; وسالت الدماء في الأزهر من جديد! | مجلة المجتمع

العنوان وسالت الدماء في الأزهر من جديد!

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984

مشاهدات 58

نشر في العدد 694

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 04-ديسمبر-1984

ضغوط رجال الأمن في مصر على الطلبة الإسلاميين في الجامعات المصرية لم تتوقف رغم المظاهر الهينة اللينة التي تحاول أجهزة الإعلام المصرية إضفاءها على معالجة أزمة الإسلاميين في مصر، وخاصة الطلاب منهم.

ولعل الأحكام التي صدرت على حوالي «١٠٠» معتقل من الإسلاميين في قضية تنظيم الجهاد عبرت عن الرغبة في استمرار اضطهاد الشباب المسلم في مصر. وإذا كانت استفزازات السلطات الأمنية في مصر هي السبب فيما حصل لطلبة جامعة الأزهر ثم بعض الجامعات الأخرى كجامعة عين شمس وجامعة الإسكندرية؛ حيث امتدت المظاهرات إلى هناك.. فإن هذه الاستفزازات الحكومية للطلاب تستهدف أمورًا أبعد من اعتقال مجموعة من الطلبة.. إنها تستهدف الاستمرار في اضطهاد الإسلاميين عمومًا. وهذا دأب الأنظمة التي تعاقبت على حكم مصر منذ زمن الملك فاروق. هدف واحد.. وأسلوب واحد.. ونتيجة واحدة تسعى السلطة إليها من خلال افتعال بعض الأحداث واتهام الشباب المسلم من خلالها.

ولم تكن أحداث الأزهر الأخيرة إلا حلقة في مسلسل المضايقات المستمرة لهؤلاء الشباب الإسلاميين الجامعيين.

ففي يوم الأربعاء 21/ 11/ 1984م اجتاحت إحدى سيارات الشرطة أحد الطلاب الأزهريين فقتلته، ولاذ السائق بالفرار، وفي اليوم التالي تجمع الطلاب في باحة جامعة الأزهر بمدينة نصر، ثم خرجوا إلى الشوارع المحيطة بالجامعة ليعربوا عن احتجاجهم على مقتل الطالب الأزهري، فهاجمهم رجال الشرطة وألقوا عليهم القنابل المسيلة للدموع، وضربوهم بالهراوات، فقابلهم الطلاب بإلقاء الحجارة، وكان من نتيجة المواجهة إصابة ثمانية من الطلاب وثلاثة من رجال الشرطة.

وفي يوم السبت 24/ 11/ 84م تجمع الطلاب مرة أخرى وأخذوا يهتفون ضد الشرطة، ثم علت هتافاتهم لتغيير اللائحة الطلابية، ورفع الحرس الجامعي، وفرض الحجاب على طالبات الأزهر اللاتي يلبسن الجينز الضيق، ثم طالبوا بتطبيق الشريعة الإسلامية.

وفي هذه الأثناء كانت قوات الأمن قد طوقت مبنى الجامعة والمنطقة المحيطة بها ومنعت حركة السير، ثم هاجمت الطلبة بقنابل الغاز المسيل للدموع والهراوات واعتقلت حوالي ٥٠ طالبًا منهم.

وفي يوم الأحد 25/ 11/ 84 تجمع الطلبة مرة أخرى واعتصموا في الجامعة وأصروا على تحقيق مطالبهم، وحضر وزير الداخلية أحمد رشدي وأجرى مباحثات مع إدارة الجامعة حتى منتصف الليل لم تسفر عن نتيجة، وبعد مغادرة أعداد كبيرة من الطلبة إلى بيوتهم قام رجال الأمن باقتحام مبنى الجامعة واعتقال حوالي ٣٠٠ طالب اقتيدوا في سيارات الشرطة إلى جهات غير معروفة.

ولكن الاعتصام والاشتباكات بين الشرطة والطلبة استؤنف في اليوم التالي الإثنين 26/ 11/ 84 وهتف الطلبة بسقوط عميدهم د. فرهود الذي لم يستطع تفهم مشاكلهم بعد أن اجتمعوا إليه، كما هتفوا بسقوط وزير الداخلية أحمد رشدي الذي عاملهم بالعنف وطالبوا بمحاكمة علنية للسائق الهارب، والاجتماع برئيس الوزراء وحضور الصحفيين. وكان هتاف «الله أكبر» يعلو على كل هتاف، وتطبيق الشريعة الإسلامية كان مطلبهم الرئيسي.

وهنا قررت إدارة الجامعة إغلاق الجامعة لمدة أسبوعين ومنع الطلبة من الاقتراب منها بعد أن اعتقل عدد كبير منهم.

ولقد صرح وزير الداخلية المصري فيما بعد لصحيفة الأهرام أن طلبة جامعة عين شمس قد تجمعوا في باحة الجامعة لمدة ثلاث ساعات تضامنًا مع مطالب إخوانهم في جامعة الأزهر ولكن الشرطة فرقتهم.

وكان طلبة جامعة الإسكندرية قد اعتصموا في وقت سابق لمدة ساعة داخل الجامعة، ثم جابوا شوارع المدينة تضامنًا مع الدكتور عصمت أمين الدين رئيس قسم الطاقة النووية المضرب عن الطعام منذ 4/ 11/ 84 احتجاجًا على الفساد داخل الجامعة. وحمل الطلبة لافتات تطالب بالحرية وتحتج على هيمنة رجال الأمن الصارمة على الجامعات المصرية.

ومن المعروف أن الجامعات المصرية تعاني من مضايقات رجال الأمن منذ عهد الملك فاروق، وبدعة الحرس الجامعي هذه بدعة متجددة وضعت لكبت أنفاس الطلبة وخاصة الإسلاميين منهم. ولعل حادث الكوبري الذي فتح ليسقط عشرات من الطلبة في النيل غرقى ما زال ماثلًا أمام أعين المخضرمين من الذين عاصروه.

ثم كانت قمة المؤامرة حين اغتيل الشهيد حسن البنا عام ١٩٤٩.

وأما عبد الناصر الذي نكل بالإسلاميين أشد تنكيل وقدم أكبر وجبتين منهم إلى حبل المشنقة عامي ١٩٥٤ و١٩٦٥ فإنه اتجه إلى الأزهر الشريف الذي كان قلعة الصمود في وجه أعداء الإسلام من المستعمرين والطغاة، فأعمل فيه تخريبًا باسم التطوير، وأوعز إلى عملاء الغرب أمثال طه حسين لينهش في الأزهر قدحًا بكتاباته الحاقدة على الإسلام، وأصبح الأزهر في عهد عبد الناصر أشبه بأي جامعة مصرية أخرى، وأصبحت العلوم الدينية فيه مكيفة على هوى الحاكم.

ثم جاء السادات الذي أراد أن يتخذ من الأزهر ومشايخ الأزهر جسرًا يعبر عليه لمصافحة اليهود أعداء الله، فطلب منهم الفتوى، فأفتى بعضهم بأن الصلح مع اليهود الغاصبين لفلسطين والإقرار بحقهم فيها هو أشبه بصلح الحديبية واستشهدوا بالآية الكريمة: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا (الأنفال: 61) وبرروا الاستسلام. ثم اتجهوا إلى الآية الكريمة التي قيلت في حق اليهود: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (آل عمران: 112) فبرروا مد أيديهم لمصافحة اليهود ومصالحتهم بقوله تعالى: ﴿وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ (آل عمران: 112) فافتروا على الله وافتروا على نبيه.

واليوم، يعاني الطلبة عمومًا والإسلاميون خصوصًا من مشاكل، ولهم مطالب؛ ولكن الشرطة تكبت أنفاسهم، ورجال الأمن يعدون عليهم هذه الأنفاس، والسلطات تتجاهل مطالبهم، وعمليات غسيل المخ قائمة على قدم وساق، وتشويه حقيقة الجماعات الإسلامية وتنفير الناس منها باعتبارها ظواهر شاذة متشنجة منحرفة، وتشجيع الفرق الصوفية «الدراويش» على أنهم يمثلون الإسلام المأمون جانبه والمأمون صاحبه.

وأخيرًا، افتعال الفتن واستفزاز الشباب المسلم وإطلاق الملتحين من رجال المخابرات للتخريب، كل ذلك لإيجاد المبررات لمزيد من الاعتقالات والتنكيل والقهر وعمليات غسيل المخ في خطة مدروسة ومقررة ومعروفة سلفًا.

فصبرًا أيها الشباب المسلم على الأذى، فقبلكم أوذي الأنبياء والمصلحون، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾ (الأعراف: 128).

الرابط المختصر :