العنوان وثيقة عمرها ستون عاماً تكشف المؤامرة الصربية على كوسوفا
الكاتب أسماء أبوبكر السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1998
مشاهدات 64
نشر في العدد 1296
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 21-أبريل-1998
■ تقول الوثيقة: الألبان حساسون جدًّا للناحية الدينية لذا يجب مضايقتهم على هذا الجانب، ويمكن تحقيق ذلك بالمعاملة القاسية لرجال دينهم، وتخريب مقابرهم، ومنع تعدد الزوجات، وعدم تطبيق القانون الذي يتيح للفتيات الانتماء للمدارس الابتدائية بسهولة، وذلك في أي مكان كانوا.
يتعرض الألبان في كوسوفا منذ بداية هذا القرن - لخطر الإبادة والتهجير من جانب الصرب بعد أن منحت كوسوفا هدية على طبق من ذهب للصرب عام ۱۹۱۲م وما يجري على ساحة كوسوفا اليوم من ذبح للأبرياء، وتهجير للسكان الأصليين، وحرق للقرى، أمر خطط له الصرب منذ أمد بعيد كما تكشف الوثيقة التي عرضتها حكومة كوسوفا في موقعها على شبكة الإنترنت والتي عثر عليها ضمن وثائق أرشيف الجيش اليوغسلافي السابق تحت تصنيف «سري» وعنوان المرجع الصندوق التاسع والستون - الملف الرابع - الوثيقة الثانية تحت عنوان ترحيل الألبان بتاريخ۷ مارس ۱۹۳۷م.
كاتب الوثيقة: Dr, Vaso Cubri Lovic.
وهو أكاديمي يوغسلافي، مستشار سياسي سابق للنظام الملكي، تخرج في جامعة بلجراد وعمل بها أستاذاً جامعيًا في قسم الفلسفة، بعد الحرب العالمية الثانية - شغل منصب وزير عدة مرات لعدة وزارات وكان عضوًا في أكاديمية العلوم والآداب في صربيا وفي رابطة الشيوعيين في يوغسلافيا، كما تولى منصب مدير معهد دراسات البلقان في بلجراد.
أهمية الوثيقة: تكمن أهمية هذه الوثيقة في أنه بقراءة متمعنة لها، ومراجعة دقيقة لتاريخ الأحداث وتطورها في كوسوفا، نرى أن كثيرًا مما ذكر فيها من أساليب ومراحل - لتهجير وإبادة الألبان وتوطين للصرب قد تم تطبيقه فعلًا، وأن ما يقوم به الصرب الآن لا يخرج عن هذا الإطار، كما تعبر الوثيقة عن مدى الحقد الدفين، والكره الشديد، والمشاعر البغيضة التي تحملها قلوب الصرب تجاه الألبان والأتراك، إذ تؤكد الوثيقة على ضرورة طرد الألبان - كل الألبان - من كوسوفا - بجميع الوسائل الوحشية، لتكون أرضًا صربية خالصة لهم، مع إقرارها في الوقت نفسه بأن كوسوفا ليست أرضًا صربية، وإنما يرغبون في السيطرة عليها المصالح عسكرية واقتصادية، كما توضح الوثيقة أن ما قام به الصرب وما يقومون به من جرائم في حق الألبان، ليست أعمالًا وليدة الأحداث، بل هي سياسة مدروسة، وجرائم منظمة ارتكبت عن تخطيط سابق، وليست مجرد رد فعل على أعمال جيش كوسوفا كما يدعون، وفيما يلي ترجمة لأهم ما ورد في الوثيقة.
أهمية كوسوفا للصرب
تفتتح الوثيقة بالقول إن «مشكلة الألبان في دولتنا لم تظهر بالأمس، إذ إنها لعبت دورًا أساسيًا في حياتنا في القرون الوسطى...» وتحدد أهمية كوسوفا بالنسبة للدولة الصربية: «إن أفضل الأراضي راضي بقيت دائمًا في يد الألبان، وأفضل طريقة لاستيطان هذه المناطق هي انتزاع هذه الأراضي منهم»، وتكمن أهمية كوسوفا بالنسبة للصرب عسكرياً إذ إن الجزء الألباني يحتل أهم منطقة في بلدنا، وهي نقطة البداية التي ينبع منها نهر البلقان ليصب في البحر الأسود وبحر إيجه، إن السيطرة على هذا الجزء يحدد مصير وسط البلقان إلى حد كبير، وبخاصة خط المواصلات الأساسي في البلقان.
ثم تنص الوثيقة على أن سياسة الترحيل الجماعي للألبان هي الأسلوب الوحيد الناجح للتعامل معهم «لا يمكن طرد الألبان عن طريق الاستيطان المرحلي فقط فهم الشعب الوحيد الذي استطاع خلال الألف عام الأخيرة - ليس فقط أن يقاومنا في مدننا المركزية كراز كاوستيا، بل استطاعوا أن يفصلوا حدودنا العرقية من الشمال والجنوب، إن الأسلوب الوحيد للتعامل مع هؤلاء في القوة الوحشية لدولة منظمة، وهي مجال تفوقنا فيه دائما عليهم، وإذا كنا قد فشلنا في نضالنا ضدهم منذ ۱۹۱۲م، فإن علينا أن نلوم أنفسنا إذ لم نستخدم هذه القوة كما ينبغي، وإذا سلمنا بأن السياسة المرحلية لاستبدال الصرب بالألبان غير فعالة فإنه ليس أمامنا غير سياسة الترحيل الجماعي».
ترحيل الألبان إلى تركيا وألبانيا
وتقترح الوثيقة كلا من تركيا والبانيا مستقرًا للألبان المرحلين، ففي تركيا مساحات كبيرة غير مأهولة وغير مزروعة في كردستان وآسيا الصغرى، وتركيا الحديثة لديها مجال واسع لإقامة مستوطنات محلية، وكما علمنا فإن تركيا وافقت على أن تستقبل ۲۰۰ الف مرحل مبدئياً بشرط أن يكونوا كلهم من الألبان، وهو شرط إيجابي لنا وعلينا أن تلبي رغبة تركيا وتوقع معها اتفاقية لإعادة توطين الألبان في أسرع وقت ممكن وبمراجعة أحداث التاريخ نرى فعلًا أنه تم تهجير الآلاف من مسلمي الألبان خلال فترة الخمسينيات إلى تركيا، أي بعد كتابة هذه الوثيقة بما يزيد على عشرة أعوام، أما عن البانيا فتقول الوثيقة «بسكانها المتناثرين، ومستنقعاتها غير المجففة ووديانها غير المزروعة، تعتبر البانيا في موقف يسمح لها باستقبال بضع مئات الآلاف من الألبان في وطننا» ، وعلينا أن نسلك كل الطرق لإقناعتيرانا عاصمة ألبانيا بالموافقة لاستقبال المرحلين واعتقد اننا سنواجه صعوبات في تيرانا، لأن إيطاليا ستقاوم مثل هذا المشروع، ولكن المال يلعب دوراً كبيراً في ذلك علينا أن نعلم الحكومة الألبانية أننا لن نتوقف لأي سبب عن الوصول لحل هذهالمشكلة.
وتقترح الوثيقة «إن الاحتمال الأكبر هو أن يتم إرسال المرحلين إلى تركيا، ولذا علينا أن نمد تركيا بالمساعدة القصوى لترتيب أمور النقل بأسرع ما يمكن»، ويتوقع صاحب الوثيقة «ومما لا شك فيه أن ترحيل الألبان سوف يشكل قلقًا عالميًا حتميًا في مثل هذه الحالات» ولكن من بيده القرار عليه أن يعلم جيداً ما يريد ويصر لتحقيقه، بغض النظر عن أي معوقات عالمية محتملة، وهذا يتجلى في السياسة الصربية الحالية المصرة على ذبح الأبرياء، وعزل القرى، غير أبهة لأي اعتراض عالمي أو محلي.
سياسة تطفيش الألبان
ثم تناقش الوثيقة أسرب تطفيش الألبان من كوسوفا يجب أن يفرض القانون بشكل يجعل إقامة الألبان في كوسوفا غير محتملة وذلك ب «الضرائب السجن ممارسات الشرطة التسلطية والمزاجية كمنع التهريب، وقطع الغابات وتدمير المزارع، وترك الكلاب دون ربط والعمل الإجباري وكل أسلوب يمكن للشرطة أن تحتال له» «ومن الناحية الاقتصادية يجب عدم الاعتراف بالصكوك القديمة لملكية الأراضي، ووجوب دفع مبالغ طائلة وقاسية من الضرائب في حالة تسجيل ملكية أي أرض، والمطالبة بجميع الديون الخاصة والحكومية، ومصادرة المراعي، وإلغاء الامتيازات والمنح وسحب رخص الممارسات المهنية، وطردهم من مكاتب العمل الحكومية والخاصة والشعبية... إلخ، مما يعجل برحيلهم.» «أما من الناحية الصحية: تدمير الأسوار والأشجار المحيطة بالمنازل، واتخاذ جميع الوسائل البيطرية التي تعوق بيع دوابهم «المواشي، الدواجن» في السوق» «أما بالنسبة للناحية الدينية فالألبان حساسون جدا، لذا يجب مضايقتهم على هذا الجانب، ويمكن تحقيق ذلك بالمعاملة القاسية لرجال دينهم، وتخريب مقابرهم، ومنع تعدد الزوجات، وعدم تطبيق القانون الذي يتيح للفتيات الانتماء للمدارس الابتدائية بسهولة، وذلك في أي مكان كانوا»، أما على المستوى الشعبي فيقترح «توزيع الأسلحة على المستوطنين كما هي الحاجة، يجب أن يعاد استخدام الأساليب القديمة وتنظيمها ومساعدتها سريًا» ، أما الأسلوب الأخير الذي تدعو له الوثيقة فهو «حرق قراهم ومدنهم سريًا» وما يرتكب في حق الألبان في كوسوفا من هضم للحريات و حرمان من التعليم والوظائف، وجرائم إنسانية لا يخرج عن إطار سياسة التطفيش المذكورة.
خطوات ترحيل الألبان
أما عن إستراتيجية الطرد الجماعي للألبان وخطواته فتنص الوثيقة على التالي: مبدئيا يجب أن نبدأ بالقرى ثم المدن، وذلك لأن القرى بإيجاز أشد خطرًا من المدن، كما يجب تحاشي ترحيل الفقراء أولًا، إذ إن الطبقة المتوسطة والطبقة الغنية تشكلان العمود الفقري لأي شعب، ولذلك يجب أن تضطهدا وتطردا أولًا، إذ يستسلم الفقراء أسرع بنقص الدعم الاقتصادي المحلي المستقل «ويجب اتخاذ كل وسيلة ممكنة لإخلاء قرى بكاملها أو على الأقل طرد عائلات بأكملها، يجب تحاشي طرد جزء من العائلة وترك آخر إن دولتنا ليست على استعداد لانفاق الملايين لتسهيل حياة الألبان بل لطرد أكبر عدد ممكن منهم».
أما عن دور الناحية المادية في سياسة الترحيل الجماعي: فإن كل المساعدة يجب أن تمنح للألبان فور ما يوافقون ويقررون الرحيل، فيجب تبسيط الإجراءات الإدارية، وتسليمهم تعويضات فورية على ممتلكاتهم واستخراج وثائق السفر لهم بأقل خطوات رسمية، بل وتجب مساعدتهم للوصول الأقرب محطات النقل، أما عن سياسة الاستيطان فيقترح أنه «من الضروري تحاشي الرسميات والروتين الحكومي خلال مرحلة الاستيطان والخطوة الأولى الرئيسية هي تمليك المستوطنين الأراضي التي ستمنح لهم».
مسؤوليات أجهزة الدولة
وقد تم تحديد المهام المنوطة والمسؤوليات الخاصة بكل جهاز من أجهزة الدولة لإنجاح سياسة الترحيل والاستيطان، فبالنسبة للجيش «يجب أن يكون مهتمًا بتوطين المستوطنات على الحدود وبخاصة في المناطق الحساسة، وهو مسؤول إلى حد كبير عن حماية الحدود بمستوطنات قوية» بل يتعدى دور الجيش المقترح إلى أنه «خلال فترة إقامة المستوطنات يجب تشغيل قوى الجيش لأغراض البناء والتعمير»، «وذلك باستدعاء الاحتياطي وتمديد فترة الخدمة العسكرية».
أما عن الجمعيات الأهلية والخاصة «فيمكنها أن تتخذ خطوات ليس من الملائم للحكومة اتخاذها. كما يمكن لجمعيات ونقابات الزراعيين والأطباء والمهندسين المساعدة في حل الكثير من مشاكل الاستيطان»، «وبالاتفاق معها يمكن اتباع أقل الوسائل تكلفة لإزالة الأشجار والري وتجفيف المستنقعات وبناء المنازل».
ومسؤولية الأكاديميين في الجامعات هي تنظيم دراسة علمية حول مشاكل الاستيطان «أما بالنسبة لجهاز الشرطة فسيلعب دورًا مهمًا لذا يجب اختيار أكثرهم طاقة وأمانة لإرسالهم إلى المستوطنات»، أما بالنسبة للناحية الاقتصادية «بدون أدنى شك إن واجب الدولة لضمان الأمن القومي في هذه المناطق بتعميرها بعنصرنا «الصربي» يجب أن يكون ضمن أهدافها الأساسية، ويجب أن تلي كل الالتزامات الحكومية الأخرى هذا الهدف مرتبة وأولوية، إذ يجب توفير المال الكافي لحل هذه القضية».
خاتمة الوثيقة
وتختتم الوثيقة بالاستنتاج التالي: على ضوء ما تم ذكره حول قضية الاستيطان في الجنوب فإنه ليس من الصعب الاستنتاج بأن الأسلوب الوحيد الفعال لحل هذه المشكلة هو الترحيل الجماعي للألبان، إن سياسة الاستيطان المرحلي لم تنجح في بلادنا كما هو الوضع كذلك في بلاد أخرى، عندما ترغب دولة في توسيع أراضيها بالقوة لصالح عنصرها، فإنها تنجح فقط إذا كان أسلوبها وحشيا، وإلا فإن وجود الشعب الأصلي على أرضه، مسقط رأسه، ومكان تأقلمه سيجعله دائمًا وأبدأ أقوى من المستوطن، ويجب تذكر هذا دائماً لأننا في حالتنا نتعامل مع شعب صارم مقاوم كثير النسل، وصف بأنه أكثر شعوب البلقان نموًا سكانيًا.
وهكذا نرى أن هناك مؤامرة تنفذ ضد المسلمين الألبان في أوروبا وليس فقط في كوسوفا خوفاً من أكبر شعب مسلم في أوروبا، بدأت المؤامرة عام ۱۹۱۲م مع انهيار الخلافة العثمانية عندما رسمت الدول الكبرى آنذاك «فرنسا - إنجلترا - بريطانيا - ألمانيا، إيطاليا» حدود دولة ألبانيا المستقلة، فجعلت نصف الشعب الألباني خارج حدود وطنه، ونصف الأراضي الألبانية خارج ألبانيا.
وإن كان الصرب يدعون صربية كوسوفا وقدسيتها عندهم، فذلك لأنهم احتلوها لفترة تقرب من أربعين عامًا (١٣٤٧) - (۱۳۸۸) فقط قبل أن تطردهم الخلافة العثمانية منها (۱۳۸۹) وما عدا ذلك فهي أرض البانية خالصة .