العنوان وجهة نظر- ليس هذا وقت الخلاف!!
الكاتب د. محمد البصيري
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994
مشاهدات 66
نشر في العدد 1105
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 28-يونيو-1994
الخلاف الذي نشب بين الحكومة والمجلس الأسبوع الماضي خلاف خطير وغريب، ويجب حسمه بأسرع وقت ممكن، ومبعث الخطورة والغرابة في هذا الخلاف الذي حصل حول تفسير أحكام المادة (۷۱) من الدستور هو أن الحكومة والمجلس مشتركان معًا في المسئولية والتجاوز لنصوص الدستور ومحاولة تفسير هذه النصوص وفقًا للمصلحة السياسية لأي طرف من الأطراف.
والمادة (۷۱) من الدستور محل خلاف قديم، وهي تنُص على أنه «إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز للأمير أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون على أن لا تكون مخالفة للدستور أو التقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية، ويجب عرض هذه المراسيم على مجلس الأمة خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائمًا وفي أول اجتماع له في حالة الحل أو انتهاء الفصل التشريعي..».
والخلاف القديم الجديد هو أن الحكومة لا تريد أن تعرض القوانين الصادرة في فترة الحل على مجلس الأمة استنادًا إلى حكم المحكمة الدستورية الصادر في عام ٨٢ والمجدّد في عام ٩٤ واستشهادًا برأي رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الأمة النائب حمد الجوعان.
أما المجلس فهو يرى عكس ذلك ويستند إلى نَص المادة (71) الواضح والذي لا يحتمل أي تفسير آخر، كما يُدِّعم المجلس رأيه بالعرف الذي سارت عليه الحكومة بأن سارعت بعرض جميع القوانين الصادرة في فترة الحل على أول اجتماع المجلس الأمة في مارس عام ۱۹۸۱، وأول اجتماع لمجلس الأمة في أكتوبر عام ١٩٩٢م.
وفي رأيي أن كلًا من الحكومة والمجلس في مأزق لا يُحْسد عليه فالحكومة تعلم بأن هناك حكمًا من المحكمة الدستورية والتي هي أعلى سُلطة قضائية في البلاد صدر في 82/6/28 يقضي بأن القوانين الصادرة في غياب الحياة البرلمانية نافذة من تاريخ صدورها وليس هناك ما يدعو إلى عرضها على مجلس الأمة لإقرارها أو رفضها، وقد أكدت المحكمة الدستورية حكمها القديم وجدّدته بحكم صدر في 1994/5/17م في القضية المقامة من بعض أعضاء المجلس الوطني بشأن الرواتب المقررة لهم بموجب المرسوم بالقانون رقم 1990/38.
إلا أن ممارسات الحكومة وتعاملها مع مجالس الأمة التي جاءت بعد الحل مجلس عام ٨١ والمجلس الحالي تدل على أنها تطبق رأي المجلس وتنفذ المادة (۷۱) من الدستور تبعًا لتفسير المجلس البنود هذه المادة، والذي يقضي بأن تعرض جميع القوانين التي صدرت في فترة الحل على أول جلسة يعقدها المجلس في دور انعقاده الأول وهذا ما يخالف حكم وتفسير المحكمة الدستورية لبنود المادة (71). من الدستور.
والتساؤل الذي يُطرح الآن هو: ما هو سر هذه الصحوة الدستورية الحكومية في هذ الوقت بالذات ولماذا لم تطرح هذا الرأي وتعترض عند أول اجتماع للمجلس في أكتوبر ۱۹۹۲م بل أقرت المبدأ وتعاملت معه واستجابت بعرض جميع القوانين على المجلس ونفذت قراراته بشأنها من حيث الموافقة والرفض.
بل والغريب في الأمر أن الحكومة لم تظهر هذا الرأي عندما عرضت قوانين مثيرة للجدل مثل قانون المجلس الوطني وقانون المؤسسة العامة للصحافة والطباعة والنشر وقانون محاكمة الوزراء.. وغيرها من القوانين التي رفضها المجلس وأسقط جميع الآثار المترتبة عليها.
وهذا السلوك من الحكومة جعل رئيس المجلس والكثير من النواب يميلون إلى التفسير التآمري لهذه الخطوة الحكومية المفاجئة ويفسرونها بأنها محاولة للتأثير على المحكمة الدستورية قبل أن تعطي رأيها وحكمها حول قضية الناقلات النفطية. والمجلس ذاته ليس في وضع أفضل من الحكومة بل يقع عليه من الإحراج السياسي ما يوازي الحرج الواقع على الحكومة فهو نصّب من نفسه حامي حمى الدستور وراعي الديمقراطية في البلاد والمحافظ على استقلالية السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية وعدم التداخل بين اختصاصاتها، والمجلس يفهم تمامًا ما يعنيه حكم المحكمة الدستورية، ولذلك هو في حرج كبير عندما يتجاوز هذا الحكم، والمأزق الآخر الذي قد يقع فيه المجلس هو رأي لجنته التشريعية والتي أحيل إليها موضوع الخلاف، فاللجنة لها رأي سابق تبناه رئيسها النائب حمد الجوعان ورفعت به تقريرها الأول بتاريخ ۱۹ نوفمبر ۱۹۹۲م والذي خلصت فيه إلى «إنه لا محل لتطبيق المادة (۷۱) على المراسيم بقوانين التي صدرت في الفترة ما بين 3 من يوليو ۱٩٨٦ حتى عودة مجلس الأمة في 10 أكتوبر 1992م..».
إن التعاون مطلوب لتجاوز هذا الخلاف القانوني الدستوري وحُسن الظن يجب أن يقدم على سوء الظن في التعامل مع هذه القضايا الخلافية، ونرجو أن لا تكون هذه القضية هي بداية اشتعال الفتيل بين المجلس والحكومة وإن كنت أظن أنه يُراد لها ذلك وتدفع في هذا الاتجاه من بعض الأطراف التي لا تريد الاستمرارية لمسيرة الديمقراطية.
كل ما أرجوه أن يعي المجلس والحكومة خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد والتحديات التي تواجه الاقتصاد وأن لا ندخل في متاهة الخلافات القانونية والنقاشات والجدل البيزنطي وننسى ترتيب الأولويات وقضايا وهموم المواطن الكويتي البسيط.
عزيزي القارئ:
أعتذر إليك عن مواصلة الكتابة في هذه الزاوية وذلك لظروف السفر أملًا أن أعود إليكم أحبائي في شهر أكتوبر القادم بإذن الله تعالى.
والله يرعاكم ويسدد على دروب الخير خطاكم!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل