العنوان وزارة سورية للمغتربين.. حل أم إشكال؟
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1482
نشر في الصفحة 34
السبت 29-ديسمبر-2001
لوحظ في تشكيل الوزارة السورية الجديدة تخصيص حقيبة للمغتربين، وفي ذلك لون من الاعتراف بوجود مشكلة، بل معضلة اسمها المغتربون مردها إلى وفرة عدد السوريين الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم لأسباب اقتصادية أو سياسية أو غيرها. وهناك من يقدر عدد المغتربين بأربعة ملايين نسمة، أي ما يقارب ربع سكان سورية البالغ ١٨ مليوناً، كما يقدر آخرون عدد المقيمين منهم أو العمال في لبنان بمليون ونصف المليون، فما بالك بالجالية السورية في دول الخليج أو الأمريكتين أو أوروبا؟
الاغتراب عن الوطن مسألة تاريخية معروفة، معظمها مشخص معلوم، أما بالنسبة إلى القطر السوري فإن أكبر موجتين للاغتراب كانت إحداهما أواخر العهد العثماني نتيجة السياسة "التتريك" التي مارستها جماعة الاتحاد والترقي وحصول المجاعة في الحربين العالميتين والصراع الطائفي بين المسيحيين والدروز، مما اضطر كثيراً من السوريين «واللبنانيين» إلى الهجرة إلى الأمريكتين، أما الموجة الثانية لاغتراب السوريين فكانت في الثمانينيات من القرن الماضي، وهي موجة صاحبت الأحداث الدامية والمصادمات المسلحة بين المعارضة والسلطات، وبين هاتين الموجتين الكبيرتين وبعدهما شهدت سورية ألواناً متنوعة من الهجرة والاغتراب والتسرب إلى الخارج.
على العموم يمكن تصنيف أنواع الاغتراب أو معظمها بالأسباب التالية:
1. هجرة العقول أو الأدمغة: وهي ظاهرة تشمل دول العالم الثالث، وإن كان لكل قطر خصوصياته في الحجم والكثافة، فإن سورية من الأقطار المرتفعة الحجم والكثافة في هذه.
2. هجرة بسبب الرأي أو الدين أو الجنس «العرق»: شهد القطر السوري عدداً من الانقلابات العسكرية والتحولات السياسية التي دفعت بعض المواطنين إلى الهجرة، آخرها ما نشأ عن تطبيق الأحكام العرفية وقانون الطوارئ طوال أربعة العقود الماضية.
3. هجرة لطلب العيش: بسبب تردي الوضع الاقتصادي في العقود الأخيرة والتضخم المالي، وتفاقم نسب البطالة في الأيدي العاملة حتى بلغت ۳۰٪، وتزايد هجرة سكان الريف إلى المدينة بلا تخطيط، أو استيعاب وانقراض ما يسمى الطبقة المتوسطة.
فماذا تخطط وزارة المغتربين للتعامل مع هذه المشكلات؟
نتمنى على وزارة المغتربين وعلى كل وزارة أن تعلن عن برنامج عملها، وموضوع المغتربين ليس من الأسرار العسكرية التي تقتضي المصلحة العليا التكتم عليها.
هل المطلوب من وزارة المغتربين دغدغة مشاعر المغتربين بتنظيم رحلات سياحية لبعضهم بغرض زيارة مسقط الرأس وتجميع التبرعات وتحويل عائدات عملهم وحسب، أم إزالة أسباب هجرتهم واغترابهم ووقف سيل الهجرة أولاً، ثم تحويل الخط البياني من نزوح إلى عودة المغتربين كلهم أو معظمهم أو الراغبين بالعودة منهم أو المهجرين قسرياً على الأقل.. ثانياً؟
لنكن صرحاء إن معظم الإجراءات المتخذة في العهد الجديد، الذي مضى عليه أكثر من سنة، يغلب عليه طابع أطلق عليه التجديد من خلال الاستمرار والترجمة الحاصلة لهذا الشعار حتى الآن هي تحسين بعض جوانب الواقع لا إصلاحه ولا معالجته جذرياً، وبالدقة: هل يستطيع وزير المغتربين - بصلاحيات وزير في دولة شمولية وحتى ديموقراطية - أن يجفف أسباب الهجرة المستمرة النزف، أو أن يحول الخط البياني نحو عودة المهجرين أو المغتربين؟
العودة إلى أسباب الهجرة والاغتراب توحي بالحلول، وتجيب عن هذا السؤال. فهجرة الأدمغة والعقول أو الطاقات لها سببان، أحدهما جاذبية الدول المتقدمة علماً ومالاً وفرص عمل، وهذا عامل لا يمكن السيطرة عليه بسهولة في المدى المنظور.
وثانيهما: شروط عمل منفرة تحمل أصحاب العقول والأدمغة على الخروج، مثل انخفاض مردود الدخل، وتعطل سبل الإبداع، وافتقاد الأجهزة والمختبرات، فضلاً عن الحوافز المشجعة على الإبداع، وهي في تقديرنا عوامل ليست من اختصاص وزارة المغتربين بل اختصاص وزارات أخرى كالتعليم العالي والصناعة.
والهجرة بسبب طلب العيش علاجها بالإصلاح الاقتصادي الذي تسهم فيه كل الوزارات بعد اختيار خط اقتصادي استراتيجي مرهون بقرار سياسي يعطي الأسبقية للإصلاح السياسي، والهجرة بسبب الرأي أو الدين أو الجنس علاجها بإزالة سببها أيضاً، أي بالإصلاح السياسي الذي تؤجله السياسات الحالية بذرائع متنوعة.
العلاج الوطني الديموقراطي كالشمس يكشف الانحرافات والمنحرفين، والفصل بين السلطات ينهي النهب غير المشروع وكل أنواع الفساد الإداري والسياسي.. وهذا كله ليس من صلاحيات وزارة المغتربين، بل إن هذه المفردات المصيرية تتعلق بمجلس نيابي حقيقي وبرقابة شعبية وبقضاء حر نزيه، وتعددية سياسية، وتبادل سلمي للسلطة.
إن قراراً سياسياً واحداً مثل إعلان العفو العام، وهو من صلاحيات رئيس الجمهورية، كاف لحل ثلاثة أرباع مشكلات المغتربين إن لم نقل معظمها، وهو باب لفتح بقية الأبواب الأخرى الموصدة، مثل إعادة اللحمة الوطنية، وبناء الثقة بالذات وبالوطن، وبضرورة العيش الحقيقي المشترك في السراء والضراء، والتساوي أمام القانون في الحقوق والواجبات.
في الثمانينيات حاول أحد نواب رئيس الجمهورية القيام بزيارة لمدينة صغيرة في الأرجنتين كل سكانها من الجالية السورية عددهم حوالي عشرة آلاف نسمة، وإذا بهذه الجالية ترفض استقبال المسؤول السوري الكبير، كما ترفض فكرة الزيارة جملة وتفصيلاً، وسبب هذا الموقف الجماعي المستغرب في الظاهر - هو أن هذه الجالية كانت سابقاً تنتمي لطائفة سورية، وقد تحررت من طائفيتها هناك، لكن الوضع السوري آنذاك كان يشهد إشكالاً طائفياً معروفاً، والسلطة طرف فيه، وكان موقف الجالية إدانة للأوضاع وخروجاً من المأساة باختيار المقاطعة والعزلة.
ولما سئل وزير الإعلام عدنان عمران مؤخراً عن الموقف من بعض المغتربين ذوي الرأي أجاب يوجد قرار بدراسة كل ملف على حدة لاتخاذ قرار منفصل حول كل موضوع بشكل منفصل. بناءً على جواب وزير الإعلام يحتاج المغتربون إلى تقديم طلبات منفردة، وإلى مناظرات منفردة، فإذا رغب أربعة ملايين مواطن بالعودة واشتغل مجلس الوزراء كله لما استطاع أن يواجه مثل هذا الطوفان من الحب للوطن والاستماتة على العيش في ظلال الحزب الواحد والأشياء الأخرى المعروفة.
السؤال البسيط: هل الوطن فعلاً لكل أبنائه؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فلم الخوف إذن؟
لا نريد أن نشكك في تخصيص وزارة للمغتربين، لكننا نحذر من اتخاذها ألهية للمغتربين والمقيمين، كما تستخدم الألهية المعروفة للأطفال الرضع، فإذا اشتكى المغتربون أو ذووهم من أزمة الجوازات والوثائق الرسمية، ومن حرمانهم من حق العودة، ومن حق الإسهام في تقرير مصير الوطن، فليس مقبولاً أن يوضع الوزر على وزارة المغتربين وحدها، فيخلع وزير ويجاء بوزير، وهكذا دواليك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل