العنوان وفاة د. مهندس مصطفى مؤمن. من الرعيل الأول للإخوان المسلمين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005
مشاهدات 110
نشر في العدد 1637
نشر في الصفحة 42
السبت 05-فبراير-2005
توفى في مدينة أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة يوم الأربعاء ١٦ من ذي الحجة ١٤٢٥هـ الموافق 26/١/2005م الدكتور مصطفى مؤمن.. وقد شيعت الجنازة في مدينة أبو ظبي حيث تم دفنه. وهو من الرعيل الأول للحركة الإسلامية في مصر (الإخوان المسلمين) وقد نعاه الأستاذ عز الدين إبراهيم المفكر الإسلامي والتربوي المعاصر الذي يعد من رفقاء درب الفقيد.
وقد اتصلت المجتمع بالدكتور عز الدين إبراهيم فتحدث عن الفقيد رحمه الله بما يلي: حينما نعيت الأخ العزيز الدكتور مهندس مصطفى مؤمن رحمه الله رحمة واسعة، شعرت بأننا -مصريين وعربًا ومسلمين- فقدنا علمًا من أعلام الحرية والوطنية والنضال السياسي والاستقامة الشخصية والتقوى الدينية والعمل الدؤوب لخدمة المسلمين، وفي الوقت نفسه أحسست بأن موته بعيدًا عن بلاده التي نشأ فيها وعن أصدقائه ومعارفه الذين يعرفون تاريخه وفضله قد غيب عن الناس تاريخه المجيد المؤثر -وإنني أشكر لمجلة المجتمع الغراء حرصها على تعريف من لا يعرف بحجم الخسارة التي سببها غيابه, وإن كنا جميعًا متجهين إلى نفس الخاتمة- وعلى سبيل التعريف المختصر فإن الدكتور مهندس مصطفى مؤمن قد ولد في مصر عام ١٩٢٢م وأتم دراسته الهندسية في كلية الهندسة بجامعة القاهرة, وظهر نبوغه في فن الهندسة حتى وهو طالب, إذ نال جوائز عديدة مصرية وعالمية وكان اشتراكه فيها تعبيرًا عن ميوله الهندسية وإلا فإن اهتماماته العامة كانت تتركز في عمله السياسي القوي في قيادة الشباب في الجامعة المصرية بعد الحرب العالمية الثانية لتعزيز حركة المطالبة بالاستقلال عن الاستعمار الإنجليزي, وتعزيز حركة التوحيد الوطني بالمناداة بضرورة الوحدة الوطنية من أجل إنجاح قضية الاستقلال، وفي سبيل هذا الهدف كانت له في الجامعة خطب ومحاضرات وقيادة مظاهرات وطنية لا ينسى الناس منها المظاهرة الشهيرة التي حملت اسم (كوبري عباس) وقد كنت حاضرًا في هذه المظاهرة, حيث كنت طالبًا في كلية الآداب المواجهة لكلية الهندسة, وخرجت أعداد كثيفة من طلاب الجامعة متجهة إلى ميدان الجيزة بنية العبور من فوق كوبري عباس للاتجاه إلى الأماكن التي اعتاد المتظاهرون أن ينهوا مظاهراتهم عندها, وهي رئاسة الوزراء أو وزارة التربية والتعليم أو ميدان عابدين، وكانت المظاهرة سلمية مائة في المائة لكننا فوجئنا بعد وصولنا إلى منتصف كوبري عباس بفتح الكوبري بغية منع المتظاهرين من الخروج من منطقة الجيزة، وكان على المتظاهرين أن يعودوا من حيث أتوا لاستحالة التقدم, وهنا وقعت المهزلة التي لم أفهمها حتى الآن وهي وجود قوات كثيفة من الشرطة فتحت فيما بينها ممرات ضيقة ليخرج الطلاب منها وحينئذ وقعت عليهم ضربات الهراوات على طول عشرة أمتار, وأذكر أنني فقدت نظارتي وتعثرت قدماي وأصابني ما أصاب غيري من الضربات, وإن كان بعض الطلاب قد عانوا أكثر وأوذوا أكثر بحكم إصاباتهم في رؤوسهم، أما مصطفى نفسه فقد اعتقل كما اعتقل مئات الطلاب, وأذكر أن الهتافات كانت لا تتجاوز هتافين الاتحاد الاتحاد يا زعماء البلاد، والثاني الجلاء بالدماء!
واستمر مصطفى مؤمن في نضاله السياسي, ويذكر الناس له أنه حينما عرضت قضية مصر على مجلس الأمن باعتبار أنها نزاع سياسي بين دولتين, سافر على نفقته الخاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومقر مجلس الأمن، وحينما كانت القضية تناقش وقف من شرفة الزوار داخل مجلس الأمن, وبدأ يخطب باللغة الإنجليزية بجمل قصيرة متتابعة تلخص القضية إلى أن تمكن الحراس من زحزحته وإخراجه من مبنى مجلس الأمن, والقصة طبعًا فيها من الرمز أكثر مما فيها من نضال واقعي لكن هذا الرمز نفسه كان مؤثرًا جدًّا؛ لأن وكالات الأنباء نقلته إلى جميع أنحاء العالم كما أن الشباب في مصر قد تأثروا بها كثيرًا.. واستخدم مصطفى مؤمن هذه الشهرة فيما بعد في متابعة العمل الوطني المركز على قضية الاستقلال والجلاء, ولكن هذا الجانب السياسي لا يمثل شخصية الرجل في مجموعها, لأنه كان بالدرجة الأولى من رجال الفكر الإسلامي المعتدل المستنير الذي تزعمه الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله-
وتلك كانت قضيته الأولى والمركزية.. أما العمل الوطني، ورغم ظهوره بشكل واضح في حياته فإنما كان عنده جزءًا من التزامه الإسلامي، وكل مؤمن بالإسلام في أي مكان لا يقبل لبلاده الهوان, وعليه إذا اعتدي على وطنه أن يبذل كل غال ورخيص لتحريره وعمله حينئذ هو جهاد في سبيل الله. وعلى ذكر الجانب الإسلامي في حياته فإنني أشهد أنه كان رجلًا تقيًّا متعبدًا كثير الصلاة والصيام لفروضه ونوافله, ولا أذكر أنني لقيته يوم اثنين أو يوم خميس إلا وجدته صائمًا.
وما أذن للصلاة لأية فريضة إلا هرول إلى المسجد فإن لم يستطع دعا من معه لصلاة الجماعة.
وقد زرته مرات بعد تخرجه من كلية الهندسة في مكتبه بوزارة الأشغال وكان مجرد مهندس مبتدئ.. فما حانت صلاة الظهر في أي وقت إلا حول مكتبه إلى مصلى لإقامة صلاة الظهر بجماعة مع من حوله من زملائه أو مراجعيه.
ومن هذه المنطلقات: التقى الشخصي، والالتزام بالدعوة الإسلامية، والنضال من أجل قضية الاستقلال والتحرير تتكون ملامح هذا الفقيد الجليل الذي ينبغي أن يتذكره كل مهتم بهذه الجوانب الثلاثة التي ذكرتها.
أما إنجازاته الهندسية فكثيرة ومرموقة، وكانت عائلته كلها تقريبًا مهندسين, فأخوه الأكبر فهمي هو واضع تصميم الحرم النبوي في المدينة واشترك معه مصطفى في ذلك كما اشترك في تصميمات الحرم المكي, وأخواه الآخران جلال وعطية مهندسان أيضًا, وأبناؤه محمد وحسن وياسر كلهم مهندسون.. فالهندسة كانت هوايته كما كانت مصدر رزقه, لكن أداءه فيها كان الأداء المتميز الذي يجعل عمله الهندسي من باب الإنجازات التي تسجل له بكل تقدير.
ذكرت كل ما سبق من باب الشهادة.. لأن من أفضل صور الترحم على الموتى الصالحين أن يشهد لهم من يعرف بمناقبهم الحسنة استنادًا إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي الأسود وعن أنس في رواية أخرى أن جنازة قد مرت فأثنى الناس عليها خيرًا فقال النبي: وجبت ثم مرت جنازة ثانية فأثنى الناس عليها شرًّا أي عابوا صاحبها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت ... فقال عمر بن الخطاب ما وجبت يا رسول الله؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة, وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار.. أنتم شهداء الله في الأرض». وهذا ما أعنيه بالشهادة.
رحم الله مصطفى مؤمن وأسكنه الجنة وجعله منها في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل