العنوان الواعظ الصامت
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1987
مشاهدات 60
نشر في العدد 810
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 24-مارس-1987
- بعض الناس يمعنون في الهروب
من سماع ما يذكرهم بالموت ظانين أنهم سيفلتون منه.
هو ما يفتأ صامتًا لا يتكلم، ولكن صوته في أعماق الناس أعلى من صوت ذلك الواعظ
الجهوري الصوت، لا يملك العبارات المنمقة المصفوفة، ولكن منظره أعمق من كل عبارات الوعاظ،
لا يحرك يديه ولا وجهه ميمنة ميسرة ليجذب جمهور المستمعين والمشاهدين لخطبته، لأن الجاذبية
تركزت فيه، تجذب القلوب قبل الأجساد، ما هو إلا تلك «الحفرة» التي سينام بها الإنسان،
عندما تتوقف الآلة التي كان يعمل من خلالها، بعد أن ينتهي من أداء الاختبار، الذي كان
قد كلف به، لیری النتائج الأولية للاختبار في تلك الحفرة بعد أن يستقر بها، فما ذلك
الواعظ الصامت إلا تلك «الحفرة» التي تسمى «القبر».
الرافعي يناديه
أو هو كما يناديه مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- «واها لك أيها القبر! لا تزال
تقول لكل إنسان تعال، ولا تبرح كل الطرق تفضي إليك، فلا يقطع بأحد دونك، ولا يرجع من
طريق راجع، وعندك وحدك المساواة، فما أنزلوا قط فيك ملكًا عظامه من ذهب، ولا بطلًا
عضلاته من حديد، ولا أميرًا جلده من ديباج، ولا وزيرًا وجهه من حجر، ولا غنيًا جوفه
خزانة، ولا فقيرًا علقت في أحشائه مخلاة».[1]
الرسول -صلى الله عليه وسلم- یبكي أمه
وبسبب قوة موعظة القبور، حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أكثر من موضع على
زيارتها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: زار النبي -صلى الله عليه وسلم- قبر أمه،
فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن استغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته
في أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت»[2]، فالناس من طبعهم النسيان،
ينسون النهاية الحتمية لكل منهم، فيؤدي ذلك لقساوة القلب وتصلبه، مما يجعله لا يستعد
للآخرة، ولا ينتفع بما يسمع من موعظة بسبب تلك القساوة التي غطت القلب فجعلته غافلًا،
عن حقيقة وجوده على هذه الأرض كما يقول الشاعر:
الناس في غفلة والموت يوقظهم وما
يفيقون حتى ينفد العمر
يشيعون أهاليهم بجمعهم وينظرون
إلى ما فيه قد قبروا
ويرجعون إلى أحلام غفلتهم كأنهم ما رأوا شيئًا ولا نظروا[3]
فالغرض الرئيسي من زيارة القبور، هو تذكر الموت الذي يؤدي إلى تذكر الآخرة.
الهاربون من الموت
وبسبب تلك القساوة والغفلة، يمعن البعض بعدم سماع أي شيء يذكرهم بالموت، ظانين
بذلك أنهم سيفلتون من الموت، أو يضللونه أثناء الطريق فيخطأهم، هذا التفكير الطفولي
يرد عليه الله سبحانه وتعالى بقوله:
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ
مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (الجمعة: 8).[4]
يقول الرافعي: «من يهرب من شيء تركه وراءه، إلا القبر فما يهرب أحد منه إلا وجده
أمامه، هو أبدًا ينتظر غير متململ، وأنت أبدًا متقدم إليه غير متراجع».[5]
التراب الصامت
فزيارة ذلك الواعظ، من أكبر أسباب تقوية القلب، وإزالة تلك الغشاوة، فأنت عندما
تذهب إلى المسجد يوم الجمعة تستمع إلى واعظ واحد، فالمصلون كثيرون والواعظ واحد، ولكن
الصورة تنقلب في المقبرة، حيث تتحول كل القبور إلى وعاظ، وأنت تستمع إليهم في آن واحد،
فالمستمعون قليل والوعاظ أكثر، وهذه حالة فريدة لا تكون في أمور الدنيا إلا في ذلك
المكان!
يقول الرافعي: «فتحنا القبر وأنزلنا الميت العزيز الذي شفي من مرض الحياة، ووقفت
هناك، بل وقف التراب المتكلم يعقل عن التراب الصامت ويعرف منه أن العمر على ما يمتد
محدود بلحظة، وأن القوة على ما تبلغ محدودة بخمود، وأن الغايات على ما تتسع محدودة
بانقطاع، وحتى القارات محدودة بقبر».[6]
ولولا قساوة القلوب، والانشغال بالوسائل التي تعين على أداء الهدف من الهدف الذي
خلقنا من أجله، لتذكر الإنسان عند ولادة كل مولود اليوم الذي يدفن فيه، فكما يقول الإمام
ابن الجوزي: «عبر مهد الطفل عنوان اللحد».[7]
فكما يلف الطفل المولود بقطعة بيضاء من الثياب، ويوضع في المهد بلا حراك، فكذلك
الميت يلف بقطعة بيضاء هي آخر ثوب يلبسه بالدنيا، ليبقى في مهد الأرض دون حراك إلى
يوم البعث.
_____________
[1] كتاب المساكين ص 61.
[2] رواه مسلم (976) (108) الجائز.
[3] صيد الخاطر 112 – الفكر.
[4] سورة الجمعة، الآية 8.
[5] كتاب المساكين ص 59.
[6] كتاب المساكين ص 59، 60.
[7] اللطف في الوعظ 30.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل