; واصل السير | مجلة المجتمع

العنوان واصل السير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993

مشاهدات 36

نشر في العدد 1032

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 05-يناير-1993

واصل السير

الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله.. أبدًا، وصلاة وسلامًا على محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سرمدًا.

السلام عليكم ورحمة الله.

حييت يا فتى الدعوة بالبشر والمسرات، وهُنِّئت باليمن والبركات، ووفقت إلى كل خير، ورزقت السؤدد والنصر.

لا يعرف قدر تهانينا هذه لك إلا من اعتصر الفوز، وسابق المجد في تلك الأيام السالفة، فأعطى من جهده ووقته ما أغلاه على غيره، وأنت نعرفك قد عُجنت همة، وأُشربت المجد حتى لا نكاد نعرفك إلا به:

المجد صاحبك الذي حالفته***أبدًا فروضته المريعة مرتعك

فإذا رحلت سريت تحت ظلاله***وإذا ربعت ففي ذراه مربعك

كيف لا وقد أقام في قلبك الإيمان، وسكن بدنك الإسلام، وزان خلقك دماثة، وركض بك في سبيل الله جهاد، ومع كل ما أتاك الله من فخار وقوة، فأنت في رحاب الآية خاشع: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص:24).

فأنت ما زلت في مضمارك تسابق إلى ربك، ضعفكَ ظاهر، وفقرك غامر، ولا يغرك ما أنت فيه من سبق وخير، فما زال شرع الله محجوبًا، والفجور على خسته مطلوبًا، والمحارب غالبًا، والمسلم ذليلًا هائبًا، ودولة الإسلام لا زالت غائبة.

فأمة الإسلام تدعوك ويستحثك ذلها للكفر نحو الفداء والمثابرة؛ حتى يكون شرع الله الحاكم، ودولة الإسلام هي الغالبة، وما حبانا الله- تعالى- شأنه من تقدم في ناحية من النواحي ما هو إلا عهد جديد مع الله للاستمرارية والعطاء الفياض، فلا تسكن أبدًا، فالسكون آخر الموت، وحبك لمولاك- عز وجل- يدعوك لخدمته، وأن تعطي براهين لحبك له.

نعم سرى طيف من أهوى فأرقني***والحب يعترض اللذات بالألم

 

أخوك في حاجتك.

قال- صلى الله عليه وسلم-: «والله في عون المرء ما كان المرء في عون أخيه» رواه الإمام أحمد، فأخوك الذي حمل أمانة عضوية مجلس الأمة ما زال محتاجًا إليك، فلا يذهب بك بعيدًا أنه قد استغنى عنك، فأنت نصيره بعد الله- جل شأنه-:

  • في نصحك له وإمداده بالرأي والاقتراح والتوجيه، واطلاعه على ما غاب عنه وإعلامه بما خفي عليه من أحداث وحقائق، وما يتحدث في المجالس عنه.
  • وزيارتك له وإيناسه في محفله لها أكبر الأثر في نفسه، وإزالة الوحشة عن خاطره، وإبراز الثقة في شخصه، واقترابك منه يعطيه الفرصة للاستعانة بك وطلب حاجته منك.

وإحاطتك بالأمور الخاصة بمواقف إخوانك في مجلس الأمة يملأ نفسك ثقة بهم، ويعطيك قوة المبادرة في الذب عنهم إذا انتقصوا.

فهذا الأخ العضو ما هو إلا فرد لا يستطيع القيام بهذه المسؤولية الضخمة إلا بعون من الله، ثم مساعدة من إخوانه، فيؤازرونه ويشدون من عضده ويدفعونه إلى الخير والنجاح.

وما المرء إلا بإخوانه***كما تقبض الكف بالمعصم

ولا خير في الكف مقطوعة***ولا خير في الساعد الأجذم

خالط الناس

ومن بعض توجيهاته- صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم»، رواه الإمام أحمد، والذي يقول لك: إن الجلوس إلى الناس ومخالطتهم ليس يعبأ به فما صدقك!!

ولكن نستن بسنته- صلى الله عليه وسلم-: فقد كان يعلم أهل الصفة وهم من فقراء الصحابة، ويستمع لنجوى امرأة تشتكي زوجها، وينقاد لأمة سوداء تذهب به إلى ناحية فينصت لمقالها، ويحضر عنده الأعراب فيمنحهم من رعايته مع ما يجده من غلظتهم، و يُومِضُ سنا حلمه فيداريهم.

فباشر جيرانك، وصل رحمك، وتودد إلى أصدقائك، ولازم أهل حيك، وصادق أهل مسجدك، وزر مجالس منطقتك، وقلل من غلواء خصمك، وضيق خلاف مخالفك، وكثر من معارفك، وحيد أعداءك.

كل ذلك ممارسات تجعل لك قيمة عظيمة في نفوسهم تأتي بالثقة في شخصك والاقتناع برأيك، واعلم أن للأمور سياسة يخطو بها الفتى؛ لينال ما حواه صدره من آمال السؤدد، واسمع إلى عبد الله بن مروان كيف نال الملك بخصال من المخالطة لا يلتفت إليها إلا قليل، فإنه كان له مجلس فتكلم فيه، فأعجب أحد الحاضرين منطقه، فلما خلا به أثنى الرجل على عبد الملك، فقال له عبد الملك: إنك إن تعش قليلًا فسترى العيون طامحة إليّ، والأعناق قاصدة نحوي، فلا عليك أن تعمل إليّ ركابك!

فلما تولى الملك الخلافة قصده الرجل: فقال عبد الملك: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قال الرجل: نعم، فقال له عبد الملك، والله ما هو بميراث ادعيناه، ولا أثر ورثناه، ولكني أخبرك عن نفسي خصالًا سمت بها إلى الموضع الذي ترى: ما لاحيت ذا ود ولا قرابة قط، ولا شمِتُ بمصيبة عدو قط، ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي، ولا قصدت كبيرة من محارم الله متلذذًا بها وواثبًا عليها، وكنت من قريش في بيتها، ومن بيتها في وسطه، فكنت آمل أن يرفع الله مني وقد فعل.

انظر كيف صانت نفسه على الصغائر، فارتقت إلى المعالي، فمعاشرة الناس تحتاج إلى المداراة، وترك الجدل والمخاصمة، مع الحرص على من يودنا لصداقة أو قرابة، ولا نشمت بعورات مخالفينا، فنسقط في وحل الفشل ومحق الرب- عز وجل- لأعمالنا، ونحرص على الاستماع، وتوقير الناس باحترام آرائهم واقتراحاتهم، والتجافي عن ما نهى الشارع الكريم، والصعود بالهمة إلى مراتب المروءة والبطولة، والحرص على أهل الفضل وأهل الشرف من الناس، فإن فضلهم وشرفهم يدعوانك إلى السمو والقيام بحق نفسك من تثقيف، وضبط لمشاعرك وانفعالاتك مع ما تجده عندهم من قوة النصرة وإحاطة بالأمور.

كل هذا حتى يستقيم الأمر، ونصل إلى التمكين والغلبة، وما النصر إلا من عند الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه اعتمادنا، وإليه مآلنا، وعنده رغائبنا، وفيه رجاؤنا وهو البر الرحيم.

والحمد لله رب العالمين.





 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 363

79

الثلاثاء 16-أغسطس-1977

من شذرات القلم (363)

نشر في العدد 352

127

الثلاثاء 31-مايو-1977

مفهوم العبادة في الإسلام

نشر في العدد 1307

75

الثلاثاء 07-يوليو-1998

المجتمع الأسري :العدد 1307