العنوان وظيفة القلب في أعمال الحج
الكاتب هيفاء علوان
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1585
نشر في الصفحة 52
السبت 17-يناير-2004
■ هجرة إلى الله زادها التقوى.. والإخلاص سر قبولها
يعلم كل حاج أنه مهاجر إلى الله، وأن ذلك يتطلب معرفة الكثير من الأمور منها:
1- الفهم: ومعناه أن يفهم الحاج موقع الحج في الإسلام ثم يشعر بالاشتياق إلى بيت الله الحرام ومن ثم يشد العزم ويشد الرحال وإذا عقد العزم أسرع إلى شراء ثياب الإحرام ثم يعد الزاد ويستأجر الراحلة ثم يخرج للحج فيحرم من الميقات بالتلبية ثم دخول مكة.
وليفهم أنه لا وصول إليه سبحانه إلا بالتنزه عن الشهوات والتجرد لله في جميع الحالات. وقد أنعم الله على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لها. فشرف الكعبة وأكد حرمتها بتحريم الصيد فيها يقصدها الزوار من كل فج عميق شعثا غبرًا متواضعين لرب البيت مستكينين له خضوعًا لجلاله.
أما الشوق: فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق بأن البيت بيت الله U، فقاصده قاصد إلى الله تعالى وزائر له.
أما العزم: فيعزم على مفارقة الأهل والوطن ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهًا لزيارة بيت الله وليجعل عزمه خالصًا لله سبحانه بعيدًا عن شوائب الرياء.
2- وينبغي كذلك فهو رد المظالم والتوبة النصوح عن كل المعاصي، فكأن من ظلم نقول له: أتقصد بيت الله وأنت مضيع أمره؟ كيف تقدم عليه قدوم العبد العاصي فيردك ولا يقبلك؟، فإن أردت القبول فتب إليه من جميع المعاصي، وائتمر بما أمرك به U.
3- وأما الزاد فليطلبه من موضع حلال وليتذكر أن سفر الآخرة أطول من سفر الحج. وليحذر أن تحبط أعماله التي يتزودها للآخرة فيفسدها الرياء والمفاخرة.
4- وأما شراء ثوبي الإحرام: فليتذكر الحاج الكفن ولفه فيه، فهو سيرتدي ويأتزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله تعالى إن قيض الله له الوصول وأنه سيلقى الله سبحانه ملفوفًا في ثياب الكفن لا محالة، وثياب الإحرام تشبه هذا الثوب فكلاهما غير مخيط.
5- وأما الخروج للحج: فليعلم أنه يفارق الأهل والوطن قاصدًا الله في سفر لا يضاهي سفر الدنيا، فليستحضر أنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين، وليرج أنه إذا لم يقيض له الوصول وأدركته المنية في وصوله في طريقه إلى الله لقي الله تعالى وافدًا إليه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾(النساء: ۱۰۰).
6- وأما الدخول إلى الميقات: فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا إلى ميقات يوم الحشر وما بينهما من أهوال ومن انفراده ووحدته واستيحاشه وفي ظلمة القبر.
7- أما الإحرام والتلبية من الميقات: فمعناه إجابة نداء الله U فارج أن تكون مقبولًا لا أن يقال لك: لا لبيك ولا سعديك، فكن بين الخوف والرجاء.
قال سفيان بن عيينة: حج على بن الحسين. y- فلما أحرم واستوت راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له: لم لا تلبي؟ فقال: أخشى أن يقال لي لا لبيك ولا سعديك...
8- وليتذكر عند التلبية نداء الله للخلائق عند النفخ في الصور وحشرهم من القبور وازدحامهم يوم الزحام مجيبين نداء الله ثم هم فريقان أصحاب اليمين وأصحاب الشمال.
9- وأما عند دخول مكة فليتذكر أنه قد انتهى إلى حرم الله بأمان فيحمد الله وليرج أن يأمن بدخوله الحرم أن يأمن عقاب الله I.
10- أما وقوع البصر على الكعبة والطواف حولها فينبغي أن يستحضر عظمتها ويرجو رؤية الله في الجنة، حيث إن رؤية الله في الجنة أحلى من الجنة كما أن الخلود في الجنة أحلى من الجنة ورؤية الأحباب في الجنة أحلى من الجنة وخدمة الملائكة في الجنة أحلى من الجنة.
وعند الطواف يعلم أنه في صلاة فيستشعر في قلبه التعظيم والخوف والرجاء وليعلم أنه ليس المقصود طواف الجسم بالبيت بل ذكر رب البيت.
۱۱ - أما عند استلام الحجر الأسود فكأنما يبايع الله على طاعته، عن ابن عباس - y - عن رسول الله ﷺ قال: «الحجر الأسود يمين الله U في الأرض يصافح بها خلقه، كما يصافح الرجل أخاه« (رواه الحاكم).
