العنوان وداعًا «شاليط»
الكاتب د. مصطفـى اللداوي
تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2011
مشاهدات 71
نشر في العدد 1974
نشر في الصفحة 21
السبت 22-أكتوبر-2011
بكل البهجة والفرح والابتهاج يودع سكان قطاع غزة والشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية كلها الجندي الإسرائيلي الأسير «جلعاد شاليط»، يودعونه بالأغاني والأهازيج والزغاريد، وكأنه يوم عيد أو ليلة من ليالي عرس مهيب، خرجوا فيه جميعًا في جوف الليل إلى الشوارع والطرقات والميادين العامة، يهتفون ويكبرون ويهللون، يتعانقون ويتصافحون ويهنئون بعضهم بعضًا، يوزعون الحلوى والسكاكر، ويزورون بيوت الأسرى وأمهات المعتقلين، وكأنهم في مزار أو موسم أو مهرجان.
فعمرت الأفراح البيوت الفلسطينية، وأشرقت البهجة على الوجوه، وارتسمت البسمة على الشفاه، فقد أزف يوم رحيل «شاليط»، وحانت ساعة عودته إلى بيته، فقد كانوا في شوق ولهفة لهذا اليوم الذي يودعونه فيه عائداً إلى بيته وأسرته الذين ينتظرونه منذ خمس سنوات في خيمة أمام مكتب رئيس الحكومة الصهيونية «بنيامين نتنياهو»، الذي وعد قبل أن يتسلم رئاسة الحكومة «الإسرائيلية» بالتعجيل في استعادته وتحريره وإعادته إلى بيته وأهله، مؤكدًا عودته دون تنازلات يقدمها لأسريه، ومن غير شروطٍ يخضع لها، ودون الإفراج عن عدد من الأسرى والمعتقلين الذين تصنفهم أجهزته الأمنية بأن أيديهم ملوثة بدماء «الإسرائيليين».
وداع «شاليط» بالنسبة لسكان قطاع غزة خصوصًا والفلسطينيين عمومًا حلم يراود مخيلاتهم ويتراءى كالخيال أمام ناظريهم، فكم تمنوا ألا تطول فترة وجوده أسيرا بأيديهم، ومحتجزًا عندهم، فما كان أحد يرغب في استبقائه، أو الاحتفاظ به بينهم طويلًا، ولكن وداعه كان يبتعد كلما اقترب ويتعقد كلما ظن الفلسطينيون أن شروطه قد تحققت وتنقلب حكومته على أي اتفاقٍ قبل توقيعه، وتتنكر لأي وسيطٍ إذا نجح، ولكنه اليوم أضحى حقيقة لا خيالًا... بعد أن تمكن المقاومون من فرض شروطهم، وإكراه العدو على القبول بما كان يرفضه والإذعان لما كان يظنه مستحيلًا، ويراه خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
«شاليط» كان ضيفًا ثقيل الدم فما أحببناه، وكان شخصاً مکروهًا من على دبابته فأنزلناه، ومن يده أخذنا البندقية، وجردناه من ثيابه العسكرية، وعلمناه أننا شعب حر يسعى لاستعادة حريته ونيل استقلاله والتخلص من استعمار جيشه ولكنه كان نزيلًا متعبًا لم نكن نتمنى استمرار وجوده، فقد أرهقنا بقاؤه، وأتعبنا وجوده ونال من حياة المئات من أهلنا الاحتفاظ به وكان سببًا في معاناتنا وفرض الحصار علينا ومنع اتصالنا بأهلنا وشعبنا، وبسببه وعلى أمل استعادته شن جيش كيانه حربًا دموية على غزة، فقتل بسببه المئات من شعبنا، ودمر قطاعنا وأحال حياتنا إلى معاناةٍ شديدة وكربٍ عظيم.
ولكن شعبنا عضّ على جراحه، وصبر على ألمه، وشد المئزر والحزام على بطنه، وحافظ على «شاليط» في أسره، أملًا في أن يستعيد به حرية أبنائه، ويطلق سراح من قد مكث في سجون الاحتلال أكثر من ثلاثة عقود، ويحرر من ظن الاحتلال أنه سيقضي بقية عمره في السجن، ومنه سينقل جثمانه إلى أهله ليدفن.
نودع «شاليط» اليوم وكلنا أمل أن نستقبل كل أسرانا، وأن نحرر كل معتقلينا، وأن ننهي عهدهم مع الأسر والاحتلال، وأن نحول دون اعتقال المزيد أو العودة من جديد إلى القيود والأسر، ولكننا إذ نودع «شاليط» فإننا نتمنى أن نستقبل ضيفًا آخر، وأن نأسر جنديًا جديدًا، وأن ننال من العدو بما يذله ويخزيه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل