العنوان مقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحقه علينا في النصرة والاتباع
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1689
نشر في الصفحة 32
السبت 18-فبراير-2006
(*) أستاذ بكلية الشريعة - جامعة قطر
هي حرب صليبية صهيونية ضد الإسلام والمسلمين بدأها اليمين المسيحي المتصهين
هذه الرسوم المسيئة للنبي--صلى الله عليه وسلم- صدرت بداية ضمن كتاب القرآن وحياة محمد المليء بالسم الإساءة بدأت اعتباطية لكنها الآن تسير بشكل مخطط له جيدًا داخل أوروبا
الإساءة بدأت اعتباطية لكنها الآن تسير بشكل مخطط له جيداً داخل أوروبا
الهدف الاستراتيجي إثارة الفوضى في الغرب وإشعار المواطن الغربي بالخوف وعدم الراحة في الدنيا التي تعد جنته الأولى والأخيرة
آثار نشر صور الكاريكاتير لسيدنا وحبيبنا محمد ﷺ في جريدة «يلانس بوستن» الدانماركية في ٣٠ / ٩ / ٢٠٠٥ م، سخط المسلمين وغضبهم بشكل كبير، وحق لهم ذلك، فإذا لم يغضبوا لرسولهم فلمن يغضبون وقد قال الله تعالى: ﴿ٱلنَّبِیُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ﴾ (الأحزاب :٦)، وهذا يعني أن كل مسلم ومسلمة في هذا العالم قد استهزئ به بالطريقة التي نشرتها تلك الصحيفة.
وقد حاولت الجالية المسلمة في الدانمارك أن تعتذر الصحيفة المذكورة وتقدم بعض السفراء المسلمين أيضًا إلى الحكومة بأن تعالج الموضوع بالحكمة، والاعتذار من الصحيفة، ولكنها رفضت ذلك بحجة الحرية وللمرء أن يتساءل عن أية حرية يتحدث هؤلاء؟ هل تشمل حرية نقد ما يتعلق بالمحرقة اليهودية «هولوكوست»؟ هل يجرؤ أحد منهم على أن يناقش هذا الموضوع؟ فهذا هو الفيلسوف المسلم جارودي لم ينكر المحرقة، وإنما أنكر المبالغة في عدد المحروقين، فحوكم على ذلك وصدر عليه الحكم بالسجن في بلد النور والحرية - كما يسمون- فرنسا ثم هل تعني الحرية الاستهزاء والافتراء على الآخرين؟ فالحرية حتى في الغرب تنتهي عندما تمس حرية الآخر.
والغريب أن هذه الصورة المستهزئة بالرسول ﷺ تأتي بعد ما ألف كوري بلوتيكن كتابه «القرآن وحياة محمد» يحمل بين صفحاته إساءة للإسلام، ثم طلب من الرسامين رسم صور مسيئة للإسلام لنشرها داخل كتابه هذا. ولكن معظمهم رفضوا ذلك. فتوجه المؤلف إلى الصحيفة المذكورة. فقبل ١٢ رسامًا ونشروا رسوماتهم هذه في الصحيفة المذكورة وحدث ما حدث.
وهذا الكتاب انتقى مواقف من السيرة النبوية بصورة مشوهة، ثم وظفها بطريقة تخدم غايته الذميمة في الطعن بالرسول ﷺ منها على سبيل المثال أن المحرقة اليهودية حدثت أولًا في عصر محمد ﷺ الذي قتل اليهود في المدينة، وأنها كانت تفوق المحرقة النازية «هولوكوست».
ثم نشرت الصحيفة نفسها مقالًا لمؤلف الكتاب المذكور بعنوان: «العنصرية القديمة والحديثة» ونشر صورة لرجل ملتح يرتدي عمامة مكتوب عليها «قرآن مجيد» وعيناه معصوبتان بعصابة مكتوب عليها كلمة «العنصرية» في ٢٣ / ١ / ۲۰۰٦ م.
وذكر الأستاذ رائد حليحل رئيس الرابطة الأوروبية لنصرة خير البرية -كما في موقع إسلام أون لاين- أن الإساءة للرسول ﷺ بدأت بطريقة اعتباطية، ولكنها الآن تسير بشكل ممنهج ومخطط له جيدًا، فبدأت تجد صدى في الأوساط الغربية، ويدل على ذلك أن شركة ألمانية للملابس القطنية طبعت أحد الرسوم المسيئة على بعض منتجاتها.
وخصصت أرباحها لنصرة حرية الرأي بالدانمارك، وكذلك نشرت ست صحف في ألمانيا وإيطاليا، وإسبانيا الرسوم المسيئة تضامنًا مع الصحيفة الدانماركية، وفي فرنسا نشرتها صحيفة فرانس سوار، ولكن مالكها المصري رامي لكح أقام رئيس تحريرها مع الاعتذار.
وعلى الرغم من أن الصحيفة الدانماركية اعتذرت في ٣١ / ١ / ٢٠٠٦ م عن نشرها الرسوم المسيئة للرسول ﷺ إلا أن الاعتذار جاء بعد فوات الأوان، ومن هنا لم يرتض الكثيرون بذلك، ودعوا إلى استمرار المقاطعة إلى أن تعتذر الحكومة، وتنشر الصحيفة ما يدل على خطئها.
ومهما فعلنا أمام هذه الإهانة والاستهزاء فهو قليل، لأن النبي ﷺ أعز وأحب إلى المؤمن من نفسه وماله وأهله وولده والناس أجمعين، بل لا يتم إيمانه إلا بذلك، فهو أولى به من نفسه فقال تعالى: ﴿ٱلنَّبِیُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ﴾ (الأحزاب :6)، وقد أوجب الله تعالى نصرته وحبه واحترامه والثأر له إضافة إلى طاعته واتباع سنته، وعلى ذلك من الأدلة من القرآن والسنة ما لا يحصي هنا.
التمهيد لحرب صهيونية كونية ضد العالم الإسلامي
والذي أريد أن أقوله هنا هو أن كل ما يحدث الآن في العالم الغربي «أمريكا وأوروبا» منذ وصول اليمين المسيحي المتصهين، وبالأخص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إذا قرأته قراءة متأنية لا يمكن تفسيره إلا بأنه الإعداد الشامل لحرب صليبية صهيونية عالمية ضد الإسلام والمسلمين، بل هذا ما أعلنه الرئيس الأمريكي الحالي، حيث سماها في البداية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالحرب المقدسة ثم اختار حرب العدالة، وكلاهما من المصطلحات الصليبية، فعدل عنهما بعد توجيه النصح إليه من إدارته فاختار اسم الحرب الكونية على الإرهاب، وقسم العالم إلى قسمين: أن من يقف مع أمريكا ضد الإرهاب فهو من عالم الأخيار، وأن من لا يكون معها فهو ضدها، ومن الأشرار.
إن إدارة بوش تمثل المحافظين الجدد وهم وراءهم اليمين المسيحي المتصهين الذي يقف مع الصهاينة فكريًا وأيديولوجيًا وعمليًا وسياسيًا في خندق واحد. وهو يؤمن بصراع الحضارات، ويعمل –جاهدًا- ما عبر عنه صموئيل هنجتون للقضاء على جميع الحضارات الأخرى سوى الحضارة الغربية، وبالأحرى الحضارة الأمريكية. بل لابد أن تنتهي كل الحضارات بالحضارة المعاصرة -ما عبر عنها فوكوياما- في مقالته «نهاية الحضارات».
وعلى الرغم من كل المحاولات التي بذلتها إدارة بوش لم تستطع أن تخضع أوروبا، لما تريده، كما شاهدنا في حربها ضد العراق حيث وقفت غالب الشعوب بل والحكومات الأوروبية ضد سياسة بوش، وكانت المظاهرات الكبيرة تنذر بفشل السياسة الأمريكية في أوروبا.
ومن الجانب النفسي فقد تبين من خلال عدة استبيانات -قامت بها معاهد محترمة ومحترفة- أن نسبة تتراوح بين ٦٥ % إلى ٧٠ % تكره إسرائيل وسياستها وأن أكثر من ٨٠ % لا تتفق مع سياسة بوش.
إذن كيف العلاج؟ خطط المخططون الصهاينة واليمين المتصهين الأمريكي لتحويل الكراهية من اليهود إلى المسلمين، ولمصداقية سياسة بوش، ومعهم المال والإعلام، واليهود يسيطرون على معظم القنوات الفضائية، والصحف والمجلات بل على الإعلام المقروء والمشاهد والمرئي والمكتوب فحركوا هذه الأجهزة لتحقيق ثلاثة أهداف مرحلية:
١- تشويه صورة الإسلام والمسلمين.
2- إثارة النعرات الدينية.
3- إثارة المسلمين للقيام بالأعمال التي تترتب عليها كراهية الشعوب الأوروبية لهم.
زيادة على ما حدث من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأحداث ٧ / ٧ / ٢٠٠٥ م في بريطانيا وأحداث القطار الإسباني.
أما الهدف الاستراتيجي فهو إثارة الفوضى العارمة في العالم الغربي والإضرار بمصالحه بشكل مباشر، وإحساس المواطن الغربي بالخوف وعدم الراحة في هذه الدنيا التي هي جنته الأولى والأخيرة، ثم التركيز من خلال وسائل الإعلام على أن كل ذلك من الإسلام والمسلمين.
وهذا يستدعي أن يركز الإعلام الغربي كله على إثارة الروح الصليبية من جديد في النفوس لأن هذه الروح هي التي تؤدي إلى صراع بين الحضارات.
وحينئذ لا يبقى إلا أن ينادوا بنداء بابا الصليبية قبل عدة قرون.
وإذا وقعت هذه الواقعة سوف تسود الفوضى كل العالم ويكون المستفيد الوحيد هو: الصهاينة واليمين المتطرف، فهم استفادوا من الحرب العالمية الأولى ووعد بلفور وهجرتهم الجماعية إلى فلسطين، واستفادوا من الحرب العالمية الثانية في قيام دولة صهيونية مدعومة من الغرب كله، ومن أمريكا بشكل غريب.
ويكون الخاسر هو أوروبا والمسلمين.
لذلك لا بد من إرسال رسائل العقل والحكمة إلى عقلاء الغرب وبالأخص أوروبا بألا يكونوا جزءًا أساسيًا من هذه المحرقة التي يريدها الصهاينة لهم ولنا جميعًا ثارًا من هولوكوست.
ولا يمكن أن نقول للمسلمين :اصبروا، لأنه ليس هناك شيء لديهم أقدس -بعد الله تعالى- من رسولهم محمد ﷺ وبأبي وأمي ونفسي أفديه، وكذلك بقية الأنبياء عليهم السلام، فكنا سنثور أيضًا لو أسيء إلى سيدنا موسى أو عيسى، أو إبراهيم عليهم السلام.
بل أقول: يجب علينا أن نفدي رسول الله ﷺ بكل ما نملك فنتبع سننه، وتنصره، ومع ذلك لابد أن يكون لدينا الوعي الكامل بهذه الخطة الجهنمية التي وصفها الله تعالى بمكر اليهود ﴿وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ﴾ (إبراهيم:46)، فنخطط لإفشالها واستثمار جانب الخير فيها. كما قال تعالى: ﴿لَا تَحۡسَبُوهُ شَرࣰّا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡۚ﴾ (النور: ۱۱)، وذلك بأن نستمر في المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية، والمظاهرات المنددة إلى أن تحقق أهدافها، ولكن الأهم هو أن نبدأ بالدفاع الإيجابي من خلال:
١- إحياء سنته -صلى الله عليه وسلم- في نفوسنا وفي تصرفاتنا وسلوكنا، وإحياء حبه في قلوبنا كما كان الصحابة الكرام. كم كانوا يحبونه؟
٢- إنشاء صندوق عالمي للدفاع عن خير البرية.
٣- فتح قنوات فضائية بجميع اللغات الحية لبيان سيرة الحبيب محمد ﷺ ورحمته للعالمين، وخيره للناس أجمعين.
٤ - العناية القصوى بجميع وسائل الإعلام الأخرى من الإذاعات والمجلات والصحف بجميع اللغات الحية.
5 - الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار بالتي هي أحسن لبيان حقيقة الإسلام، وأخلاق رسوله الكريم.
وحينئذ تتحول النقمة إلى النعمة، وتولد المنح في بطون المحن، ولذلك قدم الله الأمر بإظهار الحق وعدم المبالاة بالمستهزئين حتى يكون نبراسًا لنا فقال تعالى: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ (الحجر:94).