; هيبة الدولة | مجلة المجتمع

العنوان هيبة الدولة

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر الجمعة 13-يناير-2012

مشاهدات 61

نشر في العدد 1984

نشر في الصفحة 66

الجمعة 13-يناير-2012

الشعب هو الركن الأساس في الدولة إضافة للأرض والسلطة، ولا تكتمل إلا بسلطان حاكم مقدر، وبقانون نافذ محترم مصون.

إن أقصر الطرق للمستبدين هو تجاوز القانون والاستيلاء على السلطة بالقوة وممارستها بالعنف.. يكثر الوعود ويعطي الأعطيات ليكون مقبولًا، ويلجأ إلى نهب خزائن الشعب، كما يقول أفلاطون في جمهوريته، وإرهاب الآخرين بشريعة الغاب ليعود الناس إلى عهد ما قبل الدولة.

لذا فالحفاظ على سياج الوطن من الواجبات بل من ألزمها، لتحقيق حياة كريمة للمواطن، ومن هنا كان النهي عن إذلال سلطان الله في الأرض.

فرق شاسع بين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإن اختلوا بمحارم الله والناس لم ينتهكوها، وبين السراق الذين يبحثون عن غفلة الحارس ساعة أو عن غياب القانون لحظة، وإذا افتضح أمرهم كابروا وجادلوا فقد غاب ضميرهم.

هيبة الدولة ضرورة لا يمكن تجاوزها، وخسارة كبيرة إن اهتزت، ولكنها لن تتحقق إلا بشروط، منها:

1- سلامة القانون، والتوافق العام عليه، وأن يكون مقدرًا ومحترمًا.

2- نزاهة القائمين على تطبيقه وتجردهم واحترامهم له والتزامهم به، وكما قيل لعمر رضي الله عنه: « ولو رتعت لرتعوا».

3- عدل الحاكم وعدم محاباته لأحد مهما كان ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا﴾ (المائدة: 8).

4- احترام المواطن وتقديره وتكريمه وعدم قهره بالقوة، وتقديم إنسانيته ومصالحه على كل شيء بحدود القانون ﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)

 فلا إذلال ولا انتقاص ولا إهانة، فلا يروع ولا يخذل ولا يهمل ولا يسلب حقه ولا يعطى لغيره.

5- عندما يختار الشعب سلطته التي تحكمه لا أن تفرض عليه وتزور إرادته.

6- عندما يقدم الأمناء القادرون أصحاب الكفاءات، لا عندما يقدم الرويبضات السراق الفاسدون.

7- عندما يكون الجيش حارسًا لحدود الوطن والأمن خادمًا للشعب، ويكون المواطن مساعدًا له.

8- عندما يتساوى المواطن والمسؤول أمام القانون في الحقوق والواجبات.

وكما قال الفاروق: «ولو أن بغلة عثرت في العراق لخشيت أن أسأل عنها: لم لم أسو لها الطريق»، فكيف براكبها؟!

«ومتى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟». فالمواطن يجب أن يتمتع بالحرية المسؤولة مهما كان مذهبه واتجاهه، فالحرية قبل الدين فقد ولد حرًا، ويجب أن يبقى كذلك.

وقد رد عمر بن عبد العزيز على أحد ولاته الذي استأذنه في استخدام السوط والسيف لإصلاح ولايته فقال زاجرًا: كذبت بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك بينهم، وأعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين.

تكون الدولة مهيبة ويحرص على هيبتها مواطنها إن شعر بكرامته وتقديره، واستوفى حقوقه دون وساطة أو منة أو مكرمة.

ولم لا يحترم «شاليط» وآله دولتهم -على ما هي عليه- وقد فكت أسره بألف وسبعة وعشرين أسيرًا فلسطينيًا؟ ولم لا يحترم المواطن الكندي السوري الأصل المهندس «ماهر عرار» دولته كندا، وقد عوضته عن كل شهر سجنه ظلمًا بعد أن ثبتت براءته، ولم تثبت إدانته مليون دولار كندي، ويعتذر له رئيس الدولة، ويبكي وزير الهجرة على شاشة التلفزيون أمام المشاهدين ألمًا على ظلمه؟

ولم لا يحترم الأوروبي دولته ونظامها وقانونها، وهي توفر له كل معاني الحياة والرعاية والتقدير سواء كان داخلها أو مسافرًا في أقطار الأرض وسفاراتها في خدمته أينما حل وارتحل؟

إن كان المواطن مهيبًا كانت الدولة مهيبة ومقدرة والعكس صحيح، فالسماح لشريعة الغاب ومنطق القوة أن يحكم الناس سيأكل هيبة الدولة حتى تتلاشى.

إن هيبة الدولة نتيجة لمقدمات ضرورية، والتقصير بها جريمة يعاقب عليها القانون، الخارج على القانون باغ قاطع طريق تغلظ له العقوبة، وقد منع الرسول ﷺ  إرهاب الإنسان أو ترويعه حتى مزاحًا ما دام مستأمنًا، وعوض اليهودي الذي رفع عمر صوته عليه عشرين صاعًا من تمر، بل حتى إن الذي يأخذ القانون بيده -وإن كان محقًا- يستحق العقوبة في الشرع وفي النظم الأرضية.

هيبة الدولة لن تتحقق بالظلم والاستعباد والأثرة والقهر، هيبة الدولة تضيع وتتلاشى إن ترك المعتدي الظالم السارق الناهب بلا عقاب ومساءلة، يسرح ويمرح ويتحدى ويدلل ويتحدث عن المواطنة والانتماء وهيبة الدولة، بينما يحاسب الضعيف فقط بل ويظلم.

وقد جاء في الحديث الصحيح: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا، فشق عليهم فشق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به».

تتحقق هيبة الدولة بالشورى والديمقراطية والعدل والعلم والعزة والكرامة والاكتفاء والاستغناء عن التبعية، هيبة الدولة لها طريق واحد، فهل من سالك؟

الرابط المختصر :