العنوان واحة الإيمان «صور من النهاية المخيفة»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1986
مشاهدات 71
نشر في العدد 790
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 04-نوفمبر-1986
الآمنون من الشقاء
إن القلب الخالي من الخوف من الله هو قلب معرض للخاتمة السيئة، حيث إن الخوف
يدفع صاحبه دومًا للإنابة والتطهير الدائم لكل شائبة تتسرب في حين غفلة من صاحبها،
ويدفعه الخوف للازدياد من العمل الصالح بينما الآمن المغتر بما يعمل، يغلب عليه طابع
الكسل والتسويف، ويقل عنده الورع اعتمادًا على عفو الله ومغفرته، لهذا يقول حاتم الأصم:
من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر، فلا يأمن الشقاء: الأول خطر يوم الميثاق
حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين
كان.
والثاني حين خلق في ظلمات ثلاث فنادى الملك بالشقاوة والسعادة، ولا يدري أمن
الأشقياء هو أم من السعداء.
والثالث ذكر هول المطلع، فلا يدري أيبشر برضا الله أم بسخطه.
والرابع يوم يصدر الناس أشتاتًا،
فلا يدري أي الطريقين يسلك به(1).
خوف الصالحين
ولكن الصالحين ما كانوا يأمنون كما أمن- أولئك، بل كان الخوف يقطع قلوبهم، ويغرق
أعينهم بالبكاء، وكانوا أشد ما يخافون من سوء الخاتمة. «وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق
والخواتيم، فكان يبكي ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيًا ويبكي ويقول: أخاف أن
أسلب الإيمان عند الموت(2).
وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضًا على لحيته ويقول: يا رب قد علمت ساكن
الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك؟(3).
اشتداد الشيطان على الإنسان
وبسبب خوفهم الشديد من سوء الخاتمة، يشتد عليهم الشيطان في لحظاتهم الأخيرة ليفتنهم
عن دينهم، ولكن الله يثبتهم بالقول الثابت، فلا يقدر عليهم الشيطان.
ومما جاء في ذلك قول عبدالله بن أحمد بن حنبل: «حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي الخرقة
لأشد لحييه، فكان يُغرق ثم يفيق ويقول بیده: لا بعد.. لا بعد.. فعل هذا مرارًا فقلت
له: يا أبت أي شيء ما يبدو منك؟ فقال: إن الشيطان قائم بحذائي عاضًا على أنامله يقول:
یا أحمد فُتَّني. وأنا أقول: لا بعد لا حتى أموت(4).
وروى عن أبي جعفر أحمد القرطبي أنه عند احتضاره قيل له «قل لا إله إلا الله فكان
يقول: لا لا. قلما أفاق ذكر له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي يقول أحدهما
مت يهوديًا فإنه خير الأديان والآخر يقول: مت نصرانيًا فإنه خير الأديان. فكنت أقول
لهما: لا لا.. إليَّ تقولان هذا؟»(5).
نهايات مفجعة
إن أخبار سوء الخواتيم التي كان الصالحون يسمعون بها ويشاهدونها كانت سببًا في
زيادة خوفهم ومن ثم زيادة استعدادهم للآخرة، ومما يروى في هذه الأخبار ما نقله ابن
رجب عن عبدالعزيز بن أبي رواد قال:
حضرت رجلًا عند الموت يلقن الشهادة لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو
كافر بما تقول ومات على ذلك، قال: فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر. وكان عبدالعزيز يقول:
اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته(6).
ويروي القرطبي في التذكرة عن الربيع بن شبرة بن معبد الجهني وكان عابدًا بالبصرة
يقول: أدركت الناس بالشام وقيل لرجل: يا فلان قل: لا إله إلا الله قال: اشرب واسقني.
وقيل لرجل بالأهواز: قل لا إله إلا الله فجعل يقول ده یازده دوازده (تفسيره عشرة أحد
عشر اثنا عشر) كان هذا الرجل من أهل العمل، والديوان فغلب عليه الحساب والميزان(7).
ويروى الإمام ابن القيم في كتاب «الجواب الكافي» عن هذه القصص للمحتضرين فيقول:
قيل لبعضهم: قل «لا إله إلا الله» فقال: آه آه، لا أستطيع أن أقولها، وقيل لآخر: قل
«لا إله إلا الله» فقال: شاه رخ غلبتُك(8) ثم قضى.
وقيل لآخر قل «لا إله إلا الله» فجعل يهذي بالغناء، ويقول: تاتنا تنتنا، حتى
قضى وقيل لآخر ذلك، فقال: ما ينفعني ما تقول، ولم أدع معصية إلا ركبتها، ثم قضى ولم
يقلها. وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني وما أعرف أني صليت لله صلاة؟ ولم يقلها.
وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها ولساني يمسك عنها(9).
نسأل الله الثبات
إن هذه الأخبار تدعونا أن نردد ما كان يقوله المعصوم المبشر بالجنة رسولنا- صلى
الله عليه وسلم- فيما أخرجه الترمذي: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»(10). والذي يريد الثبات فلا بد أن
يبذل أسبابه، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
____________
(1)
جامع العلوم والحكم ص ٥٠،٥١
(2-3) جامع العلوم والحكم ص ٥٠.
(4-5) التذكر ص٥٠.
(6) جامع العلوم والحكم ص ٥٠.
(7) التذكرة ٥١/١.
(8) شاه، ورخ اسما الحجرين من أحجار الشطرنج.
(9) الجواب الكافي من ۱٠٥، ۱۰٦- دار الكتب العلمية.
(10) الترمذي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل