الثلاثاء 15-ديسمبر-1981
يكذب على قادة الجبهة
أحدث سقوط بورصة في يد اليونانيين تأثيرا سيئًا في مجلس الأمة، وفكر كثير من النواب في إصدار أحكام بإعدام حاجين والي بورصة، والأمير آلاي بكير سامي، بحجة أنهما لم يتخذا الوسائل الكافية للدفاع، ولم يكن هذا صحيحًا، ولكنه كان إنفعالًا حسيًّا صرفًا أمام النكبة، والحقيقة أَنْ لم يكن أمامها أي حل آخر غير الهزيمة، على كل حال انتهى هذا الإنفعال، وللحق أقول: إن مصطفى كمال قد بذل جهدًا كبيرًا لإغلاق هذا الموضوع.
قبل الاعتداء اليوناني الأخير، وقد أحس القواد بقرب الهجوم اليوناني النهائي، فطلبوا قوات إمداد ونجدة، وطلبوا ذخيرة وسلاحًا، كانوا يتوسلون في هذا، وكان مصطفى كمال يكذب على القواد، ويقول لهم: «أرسلت لكم ما تطلبون، وإني أعد العدة للإرسال»، والحقيقة أنه لم يرسل لهم شيئًا قط، والواقع أنه لم يكن لديه أي شيء يرسله.
وكانت القوات الموجودة في صالحي، قد أرسلت نجاتي «وزير المعارف فيما بعد» إلى أنقرة للحصول على إمداد وذخائر، كنت مع أركان الحرب في مدرسة الزراعة عندما جاء هو إلى هناك، وأوضح مطالبه باسم الجبهة، فألقى عليه مصطفى كمال خطبة، قال فيها: إن اليونانيين قد انهزموا وعادوا إلى أزمير.
إلى هذا الحد يكذب مصطفى كمال! أمسكت نفسي بصعوبة من انطلاق القهقهات مني على هذا الكذب العجيب، كنت سأقول له: «لا يكون الكذب بهذا الحد».
وجدت أن نجاتي لم يهضم كلام مصطفى كمال، بل وأمسك بتلابيب بعض أكاذيب مصطفى كمال، وإذا بهذا يغضب ويهتاج، وقام من فوره، ورسم خريطة للجبهة على خشبة سوداء، وأشار إلى القوات المتوهمة، ووضع في مكان على الخريطة- رسما للمدافع- ثم قال: «إنني سأنهي هذا الموضوع بهذا الشكل»، فقال نجاتي: «ولكن لا يوجد في هذا المكان مدافع!»، وعقب قوله هذا انفجر فيه مصطفى كمال يقول: «أأنت عسكري؟! ماذا تفهم أنت حتى تقول هذا؟ هيا اذهب من هنا، وقل لهم في الجبهة أنني عملت اللازم».
شركسي يصبح بطلًا قوميًّا تركيا
كان الجميع يقدرون أدهم الشركسي نتيجة للخدمات التي أداها للحركة الوطنية في كل من دوزجه وبولو، استقبله مجلس الأمة بالتصفيق، وعلى ما أذكر أن المجلس وجه إليه رسميًّا لقب «البطل القومي»، شركسي يصبح بطلًا قوميًّا!! بالإضافة إلى هذا فإنه قاطع طريق.
يرقب مصطفى كمال بدقة واهتمام اتساع نفوذ أدهم الشركسي، وكان يتصور أنه مصدر خطر على مركزه ونفوذه، وكان يخاف من هذا، وبالتالي أصدر مصطفى كمال بسرعة أمرًا بإلغاء الجيش الأخضر، وبدأ يعمل على هدم نفوذ أدهم.
وعندما استقبل مجلس الأمة أدهم بهذا الشكل الحماسي، جن جنون مصطفى كمال، ولم يستطع تحمل منح المجلس لأدهم هذا اللقب.
بعد حصول أدهم على لقب البطل القومي، توجه إلى يوزغاد لقمع ثورة الأهالي ضدنا، ونجح في هذا، ثم أوضح أدهم من هناك أن ثورة الأهالي علينا كانت نتيجة لرحلة قام بها والي أنقرة يحي غالب، وطلب من الحكومة إرسال يحيغالب إلى يوزغاد «يعني إليه».
ارتعد يحي غالب؛ ذلك لأنه يعرف أن أدهم لا يعرف إلا الجدية دائمًا، أدهم يشنق فورًا، إلا أن مصطفى كمال رفض تسليميحي لأدهم، رأى مصطفى كمال أن تسليم رجل من أتباعه المقربين المطيعين له لأدهم من شأنه الاعتراف بنفوذ أدهم على أنقرة، وفي هذا ضربة مدهشة لنفوذه، وقبوله بنفوذ آخر عليه.
وسعت هذه الحادثة من شقة الخلاف بين مصطفى كمال وأدهم، وأصبح كل منهما يتحدث ضد الآخر علنًا بالشتائم والسباب، إتجه أدهم من يوزغاد إلى اسكيشهر، وأصدر من هناك جريدة باسم «العالم الحديث»، وفيها كان يدعو للشيوعية، كما كان يهاجم فيها مصطفى كمال بصورة مغلقة غير علنية.
وبسبب من مرضه جاء أدهم إلى أنقرة، وكان معه شخص يدعى كاظم الكريدلي «وقد أصبح فيما بعد وزيرا للمعارف»، وكان كاظم بمثابة أركان حرب أدهم، أراد أدهم في هذه المرة أن يتعرف بي، قلت: «فليتفضل»، جاء أدهم والتقينا، وكنت أحترم أدهم بسبب خدماته العظيمة التي قام بها في أخطر أيام المحنة التي مررنا بها، اهتممت به كثيرًا. أخذت أطريه حتى أعرف رأيه في مصطفى كمال، إلا أنه لم ينطلق في الحديث، ولكن كان واضحًا أنه ضده.
الأمر الذي خفي عليَّ أنا هو أن مصطفى كمال قال لأدهم: «اذهب لرضا نور، وهدده، وأجبره على الاستقالة من وزارة المعارف»، معنى هذا أن دوري قد جاء بعد كل من جامي وجلال عارف، حاول إسقاطي، ووجه لي استيضاحا في المجلس، ولم يستطع إسقاطي، وما لم يستطعه دستوريًّا يريده الآن بالتهديد.
سمعت بهذا الأمر بعد مرور سنوات عديدة عليه، سمعته من سامي الصيدلي الذي كان ضابطًا مع أدهم.
لا بد من التحدث بصراحة عن كل شيء، أزهق أدهم كثيرًا من الأرواح، هذا صحيح، لكنه كان عاملًا من العوامل التي أكسبتنا الحرب الوطنية، ولو لم يلتحق أدهم بعد ذلك بالجيش اليوناني، لكان هذا جيدًا؛ لأنه انتهى عندما التحق بالعدو، لكن الذي دفعه إلى هذه العاقبة هو مصطفى كمال، أوصله إلى الدرجة التي ألقى بها بنفسه إلى اليونانيين، أما الدافع والمحرك له فقد كان عصمت.
مؤامرة للإطاحة بمصطفى كمال
في أغسطس ١٣٣٦ جاءني كل من جلال عارف وحسين عوني، وهما من جيراني وأودعا عندي السر الآتي: «إن العمل مع مصطفى كمال لن ينفع، هذا الرجل سيأتي بالنكبات على رأس أمتنا، لابد من الإطاحة به من الآن، سنذهب كلانا إلى أرضروم لإثارة الشعب ضده ونسقطه»، قلت لهما: صحيح قولكما، لكن المسألة دقيقة، يجب القيام بهذا الأمر دون إحداث فتنة في البلاد، ودون ترك إمكانية له للاعتداء أو المقاومة، خاصة أن أمورنا الداخلية ضعيفة، وهذا من شأنه تقوية العدو، وستنتهي القضية القومية، اذهبا وتفاهما مع قرابكير، إذا وافق فالقواد في يده وتحت إمرته سيطلبون من كل مكان إسقاط مصطفى كمال، في هذه الحالة سنقول نحن هنا: «وما الحيلة؟! اعتزل، إن بهذا فقط يمكن، أما إذا لم يرغب قرابكير في هذا، فلا تحاولا شيئًا».
أنا لا أريد مصطفى كمال بأي شكل من الأشكال، فقد شاهدت روح هذا الرجل الخبيثة، وطباعه، وطمعه، واقتنعت بأن هذا الرجل سيجبر الأمة على أن تئن أنينًا موجعًا، إلا أننا في أزمة لا وقت فيها لأن يعمل أحدنا ضد الآخر، إن شيئًا كهذا عظيم الخطر، إن أهم شيء هو ضرورة التكاتف لطرد العدو وتحرير البلاد.
بعضهم يقول بضرورة الثورة على مصطفى كمال أو قتله، وكنت دائمًا أقول لهم: «احذروا! فليس هذا بوقته»، كنت أعمل على اجتياز هذا الموقف ومنعه، وإلا فإني كنت أرى أن إسقاط هذا الرجل فرض.
إن الذين يظهرون في أوقات عصيبة كهذه في حياة الأمم، غالبًا يكونون مستبدين، وعندما كنت أنصح اللذين يحاولان القيام ضده، كانا يقولان لي: «سنئن فيما بعد!»، كنت أقول لهم: «نعم، إنه سيكون بلاءً علينا بعد تحرير الأمة، لكن لتتحرر الأمة أولًا وقبل كل شيء وبعد هذا إذا كان في الإمكان عمل شيء لنعمله، نعمله! وإذا لم يكن في الإمكان شيء فلنتحمل ما نصاب به»، قالا لي: «عند ذلك الوقت سيكون أمره قد استفحل كثيرًا، ولن يستطيع أحد أن يسقطه»، قلت: «نعم، وهذا صحيح، إلا أن الوضع الآن لا يسمح بالفرقة والصراع»، فقال لي هذان الشخصان: «حسنا إذن» ومضيا، ومضى على هذا زمن.
مصطفى كمال يشرب حتى الثمالة في السفارة الروسية
في أنقره موظفون روس يعيشون فيها منذ فترة طويلة، لماذا يقيم معهم علاقات وطيدة ويلتقي بهم كثيرًا؟ ولماذا يوجد معهم دائمًا نساء روسيات؟ يقال: إنه يشرب معهم الخمر في منزلهم حتى الصباح، في هذه الأثناء يأخذ هؤلاء الروس في تلقين مصطفى كمال ما يريدون، ويعملون على كسبه لمقاصدهم، يقدمون إليه هؤلاء النساء، يشربون معه، ويسرقون الوثائق من جيبه.
حدث ذات مرة أن سهر مصطفى كمال في السفارة الروسية، وأخذ يشرب كثيرًا حتى ثمل، ولم يعد يعي بشيء، ومع خيوط الصباح الأولى قام أربعة من موظفي السفارة يحملونه من ساقيه، ووضعوه في سيارته، حيث أخذته إلى بيته، بيت مصطفى كمال في جانقايا، وقد دفع الأهالي دفعًا لكييهدوه هذا القصر، لقد كان يدفع الأهالي كثيرًا إلى أن يهدوه أشياء كثيرة من بضائع ومزرعة ودار، وفي كل مكان، في أنقرة، وفي أزمير، وفي بورصة، وفي آطنة، وفي إستانبول،إنه يريد هذا، ويظهر الأمر وكان الأهالي قد فكروا فيه وأهدوه، إنه يصور الأمر على هذا الشكل، وانتشرت أخبار هذه الهدايا الجبرية في كل مكان.