١٢ - أما السعي بين الصفا والمروة فيجب أن يستشعر الحاج فيه أنه كمن دخل على الملك، وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه، فهو يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى، وليتذكر عند السعي بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات يوم القيامة.
۱۳ - أما الوقوف بيوم عرفة وما فيه من ازدحام الخلق واختلاف اللغات فيذكر بيوم القيامة واجتماع الأمم على اختلافها مع الأنبياء وطمع الأمم في شفاعة أنبيائهم، فإذا تذكرت ذلك فالزم قلبك الضراعة وحقق رجاءك بحسن الظن بالله وقد قيل: إن من أعظم الذنوب أن يحضر (الحاج) عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له.. وكان اجتماع الأمم من الفجاج هو سر الحج وغاية المقصود، فلا سبيل إلى استدرار رحمة الله مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد.
١٤ - أما رمي الجمار، فالمقصود منه الانصياع لأمر الله إظهارًا للعبودية والامتثال له واقصد به التشبه بإبراهيم u، حيث عرض له إبليس (لعنه الله) في ذلك الموضع، فأمره الله U أن يرميه بالحجارة طردًا. واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة، وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان.
١٥ - وأما ذبح الهدي: فاعلم أنه تقرب إلى الله بحكم الامتثال، فأكمل الهدي وارج أن يعتق الله بكل جزء منه جزءًا منك في النار، فكلما كان أكبر كان فداؤك من النار أعم.
١٦ - وأما عن زيارة المدينة فتذكر أنها دار هجرة النبي r التي أظهر الله بها الإسلام، ومثل في نفسك موقع أقدام رسول الله في تردده وتصور خشوعه وسكينته في المشي وما استودع الله سبحانه قلبه ورفعه وذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه. ثم تذكر ما من الله تعالى على من أدرك صحبته وصحبة أصحابه رضوان الله عليهم.
وأما عند زيارتك له فقف ماثلًا بين يديه، واعلم انه كما روي عنه: إن الله تعالى وكل بقبري ملكًا يبلغني سلام من سلم على من أمتي. هذا في حق من لم يحضر قبره، فكيف بمن قطع الفيافي شوقًا إلى لقائه؟
هذه وظيفة القلب في أعمال الحج فإذا انتهى منها ينبغي أن يلزم الهم والخوف قلبه، وأنه لا يدري أقبل حجه أم طرد من رحاب الله ولكن لا يدع اليأس يتسلل إلى قلبه.
أنتم معشر الزوار قربكم إلى مقام به أمن لمن دخلا
فلا تخافوا فأنتم في ضيافته فهو الكريم الذي بالجود ما بخلا
وأرى أن أذكر حديثًا يبين فضل المناسك: «جاء رجل من ثقيف إلى رسول الله ﷺ فسأله كلمات عن الإسلام، ومنها الحج، قال الرجل: يا نبي الله أخبرني عما جئت أسألك قال: جئت تسألني عن الحاج، ما له حين يخرج من بيته، وحين يقوم بعرفات وماله حين يرمي الجمار وما له حين يحلق رأسه وما له حين يقضي آخر طواف بالبيت، فقال: يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أخطأت مما كان في نفسي شيئًا، قال: فإن له حين يخرج من بيته أن راحلته لا تخطو خطوة إلا كتب له بها حسنة وحطت عنه بها سيئة، فإذا نزل بعرفة فإن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: انظروا إلى عبادي شعثًا».
وما أوده لضيوف الرحمن أن يتقبل الله منهم وأن يختم على أعمالهم بطابع من نور، وأبعث
إليهم:
أبشر فحجك مقبول ومبروك | وكل سعيك محمود ومشكور |
ما تصدقت في أرض الحجاز به | فأجره لك عند الله مدخور |
وكل سعي وما قدمت من عمل | فإنه لك بعد الربح موفور |
---------------الم
-------------------------------------
المراجع
- كتاب المستخلص في تزكية الأنفس للشيخ سعيد حوى- رحمه الله.
- كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم- رحمه الله.
------------------------------------
■ من آداب الحج
قال تعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ ﴾ (البقرة: ۱۹۷) وقال أيضًا: ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).
الحج لغة: هو القصد إلى معظم.. وهو تعويد للنفس على التسليم والاستسلام وبذل الجهد والمال في سبيل الله، وقيام لله بشعائر العبودية وكل ذلك له آثاره في تزكية النفس كما أنه علم على التحقق بزكاة النفس.
ولكي يؤدي الحج ثمراته كاملة لا بد من مراعاة الآداب السلوكية والأعمال القلبية ومنها:
أن تكون النفقة حلالًا وتكون اليد خالية من تجارة تشغل القلب وتفرق الهم حتى يكون الهم مجردًا لله تعالى والقلب منصرفًا إلى ذكر الله وتعظيم شعائره.
الاعتدال في الزاد والتوسط في البذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف.
قال ابن عمر yا: «من كرم الرجل طيب زاده في سفره، وكان يقول: «أفضل الحاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة وأحسنهم يقينًا». وقال له: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، قيل: يا رسول الله ما بر الحج؟ فقال: طيب الكلام وإطعام الطعام». (۱)
3- ترك الفسوق والرفث والجدال والرفث اسم جامع لكل لغو وفحش في الكلام، والفسق اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله، والجدال هو المبالغة في الخصومة بما يؤجج المشاعر وينمي الضغائن ويناقض حسن الخلق.
قال سفيان: من رفث فسد حجه - إن المماراة تناقض طيب الكلام - فعلى الحاج أن يتواضع مع من يرافقه لحج بيت الله ويحرص على حسن الخلق الذي ليس هو كف الأذى بل احتمال الأذى، وقيل سمي السفر سفرًا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.
إن استطاع أن يحج ماشيًا أشعث أغبر لا يميل إلى التفاخر والتكاثر في زمرة المتكبرين، فهذا أفضل وأعظم أجرًا.
روى أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد يقول تعالى لملائكته: «انظروا إلى زوار بيتي قد جاءوني شعثا غبرًا من كل فج عميق. أشهدكم بأني قد غفرت لهم».
وكتب عمر بن عبد العزيز t إلى الأجناد اخلولقوا واخشوشنوا أي البسوا الخلقان والخشن من الثياب...
5- أن يتقرب بإراقة دم وإن لم يكن واجبًا عليه ويجتهد أن يكون من سمين النعم وأن يأكل منه إن كان تطوعًا، ولا يأكل منه، إن كان واجبا.
ولنعلم أنه ليس المقصود من ذلك اللحم بل يراد تزكية النفس عن الشح: ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ﴾ (الحج: ۳۷).
6- أن يكون طيب النفس بما أنفقه من نفقة وهدي فإن ذلك من دلائل قبول حجه.
ويقال إن من علامة قبول الحج ترك ما اعتاد عليه من المعاصي وأن يميل قلبه إلى مجالس الذكر وينفر قلبه من مجالس الغفلة وأن يهوى قلبه إخوان الصلاح ويبتعد عن أصدقاء السوء.
■ من مواسم الخير:
إن من فضل الله ومنته أن جعل لعباده مواسم يستكثرون فيها من العمل الصالح، ومن أعظم هذه المواسم وأجلها أيام عشر ذي الحجة، وقد ورد في فضلها أدلة من الكتاب والسنة منها: قوله تعالى: ﴿والفجر وليال عشر ﴾ (الفجر) قال ابن كثير رحمه الله: المراد بها عشر ذي الحجة وقوله: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ﴾(البقرة: 203) قال ابن عباس أيام العشر.
وعن ابن عمر y قال رسول الله r «ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» (رواه الطبري).
ما يستحب فعله في هذه الأيام العشر:
الصلاة يستحب التبكير إلى الفرائض والإكثار من النوافل فإن ذلك من أفضل القربات فعن ثوبان t قال: سمعت رسول الله يقول: «عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك بها إليه درجة وحط بها عنك خطيئة» (رواه مسلم) وهذا عام في كل وقت.
الصيام: وذلك لدخوله في الأعمال الصالحة. فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي قالت: «كان رسول الله r يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر» (رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي).
التكبير والتهليل والتحميد لما ورد في حديث ابن عمر السابق فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد.
صيام يوم عرفة: ويتأكد صيام يوم عرفة لغير الحاج، لما ثبت عن النبي r أنه قال عن صيام عن يوم عرفة «احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (رواه مسلم).
فضل يوم النحر: يغفل عن ذلك اليوم العظيم كثير من المسلمين، مع أن بعض العلماء يرى أنه أفضل أيام السنة على الإطلاق حتى من يوم عرفة يوم قال ابن قيم رحمه الله: «خير الأيام عند الله النحر وهو يوم الحج الأكبر» كما في سنن أبي داود.
وعن النبي r: أن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر، ويوم القر هو يوم الاستقرار في منى وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وقيل يوم عرفة أفضل منه لأن صيامه يكفر سنتين فحري بالمسلم اللبيب أن يستقبل هذه المواسم بالتوبة الصادقة النصوح وبالإقلاع عن الذنوب والمعاصي والندم على ما فات منها. تقبل الله مني ومنكم صالح الأقوال والأعمال إنه سميع مجيب الدعاء.
عبد الله بن عبد العزيز الشتري
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل