العنوان هواية جمع الغبار
الكاتب أحمد عبدالعزيز محمد الفلاح
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 961
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 03-أبريل-1990
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ
أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ﴾(الصف:10-13).
إن الداعية إلى الله -سبحانه وتعالى-
يغبط من قبل الآخرين على قانون تجارته المنجية، وهذا القانون الإلهي الرباني لن
يتعرض لذبذبة الأسعار كما تتعرض تجارة الدنيا إلى تخفيض، ومضاربات وتعقيدات
التحويل كما هو الحال في تجارة أهل الدنيا؛ وذلك لسبب جوهري هو أن هذه التجارة
المنجية ليست مع البشر، وإنما هي تجارة منجية مع خالق البشر.
قوامها: الإيمان بالله -تعالى- والجهاد في سبيل الله- تعالى- بالمال والنفس.
ثوابها: غفران الذنوب ودخول الجنة والنصر والفتح القريب.
ومن مزايا هذه التجارة الرابحة أن
سعر السهم فيها ثابت، بل يزيد ولا ينقص، وهو بحسنات ربانية أدناها (900 %) كما قال تعالى:
﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ﴾ (الأنعام: 160).
وليست مجرد (7%) كما هي عند تجار الدنيا المرابين الجشعين، بل وأكثر من ذلك، إن هذه
الحسنات تتضاعف إلى (٦٩٩٠٠%) كما جاء في الحديث الشريف «يضاعفها إلى سبعمائة ضعف».
وزد على
ذلك رضوان الله -تعالى- وجنة عرضها السموات والأرض، أفبعد هذا الإغراء من الله في
تجارته يصدون الناس عنها؟! إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل وأكثر شرًا.
المسارعة في الطريق
أخي الحبيب: بعد هذا العرض الموجز
لقوانين التجارة الربانية الإيمانية، إني لأرى العاقل وقد شمر عن ساعد الجد مع
المجتهدين، مسرعًا نحو أفراح الآخرة، نحو رضوان الله، ويا لها من أفراح قد تنوعت
لك كما تشتهي، فتارة تشتهي نظرة إلى ربك الجميل عز وجل، وتارة إلى ملاقاة الأنبياء
والمرسلين والصديقين والشهداء، ومن سار على دربهم من سلف هذه الأمة من العلماء كل
ذلك لك، كما أخبر -جل جلاله- في سورة الإنسان.
قال تعالى:
﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا.
وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا. مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى
الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا. وَدَانِيَةً
عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا. وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ
بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا. قَوَارِيرَ مِنْ
فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا. وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا
زَنْجَبِيلًا. عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا. وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ
وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا.
وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا. عَالِيَهُمْ
ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ
وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا. إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً
وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (الإنسان: ۱۱ - ۲۲).
وتأمل- أخي الحبيب- ما قاله يحيى بن
معاذ عندما نظر إلى القافلة فوجد فيها الماشي، والمهرول، والراكض، ثم نظر إلى
درجات الجنة فوجد أنهم «ينشطون إليه على قدر منازلهم لديه».
ومن أجل ذلك فإن
للمؤمن درجات بحسب نشاطه وإقباله على الله -تعالى، وكما قال
-تعالى- ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ (الأنعام: 132) وللمؤمنين أن
يتنافسوا في فعل الخيرات وفي الطاعات لينالوا الدرجات العليا من الجنة ﴿وَفِي
ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26) وكما ورد عن الصادق
المصدوق -صلى الله عليه وسلم: «إذا سألت فاسأل الفردوس الأعلى» حديث.
إذن فلكل درجة في الجنة نشاط في
السير، فادفع ثمن الوطيء أو العالي، إن لك الخيار، إنما نذكرك أنه مُلك، وما هو-
واللهِ- باستئجار.
أخي: نعلم
اختيارك ما أنت بالذي يرضى بالوطيء بالجنة، وأنى لصاحب الاستعلاء في الدنيا بألا
يطمع بعليين في الآخرة.
مصاعب الطريق
إذن هنالك شرط وثمن، فاقرأ قول
الشاعر:
فاعلم بأنك لن تنال جسيمة
حتى تجشم نفسك الأهوالا
إذن فاعلم -أخي
فقهك الله- أنه مما لا شك فيه أن طريق الدعوة ليس ممهدًا بالورود والرياحين، وإنما
هو ممهد بالأهوال «حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره» هول من بعد هول، كما
أن درجات الجنة متعددة، فربض، وفردوس، فعليون فيكون هذا الهول تكذيب الناس لك، أو
معاداة الأهل، أو سجن طاغية، وقد يكون هذا الهول تعبًا يوميًا أو فقرًا ونسيانًا
لفرحة، أو حسناء تعزف عنها عزوفًا، وأنت لاه بعمل الدعوة إلى الله، وانظر إلى قدوتك
عمر بن عبدالعزيز، قالت زوجته فاطمة: «ما رأيته اغتسل من جنابة أو حلم من يوم بويع
بالخلافة»، وقد صرف جميع جواريه وأعادهن إلى بلادهن، من هذا تجد أخي العزيز أن
طريق الحق ثقيل لا يلجه إلا من اشتاق إلى الجنة، وكان ثقيلًا في القديم أيضًا، كما
هو ثقيل اليوم، فهذا أخوك الحسن البصري يناديك في نفس الطريق ويقول: إن هذا ثقيل،
وقد جهد الناس، وحال بينهم وبين كثير من شهواتهم، فإنه- والله- ما يسير على هذا
الحق إلا من عرف فضله، ورجا عاقبته.
فمن عرف
جمال العاقبة ولذتها سار، ومن سار سافر، ومن سافر جاب، ومن جاب تغبرت قدماه، فمن
ثم لا يصدق اصطلاح الداعية إلا على من كان أشعث أغبر، فمن نظر إلى الداعية المسلم
وجد لسان حاله يخاطبه ويقول له: أخا سفر، جواب أرض تقاذفت به فلوات، فهو أشعث
أغبر، انظر -أخي فقهك الله- إلى صورة الداعية المسلم فتراه لا يركن إلى الراحة،
ولا إلى الكسل والخمول، غير قاعد، فضلًا عن أن يكون راقدًا، بل تراه يصرف ساعات
نهاره وليله في التجوال داعيًا، آمرًا، ناهيًا، مربيًا، وماشيًا، أو راكضًا، فإذا
رجع إلى بيته عند منتصف الليل ورأى الغبار يعلو قدميه وملابسه ابتسم فمه وضحك قلبه
وقال لنفسه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من اغبرت قدماه في سبيل الله،
حرمه الله على النار».. شيخ كبير قد قضى حياته في الجهاد، وإن عاد من الجهاد ينفض
رداءه من غبار الجهاد، ثم يقول لابنته: اجمعيه واجعليه لبنة، إذا مت اجعليها لي
وسادة في قبري.
قادة في الطريق
أخرج ابن عساكر من طريق سيف عن الحسن
-رضي الله عنه- فذكر الحديث في تنفيذ جيش أسامة -رضي الله عنه- وفيه: «ثم خرج أبو
بكر -رضي الله عنه- حتى أتاهم فأشخصهم، وشيعهم وهو ماش، وأسامة راكب، وعبدالرحمن
بن عوف يقود دابة أبي بكر -رضي الله عنه- فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- لتركبن أو لأنزلن، فقال: والله لا تنزل، ووالله لا أركب، وما
عليَّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله، فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة
تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وتمحى عنه سبعمائة خطيئة. حتى إذا انتهى قال له:
إن رأيت أن تعينني بعمر بن الخطاب فافعل؟ فأذن له». فينام مسرورًا بما جمع من هذا
الغبار، وينام غيره مهمومًا رغم ما جمع من رصيد في البنوك من الدراهم والدنانير.
احرص أخي أن تغبر قدميك في سبيل
الدعوة إلى الله مع الصبر على مشاق الدعوة، وتحمل مسؤولياتها الجسام، فاليوم عمل
بلا حساب، وغدًا حساب بلا عمل، فالسعيد من أخذ من دنياه إلى آخرته، ومن قوته
لضعفه، ومن شبابه إلى شيخوخته، فالدنيا مزرعة الآخرة، واعلم أنه لا يتجمع غبار في
سبيل الله ودخان جهنم.
أخي: انظر إلى قدميك في نهاية يوم
رباط وجهاد في سبيل الله فتراها قد اكتظت بذرات الغبار الممزوج بقطرات العرق التي
ثقلتها، فجعلت هذه الذرات كالجبال الراسيات، وإن هي والله جبال ذرات، ولكنها في
يوم القيامة يوم الحساب تثقل الميزان، ولكنها يوم الزحام منجاة.. ذرات، ولكنها يوم
الفرار أوتاد ذرات، ولكنها يوم الخوف ذرات أمان اطمئنان، ولكنها يوم الزحف ثبات
واستقرار.
إذن فاحرص أخي على أن تتزود منها
بقدر ما تستطيع فأنت الفائز، إن الداعية اللبيب يسابق أصحابه الحمل كل ثقيل من
الأمور، فيكون يوم الجمع صاحب الميزان الثقيل كما تسابق النخعيون يوم معركة
القادسية.
أخي الداعية: اعلم أن الفراغ الذي
كان يملأ عليك نهارك ووقتك قد ذهب بلا رجعة إن شاء الله، من حين بداية انصهارك في
بوتقة هذه الكوكبة المضيئة، كوكبة الجامعين للغبار في سبيل الله، كوكبة الخير
والفوز والفلاح.
استمع معي إلى فاطمة بنت عبدالملك
تصف زوجها عمر بن عبدالعزيز فتقول: كان قد فرغ للمسلمين نفسه ولأمورهم ذهنه، فكان
إذا أمسى مساء لم يفرغ من حوائج يومه واصل نهاره بليله، فانظر معي إلى هذه
الأمثال، واجعلها قدوتك في طريق الدعوة إن أردت أن تصدق دعوتك، وتؤدي حق الأمانة
والانتساب لها، وصدق الله -سبحانه وتعالى- حيث يقول ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ
فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ (سورة الشرح: 7-8).
فانظر -أخي فقهك الله- إلى همم هؤلاء
الرجال الصالحين والأبطال، واجعلهم قدوتك في طريق الدعوة، إن أردت أن تكون صادقًا
مع دعوتك وتؤدي حق الأمانة والانتساب لها.
واعلم -أخي فقهك الله- أن القرآن قد
شمل جميع مناحي الحياة بين دفتيه، فما من أمر صغر أو كبر إلا وأنت واجد ما يشفي
صدرك، ويبدد حيرتك، ويضعك أمام المنهج الصحيح القويم، إن هذا الكتاب الرحب الواسع
يحتاج من الداعية إلى أن يسلك أحد خطوطه أو رحلاته من حيث التنقل بين دفتيه، وهذه
الخطوط والرحلات قد تنوعت بتنوع مواضيعه الكثيرة.
أخي العزيز: قم بنا نمضي في رحلة
قصيرة عبر أجواء هذا الكتاب العظيم مستخدمين خطًا من خطوطه الكثيرة، ألا وهو خط
الجهاد في سبيل الله، الجهاد بالمال، الجهاد بالنفس والولد، الجهاد باللسان
والقلم، الجهاد بالوقت والراحة.
أخي: هذا خط من أعظم الخطوط القرآنية
الربانية قد تشعبت منه خطوط كثيرة، دعنا نحلق على مستوى هذه الخطوط في تلك السماء
العالية، فمع صورة من صور الجهاد نسأل الله أن يوفقنا في هذه الرحلة الطيبة، وأن
يجعلنا من المتمثلين لما نقول، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
أخي الحبيب: ألا ترى أن هذا الخط
-وهو خط الجهاد في سبيل الله- له رحلات كثيرة وعظيمة في ثنايا سماء القرآن الكريم،
فانظر معي في خط رحلة ذي القرنين الجهادية في سبيل نشر دعوة الله على أرضه بين
عباده، وأنه كيف رفض الأجر المادي والعرض الدنيوي، وفضل ما آتاه الله على ما عنده،
إنها فعلًا صورة مشرفة من صور الجهاد في سبيل الله، ونشر دعوته، فحري بك -أيها
الداعية- أن تسلك طريق السابقين من الأنبياء والرسل الصالحين، وتتمثل هذه القدوات،
وأن تضعهم نصب عينك متى ارتضيت لك هذا الطريق، والتزمت هذا المنهج الرباني، وسلكت
إحدى رحلاته الداخلية والدولية متبعًا خط الجهاد ومثقلًا قدمك بغباره.
جمع وإعداد: أحمد عبد العزيز محمد
الفلاح.
_________
المراجع
1- القرآن الكريم.
2- حياة الصحابة - للعلامة
الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي ج: 1.
3- كنز العمال ج: 3.
4- رجال الفكر والدعوة في
الإسلام ج: 1.
5- سيرة عمر بن عبد العزيز.
6- معركة القادسية.