; واحة الإيمان.. تزهد الحمقى | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان.. تزهد الحمقى

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986

مشاهدات 43

نشر في العدد 770

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 03-يونيو-1986

كثير من الناس يعتقد بأن الزهد ينحصر في اللباس والطعام وترك العمل والتداوي وغيره وهؤلاء قد أضروا أكثر مما نفعوا، وأعطوا صورة مشوهة عن حقيقة الزهد في الإسلام بتطبيقهم بعض طقوس الديانات المنحرفة كالبوذية والإبراهيمية والرهبنة التي ما فرضها الله على عباده، وكانوا بأفعالهم هذه منفرين عن الدين، مخوفين قطاعًا كبيرًا من الناس بالالتزام به.

الزهد بالفالوذج

وهذا روح بن القاسم يروي عن رجل من أهل بيته تنسك على صورة أولئك الغافلين في المعنى الحقيقي للزهد، وكان يسمعه يقول «لا أحل الخبيص أو قال الفالوذج، لأني لا أقوم بشكره»(1)، فذهب روح إلى الإمام الحسن البصري يستفتيه في هذا الفهم الشاذ عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فقال الحسن: «هذا إنسان أحمق، ولا يقوم بشكر الماء البارد»(2). وحقًا ما قاله الحسن، فإذا كان الماء الذي هو من أكبر النعم التي أغدقها الله على الإنسان وجعل منها كل شيء حيًّا، والتي لا تقارن أبدًا بحلوى الفالوذج لا تقوم بحق شكرها، فهل يعني ذلك حسب هذا الفهم للزهد أن نترك شرب الماء؟!

بين زهد النبي صلى الله عليه وسلم وتزهد المبتدعين..

وهذه النوعيات من المبتدعين لأنماط من الزهد مخالفة لهدي النبي «صلى الله عليه وسلم» لم تكن في عهد التابعين والتي واجههم فيها الإمام البصري فقط، بل تكررت في أجيال متلاحقة، وتتكرر دائمًا كلما انغمس الراعي في دنياه وترك الرعية دون توجيه ديني، فتكون فرصة لأن يلعب أصحاب البدع والخرافات بعقول السذَّج من الناس ليلبسوا عليهم ما ليس في دينهم، ويبرز في فترة ضعف الدولة العباسية وانشغال الخلفاء في لهوهم ودنياهم علماء يرجعون الجيل إلى المنهج السليم، وكان من أبرزهم

الإمام الثبت أبو الفرج بن الجوزي إذ يقول منبِّها ومذكرًا بحقيقة زهد النبي «صلى الله عليه وسلم» وما طرأ من التغيير عليه «وقد كان النبي «صلى الله عليه وسلم» يأكل ما وجد، فإن وجد اللحم أكله، ويأكل لحم الدجاج وأحب الأشياء إليه الحلوى والعسل، وما نقل عنه أنه امتنع من مباح، وجيء علِي رضي الله عنه بفالوذج فأكل منه، وقال: ما هذا؟ قالوا: يوم النوروز، فقال: نورزونا كل يوم، وإنما يكره الأكل فوق الشبع، واللبس على وجه الاختيال والبطر.

فقد لبس النبي «صلى الله عليه وسلم» حلة اشتريت له بسبعة وعشرين بعيرًا.

وكان لتميم الداري حلة اشتريت بألف درهم يصلي فيها الليل.

فجاء أقوام، فأظهروا التزهد وابتكروا طريقة زينها لهم الهوى، ثم تطلبوا لها الدليل. وإنما ينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقًا ويتطلب دليلها»(3).

فالزهد الحقيقي ليس بترك الطعام، والعزلة عن الناس، ولبس المرقع من الثياب، بل الزهد هو إدراك حقيقة الدنيا، ووضعها في اليد لا في القلب، حتى لا نحزن على شيء يفوتنا منها.

وبعد حادثة الزاهد بالفالوذج يرى الحسن فرقد السنجي وهو ممن تصوفوا، رآه وعليه جبة صوف فأخذ الحسن بجبته ثم قال له: «يابن فرقد -مرتين أو ثلاثة- إن التقوى ليس في هذا الكساء، إنما التقوى ما وقر في القلب، وصدقه العمل والفعل»(4).

 

(1) (2) الزهد لأحمد من 264.

(3) صيد الخاطر مكتبة العلمين من 27.

(4) الزهد 267.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل