; واشنطن هددت بوضعه على لائحة الإرهاب بسبب فتاوى العراق.. فتراجع الأزهر | مجلة المجتمع

العنوان واشنطن هددت بوضعه على لائحة الإرهاب بسبب فتاوى العراق.. فتراجع الأزهر

الكاتب محمد جمال عرفه

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003

مشاهدات 89

نشر في العدد 1569

نشر في الصفحة 28

السبت 20-سبتمبر-2003

الضغوط على الأزهر تكشف السعي الأمريكي للحجر على آراء العرب.. وشيخ الأزهر يوقف ثاني رئيس للجنة الفتوى بسبب فتاوى عن العراق.

كشفت واقعة إيقاف ثاني رئيس للجنة الفتوى بالأزهر في مصر عن تطور خطير في الحملة الأمريكية على العالمين العربي والإسلامي، امتدت لا لطلب تغيير المناهج الدينية والخطاب الإسلامي فحسب، بل لمحاولة التأثير على الفكر والفقه و«الرأي» بحيث بات مجرد التعبير عن رأي معارض للعم سام يصنف في القاموس الأمريكي على أنه «إرهاب» أو «معاداة للسامية» يستوجب قطع السنة من يقول به!.

فقد نجحت الضغوط الأمريكية في طرد وإيقاف اثنين من رؤساء لجنة الفتوى بالأزهر من عملهما لأن أحدهما تجرأ ودعا للجهاد ضد العدوان الأمريكي على العراق، وأصدر الثاني فتوى يحرم فيها التعامل مع مجلس الحكم العراقي!.

ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد بلغ حد التهديد علنًا -في الكونجرس والخارجية الأمريكيين -بضم الأزهر إلى لائحة الإرهاب الأمريكية بزعم أنه يحض على كراهية الأمريكان وحربهم، مما دفع مسؤولين في الأزهر للتفكير في إلغاء لجنة الفتوى من الأصل (!) رغم أن تاريخ نشأتها يعود إلى عام ١٩٣٥م على يد الشيخ مصطفى المراغي، وكان أغلب رؤسائها من شيوخ الأزهر اللاحقين فيما بعد!.

وبعد أن كان يقال إن الضغوط الأمريكية عقب 11 سبتمبر تقتصر على محاربة الإرهاب والسعي -اختياريًّا لا إجباريًّا - للنصح بتغيير الخطاب الديني، مع تغيير بعض مناهج التعليم، أصبحت الضغوط علنية وتصل إلى حد عدم القبول برأي مخالف، والسعي لتكميم الأفواه والآراء من قبل من تسمى «زعيمة العالم الحر».

فقد ثارت التساؤلات عن المدى الذي بلغته الضغوط على الأزهر عقب القرار الذي أصدره شیخه د. محمد سيد طنطاوي يوم ٢٩ أغسطس الماضي بوقف الشيخ نبوي محمد العش رئيس لجنة الفتوى بالأزهر وإحالته للتحقيق لأنه أفتى بعدم شرعية مجلس الحكم الانتقالي العراقي وحرم التعامل معه، وعقب تأكيد شيخ الأزهر أن الفتوى التي صدرت «ممهورة بشعار الأزهر» لا تعبر عن الأزهر الذي لا يتدخل في سياسات الدول(!).

وشن كُتاب وصحف مصرية هجومًا على شيخ الأزهر وعلى السفير الأمريكي بالقاهرة منتقدين تراجع الشيخ بعد لقائه السفير الأمريكي وتراجعه - للمرة الثانية في موضوع يتعلق بالعراق - أمام الأمريكان وإيقاف رئيس لجنة الفتوى عن العمل مثلما فعل قبل خمسة أشهر وأقال رئيسها السابق بسبب صدور بيان يحض على الجهاد ضد العدوان الأمريكي على العراق لتصبح مسألة الضغوط الأمريكية بمثابة كابوس خطير:

- ففي شهر فبراير ۲۰۰۳، وقبل احتلال القوات الأمريكية للعراق، صرح الشيخ علي أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى بالأزهر حينئذ بفتوى يؤكد فيها «وجوب قتال القوات الأمريكية إذا دخلت العراق وأن دماء الجنود الأمريكيين والبريطانيين تعد في هذه الحالة حلالًا كما أن قتلى المسلمين يعدون شهداء».

وقد أشيع وقتها أن أمريكا احتجت على هذه الفتاوى فتمت إقالة الشيخ أبو الحسن.

ولأن شيخ الأزهر سبق أن أصدر عدة تصريحات تدور حول رفض هذا العدوان معتبرًا أن مقاومة العدوان واجب شرعي، فإن إقالته لرئيس لجنة الفتوى أثارت السؤال عن حقيقة الأمر وهل هو مجرد إجراء إداري، أم أن هناك أسبابًا سياسية وراء الإقالة.

- وفي العاشر من مارس ۲۰۰۳ أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بيانا يحض فيه جميع المسلمين على الجهاد ضد القوات الأمريكية الغازية إذا بدأت في حربها ضد العراق، ويعتبر هذه الحرب «صليبية»، ولم يوقع شيخ الأزهر على البيان رسميًّا لكن المعروف أن المجمع هو المنوط به الإفتاء في المسائل السياسية، وقد توالت الضغوط من السفارة الأمريكية ومن كنائس غربية بشكل دفع شيخ الأزهر للتراجع عن البيان والبراءة منه.

ثم تكشف أن الإدارة الأمريكية هي التي احتجت على وصف بيان مجمع البحوث الإسلامية حربها على العراق بأنها صليبية، وأنها تدخلت بقوة لوقف ما اعتبرته «تحريضًا دينيًّا» ضدها!.

البيان أثار انتقادات واسعة في الخارجية الأمريكية وأعدت على إثره تقريرًا عاجلًا للبيت الأبيض وصفت فيه الأزهر بأنه أحد أعلى المؤسسات الدينية في العالم العربي وأن آراءه الدينية تكون محل احترام وتقدير من كل مسلمي العالم.

وجاء في تقرير الخارجية الأمريكية أن: «الأزهر بصفته مؤسسة دينية مصرية كان من المفترض ألا يشجع على الإرهاب ضد القوات الأمريكية، فهذه المؤسسة الدينية المصرية تجاهلت الفظائع والأهوال غير الإنسانية التي ارتكبها الرئيس العراقي في حق شعبه كما أنه أي الأزهر لم يصدر أي إدانة للرئيس العراقي في مجال أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها».

ودعا التقرير الذي أعده ريتشارد سكوتي أحد مستشاري الخارجية الإدارة الأمريكية لأن تتدخل بحسم لدى الحكومة المصرية حتى يصدر الأزهر بيانًا آخر يعتذر فيه عن مثل هذا «البيان الإرهابي».. «وإلا فإن الأزهر يجب أن يكون على قائمة المؤسسات الإرهابية التي تجب محاربتها»!

وفي ١٧ أغسطس ۲۰۰۳، وجهت انتقادات أمريكية غربية المركز الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة الذي تشرف عليه الجامعة العربية واتهم بـ «معاداة السامية» والترويج لنظريات المؤامرة ترتب عليها إغلاق المركز، وقيل إن سبب الإغلاق «انحراف المركز عن مبادئ التعايش والتسامح بين الأديان»!.

وكان المركز يتعرض لحملة صهيونية وجهود من جماعات يهودية في الولايات المتحدة وبريطانيا لإغلاقه بدعوى معاداته للسامية، كما اتهمته جامعة هارفارد الأمريكية بـ «تشجيع العداء بين الأديان» بزعم أنه استضاف عددًا من المفكرين قالت إنهم هاجموا اليهودية!.

وكان المركز قد تعرض لانتقادات في الولايات المتحدة بسبب استضافته المتحدثين «يروجون» الرفض وقوع حادثة المحرقة «الهولوكوست». كما استضاف المركز ثيري ميسان مؤلف کتاب «۱۱ سبتمبر: الكذبة الكبرى». الذي يرفض الرواية التي قدمتها الحكومة الأمريكية لهجمات 11 سبتمبر.

وقد أوقف المركز جميع نشاطاته وأغلق موقعه على الإنترنت. وكان يعمل فيه حوالي ١٤٠ شخصًا منهم نحو ٥٠ متدربًا في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، كما يتعاون مع ١٢٠ مثقفًا ومفكرًا في الدراسات والأبحاث التي ينشرها.

-وفي نهاية أغسطس ۲۰۰۳ صدر قرار الشيخ الأزهر بإيقاف الشيخ نبوي العش رئيس لجنة الفتوى عن الإفتاء وإحالته للتحقيق عقب لقاء تم بين السفير الأمريكي بالقاهرة وشيخ الأزهر قيل إنه كان مرتبًا سابقًا ولكن تم التطرق خلاله للفتوى الصادرة، وقيل إن شيخ الأزهر اضطر تحت الضغط الأمريكي للتراجع وإعلان أن الفتوى التي صدرت لا تمثل الأزهر.

صحيح أن شيخ الأزهر والسفارة الأمريكية نفيَا أن يكون اللقاء تطرق إلى ضرورة معاقبة لجنة الفتوى بالأزهر، بيد أن إيقاف رئيس لجنة الفتوى والتحقيق معه «وهو ما أكده الشيخ أبو الوفا عجور أمين عام مجمع البحوث الإسلامية» عزز التكهنات باستجابة شيخ الأزهر لضغوط أمريكية.

وقد تعرض الشيخ العش لحملة ابتزاز عبر صحف ومجلات حكومية انتقدت تدخله في «الأمور السياسية» وزعمت أنه يفتي بغير علم ورد الشيخ العش بأنه ليس أول من يفتي بحرمة التعامل مع مجلس الحكم العراقي. ولكن سبقه الشيخ نصر فريد واصل مفتي مصر السابق، وقال إنه مازال مُصرًا على فتاواه، ولكن: لو علم أن هذا السؤال سيحدث كل هذه الضجة ما أجاب عنه أطلاقًا (!).

 وقد تبين أن رئيس لجنة الفتوى تعرض الضغوط كبيرة لحمله على التراجع، منها التهديد بوقفه وإحالته للتحقيق، واستدعاء شيخ الأزهر له لمراجعته، كما أكد الشيخ أبو الوفا عجور أنه «صرخ فيه» عقب فتواه وقال له: «مالك أنت ومال العراق لازم تاخد بالك من حدودك في الفتوى»!

وكان من الطبيعي أن يظهر رئيس لجنة الفتوى نوعًا من التراجع، حتى إنه قال - في حوار مع مجلة المصور التي اتهمته بأنه ينتمي للإخوان ونفى هو ذلك -إن «التعليمات» بعدم التعرض للأمور السياسية في لجنة الفتوى كانت بشأن المستقبل، وإن «كلام شيخ الأزهر ماشي على رقبتي»!.

شيخ الأزهر: الإفتاء قاصر على حدود مصر

وبعد أن تنصَّل شيخ الأزهر من الفتوى التي حرمت التعامل مع مجلس الحكم العراقي الذي اعتبرته الفتوى غير مشروع، قال إنه ليس من حق لجنة الفتوى الإفتاء بأمور سياسية أو بشؤون دول أخرى، وبرر هذا الرأي بقوله إن الإفتاء من اللجنة يكون قاصرًا على حدود مصر، وإنه ليس من حق أي عالم مصري أن يتحدث في شأن أي دولة، وأنه وهو شيخ الأزهر لو عرضت عليه مثل هذه الفتوى لأحالها لعلماء العراق.

وأضاف: «إنني شيخ الأزهر لمصر ولا يصح أن أزايد على شيوخ العراق وأصدر فتاوى خاصة بهم، ومن الأولى للعلماء العراقيين أن يقولوا رأيهم في هذا الشأن فهم أدرى وأعلم بأمورهم منَّا»!.

ومع أن شيخ الأزهر قال إن السفير الأمريكي لم يتطرق للفتوى المثيرة للجدل، فقد لوحظ أن السفير ديفيد ووالش عبر - في تصريحات عقب اللقاء -عن استغرابه لصدور هذه الفتوى في هذا الوقت، وزعم أنها تضر بمصلحة العراقيين الذين قال إنهم يحتاجون إلى الدعم من الجميع، وشدد على أن واشنطن تعتبر مجلس الحكم جهة شرعية وعلى الجميع أن يدعموه. وبعد اللقاء اكتفى شيخ الأزهر بأن طالب أمريكا بسرعة نقل السلطة إلى العراقيين كي يديروا شؤونهم بأنفسهم.

القضية بالتالي لا تقف عند حد التدخل في «مواقف» دول ولكن في «الرأي» و«الفكر» و«الفقه» تحت دعاوى جاهزة مثل «العداء للسامية» أو «التحريض على العنف» أو «الإرهاب»، وإذا كانت هناك أطراف عربية قد استجابت اليوم للضغوط الأمريكية بإلغاء فتوى، فهل ستكون مستعدة غدًا للقبول بضغوط أكثر على مسائل من صميم سلطتها؟

وإلى أين تستمر التنازلات؟.

الرابط المختصر :