; وصية نبوية عظيمة | مجلة المجتمع

العنوان وصية نبوية عظيمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-2001

مشاهدات 65

نشر في العدد 1435

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 23-يناير-2001

الأمر بتقوى الله.. اتباع الحسنات السيئات.. حسن الخلق مع الناس

  • القيام بحقوق الله و حقوق عباده يتكاملان في الإسلام ولا ينفصلان

 

أخرج الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (قال الترمذي حديث حسن صحيح).

هذه الوصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده، فإن حق الله على عباده أن يتقوه حق تقاته والتقوى وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ الْأَرْضِ﴾ ‏(النساء: 131).

وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ‏ (المائدة: 96)، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ‏(الحشر: 18)، فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى اتقوا سخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي، قال تعالى  ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ‏(آل عمران: 28)، وقال تعالى: ﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ‏(المدثر: 56)، فهو سبحانه أهل أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده حتى يعبدوه ويطيعوه لما يستحقه من الإجلال والإكرام وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش وشدة البأس.

ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ‏ (البقرة: 1-4)، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ‏ (البقرة: 177). قال معاذ بن جبل: «ينادي يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر، قالوا له من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله بالعبادة».

وقال ابن عباس: المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدي ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به، وقال الحسن: المتقون اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما افترض الله عليهم، وقال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير.

وقال ابن مسعود في قوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ‏ (آل عمران: 102). قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر (أخرجه الحاكم مرفوعًا والموقوف أصح)، وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها. 

وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى فقال: «هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عزلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى»، وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: 

خل الذنوب صغيرها *** وكبيرها فهو التُقى

واصنع كماش فوق أر  *** ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن *** الجبال من الحصى

تقوى الله في السر والعلن

قوله صلى الله عليه وسلم «اتق الله حيثما كنت» مراده في السر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يرونه، وفي حديث أبي ذر أن  صلى الله عليه وسلم له قال له: «أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته»، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «أسألك خشيتك في الغيب والشهادة»، وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات.

إن من علم أن الله يراه حيث كان وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر، وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى  ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ‏(النِّسَاءِ: 1).

قال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي، إن كنتم ترون أني لا أراكم  فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم؟! وكان وهب بن الورد يقول: خف الله على قدر قدرته عليك واستحي منه على قدر قربه منك.

وقال له رجل: عظني، فقال له: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك، ودخل بعضهم غيضة ذات شجر فقال: لو خلوت ههنا بمعصية من كان  يراني، فسمع هاتفًا بصوت ملأ الغيضة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ‏ (الملك: 14)، وراود بعضهم أعرابية وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: أین مكوكبها؟

وقال الحارث المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب، وسئل الجنيد: بم يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى من تنظره.

وكان الإمام أحمد ينشد:

إذا ما خلوت الدهر يومًا *** فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة *** ولا أن ما يخفى عليه يغيب

وكان ابن السماك ينشد:

يا مدمن الذنب أما تستحي  *** والله في الخلوة ثانيك

غرك من ربك إمهاله  *** وستره طول مساويك

وفي الجملة فنقوى الله في السر هي علامة كمال الإيمان، ولها تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبها الثناء في قلوب المؤمنين.

وقال سليمان التيمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته، وقال غيره: إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك عليه، وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل ولا يقع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيد من فيصلح ما بينه وبين الله فإنه من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق.

«وأتبع السيئة الحسنة تمحها»

لما كان العبد مأمورًا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع منه أحيانًا تفريط في التقوى إما بترك بعض المأمورات أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره بأن يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله عز وجل  ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: 114)،  وفي صحيحين عن ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فسكت النبي  حتى نزلت هذه الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال: هذا له خاصة؟ قال: «بل للناس عامة».

وقد وصف الله المتقين في كتابه يمثل ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية في قوله عز جل ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ‏(آل عمران: 133 – 136).

فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم والإنفاق وكظم الغيظ والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل الندى واحتمال الأذى، وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ، ثم وصفهم بأنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا  الله فاستغفروا لذنوبهم - ولم يصروا عليها- ما يدل على أن المتقين قد يقع منهم أحيانًا كبائر وهي فواحش، وصغائر وهي ظلم النفس، لكنهم لا يصرون عليها بل يذكرون الله عقب وقوعها ويستغفرونه ويتوبون إليه منها.

قال سلمان: إذا أسأت سيئة في سريرة أحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية فأحسن حسنة في علانية لكي تكون هذه بهذه، وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم بها، وقد أخبر الله في كتابه أن من تاب من ذنب فإنه يغفر له ذنبه أو يثاب عليه في مواضع كثيرة منها قوله تعالى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ‏(النساء: 17).

«وخالق الناس بخلق حسن»

هذا من خصال التقوى ولا تتم إلا به، وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيرًا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده فنص له على الأمر بإحسان العشرة للناس، فإنه كان الله قد بعث معاذًا إلى اليمن معلمًا لهم ومفقهًا وقاضيًا، ومن كان كذلك فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيره مما لا حاجة للناس به ولا يخالطهم، وكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها، والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدًا لا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والصديقين. 

قال الحارث المحاسبي: ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الخلق مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة.

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق من حسن خصال أخلاق الإيمان، كما خرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقا» وخرجه محمد بن نصر المروزي، وزاد فيه «إن المرء ليكون مؤمنًا وإن في خلقه شيئًا فينقص ذلك من إيمانه».

وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء يوضع في ميزان العبد أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة».

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي  قال:  «أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق».

وقد روي عن السلف تفسير حسن الخلق، فعن الحسن قال: حسن الخلق الكرم والبذل والاحتمال، وعن الشعبي قال: حسن الخلق البذل والعطية والبشر الحسن، وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى، وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق فأنشد شعرًا فقال:

تراه إذا ما جئته متهلًلا  *** كأنك تعطيه الذي أنت سائله

ولو لم يكن في كفه غير روحه *** لجاد بها فليتق الله سائله

هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجته المعروف والجود ساحله

وقال الإمام أحمد: حسن الخلق ألا تغضب، ولا تحقد، وعنه أنه قال: حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس، وقال إسحاق بن راهوية: هو بسط الوجه وألا تغضب ونحو ذلك.

وقال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: حسن الخلق كظم الغيظ لله وإظهار الطلاقة والبشر إلا للمبتدع والفاجر والعفو عن الزالين، إلا تأديبًا وإقامة الحد وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا تغيير منكر وأخذًا بمظلمة لمظلوم من غير تعدٍ.

الرابط المختصر :