددًا إلى العلاقات بين حزب المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح بسبب اتهامات وجهها حزب الرئيس اليمني علي عبد الله صالح لشريكه في الائتلاف بصورة مفاجئة!، وكانت اللجنة المركزية للمؤتمر الشعبي العام قد عقدت دورة اعتيادية في مطلع الشهر الجاري، وتسبب تقرير أعده د. عبد الكريم الإرياني الأمين العام للمؤتمر، في إثارة أزمة جديدة عندما اتهم شركاءه في الائتلاف باتهامات حرصت وسائل الإعلام الرسمية على إبرازها.
وكان تقرير د. الإرياني قد تضمن للمرة الأولى إشارة للخلافات بين المؤتمر والإصلاح، وعدد التقرير أن المؤتمر يختلف مع شريكه الإصلاح حول محاربة الفساد المالي والإداري، وبناء الدولة، وتسييس الوطنية العامة، وتحويل المؤسسات الرسمية والمال العام إلى غنائم حزبية.
وعلى الرغم من أن هذه الاتهامات لن تجد لها صدى عند المراقبين بحكم سيطرة حزب المؤتمر الشاملة على كل مقدرات الدولة، إلا أن هذه الاتهامات أثارت ردود فعل غاضبة لدى الإسلاميين الذين فوجئوا بالاتهامات من حليفهم المسيطر على الأمور في البلاد، والذي يملك بيده كل مفاتيح السلطة والقرار!.
وبالإضافة إلى الاتهامات التي وجهها تقرير المؤتمر الشعبي لشركائه الإسلاميين، فقد أعلن المؤتمر عن عزمه «توحيد العملية التعليمية» وهو مصطلح يقصد به إلغاء «المعاهد العلمية» التي يسيطر الإسلاميون على مؤسساتها، وكما أعلن المؤتمر عن ضرورة انسجام مواقف الحزبين المؤتلفين تجاه التسوية السلمية للنزاع العربي الإسرائيلي!.
ما وراء الاتهامات!
وتكشف القراءة الأولى لاتهامات المؤتمر الشعبي لشركائه في السلطة عن هاجس مبكر تجاه الانتخابات النيابية المتوقعة في إبريل 1997م، حيث تعتقد قيادة المؤتمر بأن الإسلاميين لا يحققون فوزًا في آية انتخابات إلا بفضل «المعاهد العلمية».. وهو رأي يسود الأوساط اليسارية العلمانية منذ زمن طويل، ومن أجله فرض الحزب الاشتراكي عام 1992م قانونًا للتعليم مفصلًا على مقاس اتجاهات الاشتراكيين!.
وبالنسبة للطرف الآخر فإنه يرى أن قانون التعليم المذكور يتضمن نواقص كثيرة، كما أن دعاوى قانونية رفعت ضده أمام المحكمة الدستورية العليا لإيقاف تنفيذه، وما تزال تلك الدعاوى موجودة في الأدراج بانتظار حل المسألة سياسيًا، حيث يقترح الإسلاميون أن يتم تناول قضية «التعليم» بشكل عام، وبأسلوب علمي بعيدًا عن الأجواء السياسية المتوترة التي تفرضها هواجس الانتخابات القادمة.
والجدير بالذكر أن قضية «المعاهد العلمية» ظلت مطروحة منذ 16 عامًا، لكن التأييد الشعبي الذي تلقاه ولا سيما بين أوساط القبائل اليمنية، جعل أمر إلغائها يرتبط بمشاكل كبيرة، وهو أمر لا يستبعد وقوعه حاليًا!.
أما بالنسبة لاتهامات المؤتمر لحلفائه بشأن تسييس الوظيفة واستغلال المال العام لمصالح حزبية، فإن أحدًا في اليمن لا يأخذه مأخذ الجد، خاصة أن أجهزة الدولة المشهورة بفسادها المالي والإداري تخضع لسيطرة أنصار المؤتمر الشعبي، الذي يضم في عضويته معظم قيادات الدولة الإدارية في مختلف المجالات.. وبالتالي تصبح تلك الاتهامات نوعًا من المكايدات السياسية التي تستغل سيطرة المؤتمر على وسائل الإعلام الرسمية لنشرها على أوسع نطاق ممكن.
التطبيع مع العلمانية:
لكن المسألة الجديرة بالاهتمام: هي مطالبة المؤتمر الشعبي بضرورة وجود سياسة منسجمة تجاه ما يسمى بالعملية السلمية بين العرب والصهاينة، حيث رفض الإسلاميون هذه السياسة بظروفها الراهنة، الأمر الذي كشف أن المؤتمر هو الذي يسير وحده على خطى التطبيع ولو ببطء شديد.. لكن الرفض الشعبي القوي للتطبيع أحرج المؤتمر الشعبي بقوة في الفترة الماضية.
ولعل المؤتمر الشعبي أراد بهذا المطلب توجيه رساله إلى «دعاة السلام» الدوليين بأنه هو وحده الذي يؤيد الصلح مع «إسرائيل»، ولا سيما أن القوى الدولية تعتبر أن معارضة العملية السلمية قرين للدعوة إلى الإرهاب والتطرف!!.. وبذلك يضمن المؤتمر الدعم الدولي الذي تنشط المعارضة- الداخلية والخارجية- للتأثير عليه باتهامها السلطة بأنها تنتهك حقوق الإنسان، وتعمل على التضييق على حرية الأحزاب والصحافة!.
ولأن السياسة في اليمن لا تلتزم- غالبًا- القواعد المعروفة، فلا يتوقع مراقبون أن تؤدي الأزمة الجديدة- بالضرورة- إلى عواقب خطيرة، ولا يستبعدون أن تتراجع حدة التوتر إذا نجحت المساعي المألوفة في مثل هذا الشأن في لملمة الأزمة.
ومن المرجح أن هناك ثمنًا مطلوبًا تقديمه من قبل الإسلاميين مقابل تجاوز الأزمة.. وهو ثمن يتعلق بالانتخابات القادمة التي أعلن د. الإرياني مرارًا وتكرارًا أن المؤتمر يسعى لإحراز أغلبية فيها تمكنه من الحكم لوحده!.
ولعل هذا الأمر يفسره طلب المؤتمر العلني بضرورة «الاتفاق على موقف واضح من التنسيق في الانتخابات القادمة»، بمعنى أن يوافق الإسلاميون منذ الآن على تنسيق يضمن للمؤتمر الأغلبية!! بينما يعلن الإسلاميون- حتى الآن- أنهم سوف يدخلون الانتخابات بقائمة منفصلة.. كما أن الائتلاف الحالي لا يلزمهم بالتنسيق مع المؤتمر.
وأخيرًا.. فإن اليمنيين تعودوا خلال سنوات ما بعد الوحدة على أزمات سياسية ترتبط بالانتخابات، حيث كانت أهم أسباب الأزمات السياسية التي أثارت الحزب الاشتراكي آنذاك ترتبط بالانتخابات، وضمان موقع الحزب في السلطة.