; مذكرات رضا نور.. مصطفى كمال لا يريد الحرب | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور.. مصطفى كمال لا يريد الحرب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1982

مشاهدات 68

نشر في العدد 555

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 05-يناير-1982

مجلس الوزراء لعبة في يديه

لم يكن مصطفى كمال مع الحرب، كان يقول: «الجيش هناك ضعيف، وهذا العمل لا يتم بقوة مكونة من أربعة آلاف شخص وعندما أصررنا على الحرب قال لنا مصطفى كمال: «فلنسأل قرابكير» وسأله، فكان جوابه: «أني أستطيع أن أنجح في هذا الأمر». كنت أحب هذا الرجل غيابيا أي «قرابكير» وزاد من حبي له إجابته بهذا الشكل على مصطفى كمال، خاصة أنه قالها بشجاعة وبطولة، آه لو كان مصطفى أدرج رد هذا القائد في خطابه.. ومع ذلك فإن مصطفى كمال لا يريد الحرب، قررنا نحن توجيه الأمر لقرابكير بالهجوم مضى أسبوع وعشرة أيام ولا يوجد شيء! فسألنا مصطفى كمال، فوجدنا أنه لم يبلغ القائد بالأمر، وقال لنا هذا دون ضِيق. 

هذا الرجل لا يعترف بالحكومة، ويتحدث بأشياء غير مقنعة، وفي نهاية الجلسة انتحيت بمصطفى كمال جانبًا وقلت له: «لماذا لم تبلغ القائد بالأمر» قال لي: «يا حبيبي إن قرابكير شيء مخبول إنه حمار كما أنه ليس بالمقدرة التي يستطيع بها تنفيذ هذا العمل الهام».

كان مصطفى كمال يلعب بمجلس الوزراء وكأنه لعبة في يديه إنه لا ينفذ أمر الحكومة، وعدم التنفيذ أمر غير مشروع،وأخيرا ظللنا نحاول معه كثيرًا حتى جعلناه يصدر أمر الحرب، ولكن كان قد مضى شهر على ذلك، مع أن الموقف لا يسمح بالتفريط في الوقت، وقام قرابكير بإعداد جيش وقوة مدنية معاونة له، وقد بلغ مجموع كل هذا ستة آلاف شخص هجم بهم من منطقة صاري قاميش وهزم الأرمن في الحرب التي دارت هناك، وهرب الأرمن واحتموا بالتحكيمات العسكرية في قارص، لكن الأمر انتهى بالاستيلاء على قارص.

لم يذكر مصطفى كمال كل هذا خوفا من مدح قرابكير، لقد أجبر قرابكير الأرمن على توقيع معاهدة مجحفة بهم وأجبرهم على توقيعها وهي باسم «معاهدة كومرو» ألكساندرابول، وبهذا الفضل تخلصنا من حمل ثقيل أثقل ظهورنا فتنفسنا الصعداء. وكانت هذه المعاهدة ثقيلة جدا على الأرمن وتم تجريدهم من السلاح.

أنباء عن خلافي مع مصطفى كمال

كانت صحف إسطنبول وأزمير في هذه الأثناء تتحدث عني: «خلاف بین رضا نور ومصطفى كمال».. رضا نور سيهرب وسيُقضَى عليه إلى آخر هذا من الأخبار لا أدري السبب في هذا إلا أني علمت به بعد ذلك.

عندما وصلت زوجتي إلى إسطنبول

جاءها إسماعيل حقي نائب أماسيا وسأل عنِّي.. فقالت له: ليس في أنقرة مكان يمكن العيش فيه، زهق وهو يشكو من مصطفى كمال «استولى اليونانيون بسهولة على كل من الدرنة وتركيا الشرقية، وليس لديَّ معلومات كافية عن هذا».

عدم الجمع بين العسكرية والسياسة

يقول مصطفى كمال في مكان من خطابه ما يلي: «ينبغي على العسكريين أن يكونوا

 بعيدين عن تأثير الملاحظات السياسية، يجب عدم نسيان أنهم مكلفون بوظائف أخرى غير التفكير فيما توجبه السياسة» ص (۳۰۷) وهذا كله صحيح، هذه قاعدة مهمة وأساسية، إلا أنه هو نفسه يقع دائما في هذا الخطأ.. إنه لم يكتب هذا إلا مدفوعا بغاية واحدة فقط وهي: سحق وتحقير وتصغير رفاقه.

مصطفى كمال اعترض بشدة في هذه الصفحات على الجمع بين العسكرية والسياسة، إلا أنه عَيَّن في نفس الوقت كل قواده، نوَّابًا في مجلس الأمة، وبذلك جعل الجيش لعبة في يده، واستفاد من ذلك كثيرا في الدورة الأولى، نعم. كانت استثنائية؛ أيمكن هذا؟!! لكنه عمل نفس العمل في الدورة الثانية.

العسكريون دائما متكبرون، والمدنيون الذين يعملون معهم أقل من الكلاب، أول أعمال العسكرية التحكم والديكتاتورية، ولهذا السبب فإن كل العالم يقف ضد الحكم العسكري،

الزج بالجيش في السياسة، أكبر خطر، والأمثلة على هذا في التاريخ كثيرة، وعندنا كثيرة، الجيش يشبه النار والحديد المصهور ولا بد من الخوف من مجرد مسهما، العسكريون يستخدمونك اليوم آلة لهم ثم يقتلونك غدا يعني أنهم قنبلة تنفجر في يد السياسة والحاصل أن الجيش كان ينفجر في يد مصطفى كمال، ثم أراد إخراج القُواد من عضوية المجلس بعد ذلك، ونجح في هذا إلا أن قرابكير وعلي فؤاد وجعفر طيار ورشدي ورأفت باشا ظلوا أعضاء في المجلس لكنهم أبعدوا عن الجيش.

وزير الداخلية يقول لي إن مصطفى كمال جاسوس

بدأت في المجلس في الأشهر الأولى حركة ضد مصطفى كمال، لكنها قويت في هذه الأثناء، تم تعيين النائب البرلماني ناظم وزيرا للداخلية، وبعد أن عينوا ناظما في هذا المنصب أوجدوا أكثرية معارضة لشخص مصطفى كمال في المجلس، قابلت هذا الرجل «أي ناظما » لم أقتنع به، وجدته يُروج للاشتراكية، أعطاني إحساسا بأنه رجل مشوش، لا أدري عنه شيئا قال لي إن مصطفى كمال جاسوس، إن تصديقي لهذا الأمر صعب، قام مصطفى كمال بطرد ناظم هذا من مجلس الأمة ثم قدمه لمحكمةالاستقلال، والذي أتذكره أن ناظما بريء، بعد ذلك فقامت المعارضة في المجلس بتعيين نائب منطقة  فوجه وهو سري، وزيرا، فطرده مصطفى كمال أيضا، وكان سرى هذا تافه عديم القيمة. 

كان مجلس الأمة هو الذي ينتخب الوزراء.

رأى مصطفى كمال أن استبداده الشخصي في خطر فعدل هذه المادة بأن جعل انتخاب المجلس للوزراء، يتم بعد أن يرشح عدة أشخاص يختار المجلس منهم واحدا، وبذلك جرد المعارضة من حق الانتخاب.

مصطفى كمال يتخلص من علي فؤاد أحد قادته البارزين

نحن في أنقرة حياتنا في غاية الضيق، في أنقرة لا يوجد مطعم ولا حتى جبن وخبز. وكثيرا ما ظللنا جياعًا.

ومصطفى كمال لم يستطع أن يهضم الشهرة التي أحرزها أدهم الشركسي ودبت فيه المخاوف، وبدأ يتصور أدهما خطرا محدقا به، ففكر في طريقة يُجهِز بها عليه، كان مقتنعا بأن هناك انسجام بين علي فؤاد وأدهم، وكانت قوات كل من علي فؤاد قائد الجبهة وأدهم هي القوة الوحيدة الفريدة في ذلك الوقت كانوا حوالي عشرة آلاف، وبدأ صاحبنا في الخوف من هذا، كان مضطربا، سألت فوزي باشا ذات يوم عن هذا الموضوع فزلَّ لسانه بجملة قالها لي وهي: «علي فؤاد وأدهم سيهجمان على أنقرة» ثم أضاف قائلا: «أقمنا كل الترتيبات اللازمة، ونحن مستعدون لملاقاتهم»..

والحقيقة أني علمت بعد ذلك أن ترتيبات عسكرية اتخذت، فالخنادق قد حفرت والمدافع قد وضعت.

طلب على فؤاد القوات الموجودة بأنقرة لتدعيمه على الجبهة، لم يوافق مصطفى كمال بحجة أنها قوات للحفاظ على أنقرة، وكان قصده الحقيقي الحفاظ بها على نفسه وشخصه، ومحتمل أن يكون تفكيره قد اتجه إلى أن علي فؤاد إذا انهزم فسيسقط في نظر الجنود والناس، وتضيع هيبته ومصطفى كمال كائن يمكن أن يفعل هذا ويفكر فيه، فالوطن عنده في المرتبة الثانية، فاذا كانت سعادة الوطن ستضمن له منصبه فأهلا وسهلا.. وإذا لم تكن كذلك فسيعمل ضدها فورا دون تردد. 

انهزم على فؤاد وكانت خسائره كثيرة، وظل هو وأركان حربه صفوت معا في مكان بعيد ولم يستطع أحد من العسكر التخابر معه ولاهو استطاع ذلك مع أحد ولم يستطيع الهرب إلا بصعوبة.

ولم يذكر مصطفى كمال هذا في خطابه، وإنما مرره- على العادة- بالكذب كل شيء يهتز مرة أخرى، الخوف من وقوع تصادم بين على فؤاد ومصطفى كمال، لعل الله ينقذنا من هذا الأمر بسرعة أريد من أعماقي انتصار علي فؤاد، لكن الذي بجوار علي فؤاد مَن؟! أنه أدهم الجاهل قاطع الطريق بالإضافة إلى أنه ليس تركيا.

وصاحبنا فنان في تدبير المؤامرات، أما علي فؤاد فطفل سليم النوايا بحق، وسرعان ما أرضى مصطفى كمال، علينا، ثم دعاه من الجبهة إلى أنقرة من أجل التباحث في مسألة عسكرية هامة، وجاء هو بقدميه إلى مصيره وصل علي فؤاد أنقرة، فعزله مصطفى كمال وأرسله سفيرا إلى موسكو وعين بدله في القيادة عصمت، المعروف أن السفارات من أصول النفي والتبعيد، ويحدث هذا في كل أمة في التاريخ منذ القدم، وبهذه الصورة تم التخلص من علي فؤاد.

طبق مصطفى كمال هذه القاعدة عليَّ أنا ثلاث مرات أو أربعة فعل هذا معي، ومع كل من نجاتي وجلال عارف وهو يرى أن إرسال شخص سفيرا هو بمثابة وضعه في تابوت وإرساله إلى القبر.. ذلك لأنه يقوم بعد ذلك بعزله عزل جامي أرسل جلال عارف ثم عزله والدور عليّ أنا، على كل حال فإن علي فؤاد قد أصبح رقما، واقترح مصطفى كمال على علي فؤاد أن يصحب معه أدهم الشركسي إلا أن أدهم لم يستسغ هذا.

عين مصطفى كمال (عصمت) الذي يأمن جانبه، قائدا على الجبهة، كما ترك له بعد ذلك رئاسة أركان الحرب، ولم يكن هذا شيئا عاديا، لكنه عمله، كان هؤلاء الناس يقتسمون فيما بينهم عدة وظائف ومهام ومناصب: مصطفى كمال وعصمت وفوزي شأن كل واحد منهم يقوم بأعمال ثلاثة أو أربعة وظائف ومناصب هامة في وقت واحد.

الرابط المختصر :