; وجاء دور الروس في «ترسيخ» الكيان الصهيوني.. دراسة علمية عن الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين المحتلة | مجلة المجتمع

العنوان وجاء دور الروس في «ترسيخ» الكيان الصهيوني.. دراسة علمية عن الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين المحتلة

الكاتب أحمد التيجاني صالح

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1973

مشاهدات 3

نشر في العدد 138

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 20-فبراير-1973

السوفييت يمدون الغزاة المحتلين بـ:

  • الدعم المالي.. من أجل الإنماء الاقتصادي!
  • وبالكفاءات الفنية.. من أجل النهضة العلمية!
  • وبفرق من المقاتلين.. للاعتداء علينا مجددًا!
  • وبالزيادة السكانية.. من أجل التوسع!

استرعى انتباهي عنوان التقرير الذي أعده مراسل وكالة رويتر في موسكو المستر رونالد إدموند، حول هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، وقد اختار إدموند عنوانًا لتقريره: «مشكلة اليهود السوفييت»، ونقلت التقرير وكالات الأنباء والصحافة العربية بنصه دون تعليق ونشرته للقراء، مما يوحي للقارئ أن اليهود السوفييت مشكلة فعلًا. والحقيقة أن اليهود السوفييت اليوم سعداء نصف السعادة، وستكتمل سعادتهم بعد أن تتم هجرتهم إلى أرض الميعاد حسب ما يخطط الصهاينة، وذلك لأنه بعد سنوات طويلة من التردد والانتظار قرر المسؤولون السوفييت السماح لليهود الروس بالهجرة.

والحقيقة والواقع: اليهود هم اليهود لأنهم يهود أينما استوطنوا وحيثما هاجروا، وذلك حسب اعتقادهم أنهم يهود، واليهودي لن يتخلى عن عقيدته وفكرته؛ فاليهودية بالنسبة له دين، وفكرة الوطن القومي في فلسطين السليبة أصبحت معتقدًا يعمل له بإخلاص وبكل الجهود وكافة الوسائل.

لقد حصل تحول مفاجئ في موقف المسؤولين السوفييت منذ أغسطس عام 1972 ومطلع هذا العام؛ إذ كانت هناك ضريبة عالية مفروضة على المثقفين اليهود الذين يريدون الهجرة، كما وأن الإجراءات تستغرق وقتًا طويلًا. ولعل السبب الرئيسي في هذا التحول يرجع إلى محاولة السوفييت تحسين صورتهم في نظر الغرب وخاصة أمريكا، والتي تستعد لاستقبال الزعيم الروسي المستر بريجنيف في أبريل القادم، ردًا للزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي نيكسون للاتحاد السوفييتي في ربيع العام الماضي.

اتخذ السوفييت سياستهم الجديدة المتعلقة بالهجرة اليهودية في سرية تامة، وبدأت وزارة الداخلية السوفييتية في تطبيقها دون إعلان واسع، وقد اشتملت السياسة الجديدة على الكثير من التنازلات في إجراءات وشروط الهجرة لليهود السوفييت الذين يقدر عددهم الكلي في الاتحاد السوفييتي بحوالي ثلاثة ملايين. هاجر منهم في عام 1971 حوالي 15,000 خمسة عشر ألفًا، وفي عام 1972 الماضي بلغ عدد المهاجرين 32,000 ثلاثين ألف مهاجر، ويوجد اليوم 100,000 مائة ألف يهودي على أهبة الاستعداد وبانتظار السماح لهم بالهجرة؛ فبينما أعلنت السلطات السوفييتية أنها ستسمح في عام 1973 بعدد يساوي ضعف العدد الذي هاجر في عام 1972، أي حوالي 64,000 يهودي، يصرح مسؤول إسرائيلي وهو أرييه دولتشين - أمين صندوق النقابات الصهيونية -: «أن إسرائيل هذا العام تتوقع 70,000 سبعين ألف مهاجر من الاتحاد السوفييتي»، وقد أوردت هذا التصريح صحيفة النهار اللبنانية بالصفحة السابعة من عددها الصادر صباح الأحد 21 يناير/ كانون الثاني عام 1973.

التنازلات في الإجراءات

وقد تميزت التنازلات في شروط الهجرة وإجراءاتها في أنه لم تعد الخطوة نحو الطلب للإذن بالهجرة تعتبر عملًا غير قانوني، يعرض اليهودي السوفييتي إلى عقوبات قانونية وأخرى غير قانونية، مثل الفصل من العمل، أو التعسف في المعاملة، أو التهديد بالاعتقال والحبس.

كذلك أُلغيت ضريبة التعليم التي سبق أن فرضت على كل المهاجرين اليهود ما عدا المتعلمين تعليمًا تقنيًا وأكاديميًا عاليًا. وأعفي منها نهائيًا الذين بلغوا سن المعاش (55 سنة للسيدات و60 سنة للرجال)، وكل العاجزين عن تأدية أعمال وخدمات نافعة للدولة السوفييتية، بالإضافة إلى غير المستطيعين لدفع الضريبة.

أما ذوو التعليم العالي والمؤهلات العليا ومن الذين لهم خدمة 25 و20 للرجال والسيدات؛ فقد خفضت الضريبة عنهم إلى 25% فقط من الفئات التي سبق أن حددت، وهي تبدأ من 540 جنيهًا إسترلينيًا وتتراوح صعودًا حتى 11,500 أحد عشر ألفًا وخمسمائة جنيه إسترليني. ليس ذلك فحسب، بل هناك جدول تخفيضات يحوي نسبًا مئوية للضريبة المفروضة ليطبق على الذين لهم خدمات تقل عن 20 و25 سنة في الخدمة العامة للدولة السوفييتية.

وقد صرح متحدث سوفيتي رسمي في مطلع هذا الشهر وعقب إعلان السياسة الجديدة لهجرة اليهود السوفييت أن اليهود الذين تلقوا تدريبات عسكرية ويشغلون وظائف ذات طبائع تتعلق بمصالح الدولة لن يُسمح لهم بالهجرة. ولكن في اجتماع لاحق عقده المستر شميلين - نائب وزير الداخلية السوفييتي - مع الجالية اليهودية بموسكو أعلن لهم أن هذين النوعين من اليهود يمكنهم أن يهاجروا إذا ما تحولوا من وظائفهم التي يشغلونها بالجيش أو مرافق أخرى حساسة في أجهزة الدولة إلى أماكن أخرى، وبعد مضي «بعض الوقت». ولما سُئل نائب الوزير عن مدة فترة «بعض الوقت» هذه؛ أجاب بقوله: إنها قد تمتد إلى عشرين سنة. ورغم هذا التصريح الذي يبدو فيه قيد طويل الأجل على اليهود السوفييت المتدربين عسكريًا ويشغلون وظائف فنية في مرافق حساسة بجهاز الدولة السوفييتي؛ فإن الجالية اليهودية في الاتحاد السوفييتي أبدت ارتياحًا كبيرًا لتلك التنازلات، مما زاد حماستهم للهجرة.

دوافع التنازلات:

يبدو أن هناك عددًا من العوامل ساهمت في إيجاد التنازلات الأخيرة في إجراءات السماح لليهود السوفييت بالهجرة من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل؛ وفي مقدمة تلك العوامل أنه أثناء الزيارة التي قام بها الرئيس نيكسون إلى الاتحاد السوفييتي، شملت المحادثات بين الرئيسين موضوع مشكلة الشرق الأوسط، وتطرقت على خفيف لمشكلة اليهود السوفييت وتسهيل هجرتهم، وكانت التنازلات عربونًا على حسن النية ومقدمة لتفاهم وتقارب عند زيارة بريجنيف لأمريكا.

وعامل ثانٍ: أنه عندما زار الدكتور كيسنجر - وهو يهودي ألماني المولد، أمريكي الجنسية، صهيوني الميول - الاتحاد السوفييتي في العام الماضي معبدًا الطريق لقافلة رجال الأعمال الأمريكيين؛ تطرق في مفاوضاته أيضًا لوضع اليهود السوفييت، وربما يكون قد أشار إلى استعداد أمريكا لدفع الضريبة عنهم.

وعامل ثالث: يتمثل في المكاسب التي ستعود على الاتحاد السوفييتي من أكبر اتفاق تجاري تم في العالم بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وهو في هذه الاتفاقية الأكثر احتياجًا، ليس من مصلحته في شيء أن يعرقل موضوع اليهود السوفييت تنفيذ الاتفاق، وبالتالي لا داعي للتشدد في التصريح بالهجرة، بل إن السماح بها وتسهيلها قد يكون عاملًا مغريًا لاجتذاب رؤوس الأموال اليهودية الأمريكية للاستثمار في الاتحاد السوفييتي في ظل الاتفاق التجاري الجديد.

في مفهوم الهجرة:

الهجرة إلى إسرائيل بالنسبة لليهودي النازح لا تعني في مفهومها هجرة بالمعنى اللغوي المتعارف عليه ولا الاصطلاحي المتداول، والذي يعني ترك ديار عزيزة أو وطن غالٍ قسرًا أو جبرًا واضطرارًا إلى غيره من البلاد بهدف الاستراحة المؤقتة أو الاستيطان والإقامة الطويلة حتى الموت؛ إنما تأخذ الهجرة في نظر اليهودي المتجه إلى إسرائيل مفهومًا مغايرًا ومعنى مختلفًا وأبعادًا عميقة. فهي بالنسبة إليه تعني الرجوع إلى الوطن الأم، والعودة إلى الديار المقدسة «!!»، والموت في أرض الميعاد. واليهودي في أي بلد يستقر به مطافه لا ينفي عن نفسه صفة اليهودية طيلة إقامته المؤقتة؛ فهو في أمريكا «يهودي أمريكي»، وفي البرازيل «يهودي برازيلي»، وفي كينيا «يهودي كيني»، ولكنه بسرعة ينزع عن نفسه وصف الوطنية هذه ويلقي بها بعيدًا عندما تسنح له فرصة الرحيل إلى ما يسمونه بالوطن الأم: إسرائيل. ومن هنا كان الحماس للهجرة والاستعداد لها. فاليهودي دائمًا متأهب «ستاند باي»؛ يهرب أمواله ويصفي ممتلكاته، وفجأة تجده سافر في عطلة وبعد أشهر تسمع بخبره في تل أبيب. وبالرغم من المزايا التي يتمتع بها اليهود كأقليات في عدد كبير من دول العالم - وخاصة أمريكا الشمالية والجنوبية والعديد من دول أوروبا الغربية -؛ إلا أنهم تواقون أبدًا للرجوع إلى إسرائيل. وهذا الحماس المتقد والاستعداد المتجدد للهجرة يتغذيان باستمرار من فكرتي الاستيلاء على الشعوب والتفوق العنصري على الأجناس الأخرى من ناحية، ومن ناحية أخرى السيادة على العالم وقيادته من خطامه حضاريًا وتكنولوجيًا. ومن هنا كانت استهانة المثقفين اليهود السوفييت بإجراءات وشروط السماح لهم بالهجرة، وإقلالهم الضريبة المفروضة عليهم واستعدادهم لدفعها. ومن هنا تصبح الهجرة في نظر اليهودي العائد إلى إسرائيل لا تمثل المعنى المتعارف عليه، والذي يستدر العطف على المهاجر، بل هي - مهما كلفت من تضحيات - زهيدة وبسيطة في سبيل الغاية الكبرى والأمل المنشود: الرجوع إلى الوطن الأم حسب زعمهم.

أبعاد الهجرة وآثارها:

كان الاتحاد السوفييتي متعاطفًا ومجاملًا لأقصى درجة تسمح بها أعراف المجاملة والتعاطف في القضايا لعالمنا العربي في فرضه رسوم ضرائب مالية عالية وإجراءات مشددة لهجرة اليهود السوفييت، ولكن المجاملة لها حدود والتشدد له مدى؛ إذ سرعان ما ذابت مواقف التشدد وأطلقت خيوط المجاملة في حمى حرارة لقاء المصالح الاقتصادية الأمريكية السوفييتية وحصلت التنازلات. فإذا بالاتحاد السوفييتي الحريص كل الحرص على أسراره من أن تتسرب ويستفيد منها العدو الأمريكي -يوم أن كانت أمريكا العدو رقم واحد -لم يعد يرى في اليهود السوفييت المهاجرين إلى إسرائيل والذين كانوا يعملون في مرافق حساسة ومراكز وأكاديميات للعلوم والأبحاث ومن لديهم تدريبات عسكرية خطرًا على مصالحه؛ ولذا سمح لهم بالهجرة، ولكنه أيضًا لم يراعِ خطر هذه الفئات المثقفة والمؤهلة عسكريًا وفنيًا وعلميًا على العالم العربي باعتبارهم رصيدًا تكنولوجيًا ضخمًا يُقدم لإسرائيل. فمن ناحية سياسية؛ يرفع العائدون إلى إسرائيل من سمعتها ويوسعون حيثيتها وكيانها الدولي كدولة نامية قامت بحثالة المتسولين، وتكونت من الشحاذة والتسول العالمي وعاشت أقصى مراحل النماء من أجل الصمود والبقاء، وهي تضم خلاصة العقول اليهودية المفكرة والخبرات المدربة من دول العالم المتقدم، وهي بذلك في نظر المواطن الغربي البسيط والمغرض لأجهزة الإعلام والدعاية الصهيونية - أكثر من تعرضه للإعلام العربي - دولة تستحق الاحترام والعطف والزيارة بدلًا من دولة عصابات معتدية غاصبة ينبغي ردعها.

ومن الناحية العسكرية؛ تستقبل إسرائيل مهاجرين من الاتحاد السوفييتي فيهم الذين تلقوا تدريبات عسكرية متقدمة؛ فينخرطون في سلك الجندية الإسرائيلية فيقوى بهم جيشها واستعدادها الحربي، وفيهم الذين عملوا لسنوات طويلة (و25 سنة هي في قاموس تحديد الخبراء تعتبر فترة كافية ليؤهل الخريج الجامعي بعدها لأن يُمنح لقب خبير)؛ فهي إذن تستقبل خبراء يزيد بهم رصيدها البشري وكادرها الفني من ذوي المهارات والخبرات والتخصصات العلمية والعملية المختلفة، الشيء الذي يساعد على تطورها الصناعي والزراعي بمعدلات نمو أسرع مما كانت تنتظر، وبالتالي يقود إلى حصائل ونتاجات أكبر مما كانت تتوقع. ويحضرني في منافسة الخبراء هذه خبر قرأته في إحدى المجلات الغربية أن معهد وايزمان -أحد الاثنين اللذين أسسا دولة الصهاينة للبحوث العلمية في تل أبيب - قد نظم دورة تدريبية لعدد من كبار العلماء والباحثين في العالم الغربي للتعرف على نظام المعهد ومنجزاته في مجال العلوم والأبحاث ولا سيما تحلية المياه، والدولة اليهودية تواجه مشكلة في المياه العذبة.

ومن الناحية الاقتصادية؛ يكون الاتحاد السوفييتي قد قدم لإسرائيل معونة اقتصادية ضخمة تتمثل في الخبرات البشرية، والأيدي العاملة المدربة، وزيادة سكانية قدمها في شكل هبة مجانية، وليست معونة مشروطة أو قروضًا بفوائد بسيطة وطويلة الأجل. خاصة إذا عرفنا أن التعليم بالاتحاد السوفييتي مجاني في كل المراحل، ويؤيد ذلك ما جاء في تقرير مراسل وكالة رويتر بموسكو رونالد إدموند، ونشرته جريدة الاتحاد بأبو ظبي في عددها الصادر صباح الخميس 18 يناير/ كانون الثاني 1973؛ حيث جاء في التقرير: «وأضاف يقول إن كثيرين من الناس في الغرب لم يكونوا يعرفون قبل فرض هذه الضريبة أن التعليم مجاني في الاتحاد السوفييتي».

إن القيمة المالية التي قدمها الاتحاد السوفييتي لإسرائيل في شخص المهاجرين اليهود يمكن تقديرها بعدد المهاجرين في عام 1972 مضروبًا في متوسط الضريبة التي فرضت عليهم. ففي عام 1972 سمح الاتحاد السوفييتي لعدد 32,000 يهودي سوفيتي -جريدة الأوبزرفر اللندنية، عدد السابع من يناير 1973 -بالهجرة، وكانت الضريبة المفروضة على المهاجرين حسب تقسيم السلطات السوفييتية لهم إلى فئات متعلمة تعليمًا عامًا أم جامعيًا أم فوق الجامعي كالأتي، وذلك حسب ما جاء في تقرير رويتر:

 

م

فئة المؤهل

الكمية النقدية للضريبة (بالروبل)

الكمية النقدية للضريبة (بالجنيه الإسترليني)

1

رسوم الحصول على وثائق الهجرة للمثقف العام

900 روبل

540 جنيه إسترليني

2

ضريبة على حامل المؤهل الجامعي

12,000 روبل

6,000 جنيه إسترليني

3

ضريبة على مرشح علوم (تعادل الدكتوراه في الفلسفة)

17,000 روبل

8,500 جنيه إسترليني

4

ضريبة على كل يهودي يحمل دكتوراه في العلوم

23,000 روبل

11,500 جنيه إسترليني

المجموع

4 فئات من المثقفين

52,900 روبل

26,540 جنيه إسترليني

المتوسط

على المهاجر الواحد

13,225 روبل

6,136 جنيه إسترليني

فإذا كان عدد المهاجرين في عام 1972 وصل إلى 32,000 مهاجر، ومتوسط الضريبة على المهاجر الواحد تزيد عن 6,000 جنيه (ولنعتبر هذا الرقم 6,000 جنيه هي تكلفة إنتاج المثقف وليست قيمة له)؛ فيكون صافي القيمة النقدية التي قدمها الاتحاد السوفييتي لإسرائيل في مجموع مهاجري عام 1972 تزيد عن 192,000,000 مائة واثنين وتسعين مليون جنيه إسترليني. ولا شك أن مبلغًا ضخمًا كهذا - مقارنة بالدخول القومية الصافية لبعض الدول العربية - يعتبر لقطة أو هبة كبرى؛ إذ أن هذا المبلغ يساوي تقريبًا دخل إمارة أبو ظبي من النفط، و50% من دخل الكويت، وهو بلا شك يشكل عمودًا فقريًا وموردًا ماليًا هائلًا يمكن من تنفيذ خطة تنمية لثلاث دول عربية تقريبًا.

نرى كم من الزمن والمال كانت تحتاجه دولة العدو للحصول على هذه الزيادة المستمرة في دخلها القومي؟ لا شك أنها ستحتاج إلى سنوات طويلة لتوفيره، ورؤوس أموال ضخمة لتثميره، ومشقات ومصاعب لتكوين رأس المال البشري الذي أُهدي إليها.

ومن مقارنة خاطفة بين ما قدمه وظل يقدمه الاتحاد السوفييتي للدول العربية من دعم أدبي ومساعدات عسكرية ومالية وما قدمه لإسرائيل في عام 1972؛ نجد أن مبلغ المليوني جنيه إسترليني يبدو شيئًا بسيطًا وتافهًا، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار قيمة الهجرة بالأعداد المتوقعة والمستعدة في عام 1973 (70,000 سبعين ألف مهاجر مضروبًا في نفس معامل الضريبة أو كلفة الخريج) لوصلنا إلى حاصل يزيد عن 400,000,000 أربعمائة مليون جنيه إسترليني. إن هذا الرقم يساوي القيمة الإجمالية لحجم الإنفاق التجاري الذي اتفق عليه الأمريكان والروس، وهو رقم كبير جدًا، وإلا ما صرح بيتر بيترسون - وزير التجارة الأمريكي، والذي أطلق عليه السوفييت «بطرس العظيم» تيمنًا بقيصر روسيا قبل الثورة الشيوعية، صرح بيترسون بأنهم يأملون تحقيق 200 مليون جنيه من الاتفاق.

آثار الهجرة على الدول العربية:

قد يقول قائل إن هذا العدد من المهاجرين ليس كله من الشباب والرجال الذين ينتفع بهم وبما تبقى من سني حياتهم في دولة العدو. وهذا احتمال جائز، ومع جوازه فهو غير صحيح؛ إذ أن إسرائيل في نظر المهاجر والمقيم ليست ملجأ للعجزة ومقبرة لكبار السن واستراحة لأرباب المعاشات، إذ أن نسبة صغيرة (حوالي 25%) من أعداد المهاجرين تشمل كبار السن والأطفال وغير القادرين. أما الغالبية فهي عقول بشرية وخبرات مكتملة وشبان في سنوات الرجولة من الذين يستفاد بهم في كافة القطاعات الإنتاجية، لاسيما الكيبوتسات والجيش.

إن المثقفين اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل تشكل غالبيتهم رصيدًا تكنولوجيًا وعلميًا محترمًا، يضاف إلى ما لدى إسرائيل وإلى الذي يرد إليها من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية، وهذا الرصيد التكنولوجي هو الدعامة التي تغذي وتسند التفوق التكنولوجي والعسكري لدولة العدو.

وبالمقارنة لما ينتجه عالمنا العربي ويهدره بعد سنوات قلائل عقولًا بشرية وخبرات إلى أمريكا وكندا ودول أوروبا؛ تكون خسارة العالم العربي في المثقفين مضاعفة.

ففي الوقت الذي نجد فيه سيلًا جارفًا للعقول البشرية المهاجرة يتجه نحو الداخل إلى إسرائيل؛ نلاحظ بأسى بالغ العكس في عدد من الدول العربية؛ حيث تتجه العقول المثقفة والخبرات المدربة إلى الخارج لأسباب، منها ما يتعلق بالأوضاع السياسية، ومنها ما يتعلق بالظروف الاقتصادية التي هي انعكاس لأوضاعنا السياسية المتردية في دوامة من التناقضات والتفكك، ومنها ما يتعلق بعدم وجود البيئة والمناخات العلمية التي تحفز العقل العربي المهاجر وتشجعه على البقاء بعد العودة من طول غربة وفترة تحصيل. ونتيجة لذلك تفقد دولنا العربية عددًا من خيرة شبابها المثقف والمؤهل تأهيلًا فنيًا عاليًا، وتلفظ بهم كما يلفظ الطفل النواة إلى أحضان الغرب لينتفع بهم ويستفيد منهم، بينما نحن في العالم العربي في أمس الحاجة إليهم، وبدلاً من إغراءات الرجوع إلى أوطانهم يُستعاض عنهم بأجانب تدفع لهم دولنا أضعاف ما صرفته على مواطنيها في التعليم والتدريب.

إن اليهود السوفييت ليست لهم مشكلة؛ كانوا يطمحون في العودة إلى إسرائيل وقد سُمح لهم بها، وخُفف عنهم التشدد في إجراءاتها. وإنما المشكلة عندنا نحن. المشكلة هي مشكلة المثقف العربي الملتزم وغير الملتزم، والمشكلة هي مشكلة المواطن العربي المسكين والذي ينوء بالعبء الكبير دون ذنب جناه، ومشكلتنا الرئيسية ليست في جهلنا بالحقائق بل في معرفتنا بأشياء كثيرة غير الحقائق، وكتمان القائمين على أمورنا السياسية القليل الذي يعرفونه من الحقائق؛ فإذا لم نتبصر ونعِ ونتصالح ونتواجه بالحقائق سنظل نعامًا يدس رأسه في التراب هربًا من الحقائق، وعند ذاك ما أسهل صيد النعام!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2150

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1186

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان