العنوان وتعطلت لغة الكلام
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1363
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 17-أغسطس-1999
بقلم: د. فتحي يكن[1]
كنت في زيارة بلد إسلامي مشهود له بالخير في التاريخ القديم والحديث؛ حيث كان حصنًا من حصون الإسلام، ومنارة من منارات الانبعاث الإسلامي المعاصر، وهو مبارك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة وصلت إلى هذا البلد يوم الجمعة، فتوجهت إلى المسجد لأداء الفريضة بصحبة بقية باقية ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
المسجد كان يغص بالمصلين على رحابته وسعته، إنما ملامح الوجوه كانت مخيمة على الجميع.
ارتقى خطيب المسجد المنبر بخطى متثاقلة متثائبة، ليطل على الناس بموضوع هوا أبعد ما يكون عن قصة أصحاب الأخدود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد.
تكلم الخطيب عن لغة العيون، وأبلغ ما في العيون دموعها ولكن أي دموع وأي بكاء؟
لم يكن الكلام عن دموع الأرامل والأيامي والأيتام والثكالى، بل لم يكن الحديث عن بكاء آلاف القابعين بلا ذنب في الأقبية والأخاديد، إلا أن يقولوا ربنا الله.
استدار الخطيب حول الموضوع، معطلًا لغة الكلام عن مأساة الإسلام ودمائها ودموعها في ذلك البلد، مكتفيًا بالكلام عن العيون الدامعة من خشية الله مع عظم شأنها.
لم يكن بمقدور «الخطيب» أن يتناول لغات العيون كلها، فأثر الكلام عن لغة واحدة منها!!
أو ليست كلها عيون؟ سواء تلك التي بكت من خشية الله، أو تلك التي ظلمت ابتغاء وجه الله، أو الأخرى التي باتت تحرس في سبيل الله؟؟
ولكن ما أجمل أن تعيش العيون حريتها فتبكي حزنًا وتبكي فرحًا، تبكي توبة وتبكي خشوعًا، ترسل نورًا وتقدح شررًا ونارًا إذا ما انتهكت حرمات الإسلام.
- تكلم الخطيب عن العيون الجافة التي لا تدمع، والتي استعاذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ورد عنه: «استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يستجاب له».
- وتكلم عن العيون الهطالة بالدمع من خشية الله على نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. (المائدة: 83) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث يقول: «اللهم ارزقني عينين هطالتين، تشفيان القلب بظروف الدمع من خشيتك، قبل أن تصير الدموع دمًا». رواه الطبراني
- وتكلم عن بكاء الذين يتمنون الإنفاق في سبيل الله ثم لا يجدوه على نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ (التوبة: 92).
- وتكلم عن دموع سالت من العين خوفًا ووجلًا من الله تعالى، على نحو ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع، وإن كان مثل رأس الذباب من خشية الله، ثم تصيب شيئًا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار» رواه ابن ماجه
وأنشد الخطيب أبياتًا من بردة الإمام البوصيري كان منها:
واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت *** من المحارم والزم حمية القدم
وخالف النفس والشيطان واعصهما *** وإن هما محضاك النصح فاتهم
- وتكلم عن العيون الباكية في الدنيا الضاحكة يوم القيامة، على نحو ما جاء في الحديث القدسي «وعزتي وجلالي وارتقائي فوق عرشي لا تبكي عين عبد في الدنيا من مخافتي، إلا أكثرت ضحكها في الجنة» كذا (الترغيب والترهيب ٥/١٩٤).
- وتكلم عن دموع الصالحين الخاشعين الراكعين الساجدين على نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. (الإسراء: 109) أو على نحو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» رواه مسلم.
- وتحاشى الخطيب الكلام عن أحب الدموع إلى الله على نحو ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله» رواه الترمذي.
- ولم يتطرق للكلام عن عيون حرمت على النار على نحو ما جاء في صلى الله عليه وسلم: «حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله». رواه أحمد، وفي رواية أخرى «لا يلج النار من بكى من خشية الله ولا يدخل الجنة مصر على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم» «كذا الترغيب والترهيب ٥/١٩٠»، وقال صلى الله عليه وسلم: «ولا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم» رواه الترمذي.
قلت في نفسي متحسرًا: وهل بلغ بالمسلمين في هذا البلد أن علماءهم لا يقدرون على الكلام حتى عن دور العيون ولغاتها المتعددة؟
أو لا يعني هذا كذلك تعطل دور الألسن أيضًا؟
وهل ضاقت الدنيا على ورثة الأنبياء إلى درجة أن مأقيهم وأفواههم باتت رهن الاعتقال؟
فلا حول ولا قوة إلا بالله.
[1] كاتب لبناني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل