; وقفات مع اليسار الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان وقفات مع اليسار الإسلامي

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989

مشاهدات 77

نشر في العدد 905

نشر في الصفحة 38

السبت 18-فبراير-1989

اليسار الإسلامي ومذاهب وحدة الوجود، واتحاد الله مع الإنسان والطبيعة والعالم.

* ماذا يعني الادعاء بأن مادية الغرب هي أقرب للروح وإلى الفكر الصحيح؟

* لا توجد عقيدة في الدنيا أشد مخالفة لشرعة الإسلام وعقيدة التوحيد مما يطرحه فيلسوف اليسار الإسلامي.

* دعوة إلحادية لمساواة الله بالإنسان ومساواة الإنسان بالله.

* الدكتور حنفي يروج لفكرة اتحاد الله بالإنسان، وذلك على لسانه أو لسان الفلاسفة الذين تعلم منهم.

أخي القارئ الكريم:

  عرفنا في الحلقات الماضية كيف أن الدكتور حسن حنفي ينظر إلى تراثنا القديم بعين أوروبية وبعقلية أوروبية ومنهج أوروبي، وأنه لا يعمل حقيقة على إحياء التراث، ثم تابعنا في الحلقة الماضية تعاليم هذا اليسار، ثم اليسار وفلاسفة التنوير، ومهاجمة اليسار للنبوات والمعجزات، ونتابع في هذه الوقفة مع اليسار الإسلامي مذاهب وحدة الوجود، واتحاد الله مع الإنسان والطبيعة والعالم.

  المسلمون في مصر مصابون بازدواجية الشخصية؛ بسبب تفكيرهم الديني الموروث، هكذا تقول مقالة الدكتور حسن حنفي التي طرحها في أواخر الستينات، تحمل المقالة عنوان: «التفكير الديني وازدواجية الشخصية الفكر المعاصر أبريل ١٩٦٩ ص ١٥٨»، وهي ازدواجية لا يدركها إلا المثقفون، أما الناس أنفسهم فلا يدرون عنها شيئًا، يقول الدكتور في ص (٦٨) وأخيرًا قد يقال إن إرجاع ازدواجية الشخصية إلى ثنائية تفكيرنا الديني الموروث شيء لا يدركه إلا المثقفون، فما بال الجمهور الذي لا يدري عن هذه الثنائية الحضارية؟

  وقد اعتذر الدكتور في صدر مقالته بأنه لا يرجع اتهامه هذا إلى الإسلام، بل إلى النمط التقليدي للتفكير الديني القائم على ثنائية الله والعالم، والجنة والنار، والملاك والشيطان، والثواب والعقاب...إلخ.

  واتبع الدكتور في تحليله للشخصية المصرية المنهج الوصفي المعروف في الغرب بالمنهج الفينومينولوجي الذي يقوم على إرجاع الظاهرة إلى أساسها في الشعور كتجربة معاشة تحكمها أصول فكرية.

  وفي هذا تأكيد آخر على أن الدكتور ينظر إلى كل شيء، ويحلل كل شيء سواء أكان الشخصية المصرية، أو التفكير الديني، أو غير ذلك بعين أوروبية وبعقلية أوروبية وبمنهج أوروبي.

الإكثار من الأمثلة العامية:

  وقد أكثر «الدكتور» في تحليله من استخدام الأمثلة العامية؛ لكي يبين كيف يتطابق التراث القديم مع التجربة المعاشة، ومن هذه الأمثلة التي استخدمها الدكتور مين يقرأ؟ ومين يسمع؟ عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة، ابن آدم في التفكير والرب في التدبير، من حبه ربه واختاره جاب له رزقه على باب داره، تجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش، يا هارب من قضايا ما لك رب سوايا، الغيرة مرة والصبر على الله، في البحر ملوخية، مين يقدر يقول يا غوله عينك حمرة؟ زي الطاووس يتعاجب بريشه...إلخ.

  مثل واحد بحثنا عنه في قائمة الأمثلة التي استخدمها الدكتور ولم نجده؛ ربما يعود ذلك إلى ازدواجيته المصرية السودانية، يقول هذا المثل إلا بريدك ولا بأقدر بلاك؛ أي أني لا أريدك لكني لا أستطيع العيش بدونك، ففي تصورنا أن هذا المثل يعبر تعبيرًا حقيقيًا عن هذه الازدواجية في الشخصية التي هي من خصوصية الدكتور ذاته.

  لا يقصد «الدكتور» بازدواجية الشخصية هذا الانفصام في الشخصية الذي يدرسه علم النفس المرضى، وإنما يقصد به وجود الشعور في أحد المستويات والسلوك الفعلى على مستوى آخر، وهو نفس ما يعايشه «الدكتور»، يهاجم الثقافة الغربية، بل ويتحداها، وما من كلمة في مقالاته إلا وتركع تحت أقدام هذه الثقافة، يبرر لها أخطاءها، وإن إعترفت بالخطأ، ويحسن لها عيوبها، ويعتبر محاسننا عيوبًا من أجلها، ولا يجد والدكتور سبيلًا إلى التطهر إلا عبر قناة هذه الثقافة.

  في أوائل السبعينات كان «الدكتور» قد طالب بإرجاع الأفكار والمذاهب الغربية إلى واقعها الخاص، أو اعتبارها نماذج سابقة في حضارة أخرى كتجربة إنسانية تعرف ولا تنقل، وفي منتصف الثمانينات اعتبر «الدكتور» أن الغرب لا يزال يمثل التحدي الأكبر لنا ليس فقط عسكريًا واقتصاديًا، بل وثقافيًا وحضاريًا، وأنه يكفينا في جيلنا التخلص من آثاره وتحجيمه ورده داخل حدوده، واقتفاء بآثار «الدكتور» في استخدام الأمثلة يحضرنا هنا المثل الشعبي المشهور «الدكتور» أسمع كلامك يعجبني، أشوف أمورك أستعجب»؛ لأن البحث في عمل واحد من أعمال الدكتور يهدم كل ما يقول.

مساواة الانسان بالله:

  في مقالة الاغتراب الديني عند فيورباخ يعلم الدكتور تمامًا أنه يدعو إلى مساواة الله بالإنسان، ومساواة الإنسان بالله، والقضاء على كل تعارض بين ما هو إلهي، وما هو إنساني، -تعالى- الله عما يقولون، لذلك فإنه تخفيفًا من حدة ووطأة ذلك على القارئ المسلم صدر مقاله بقوله «ليس في هذا المقال ما يمس ديننا الحنيف، بل هو دراسة للمسيحية واليهودية والوثنية؛ أي للأديان السابقة على الإسلام، وليس لخاتم الأديان».

  ويدور المقال حول محاولة «فيورباخ» إعادة بناء الدين المسيحي إلى الموقف الإنساني، وإعادة ملكوت السماوات إلى ملكوت الأرض.

  ومعنى هذا أن الإسلام ليس له شأن بهذه المحاولة، ولكن حينما يقول الدكتور إن نفس محاولة «فيورباخ» هذه حاولها الإسلام منذ ثلاثة عشر قرنًا، ويؤكد بأن الفلسفة الغربية كلها منذ الإصلاح الديني وفلسفة التنوير ما هي إلا محاولة للاقتران من إنسانية الإسلام، ثم يتراجع قائلًا بأن سهام فيور باخ موجهة إلى الدين قبل أن يكتمل، وليس بعد اكتماله وتحققه، ثم يستشهد بقوله -تعالى- ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 3)، يكون كل ذلك مغالطة لا تنطلي إلا على الحمقى والسذج؛ لأن كل ما يتضمنه المقال إنما هو حسرة وأسى على أن فكرنا العربي قد قفز من مرحلة إلى مرحلة دون أن يمر بمرحلة «فيورباخ».

هل هؤلاء إسلاميون؟

  يتأسى «الدكتور» في هذا المقال على أن الفكر العربي قد قفز من هيجل إلى ماركس أن يمر بفيورباخ، أو بمعنى أصح دون أن يتطهر بفيورباخ الذي يمثل مرحلة التحول من الفكر إلى الوقاع، يتأسى «الدكتور»؛ لأن هذه المرحلة وهي مرحلة نقد الدين لم يمر بها فكرنا العربي المعاصر، وقد سعد «الدكتور» باكتشافه هذه المرحلة التي اعتبرها الحلقة المفقودة في تطورنا، والتي لا تتم نهضتنا وازدهارنا إلا بمرورنا بها، وينعي «الدكتور» على أن فكرنا العربي المعاصر أنه كان يتأرجح هيجل وماركس دون الانتقال من أحدهما إلى الآخر على نحو طبيعي، فيقول في ص (٤٢ – ٤٣) لذلك لم نصبح هيجلين ولا ماركسيين، وأصبح الاختيار بينهما عشوائيًا صرفًا، يتم عن طريق المزاج والتربية لقضية كلها عند «الدكتور» هي كيف تنتقل من هيجل إلى ماركس على نحو طبيعي بالمرور على قناة فيورباخ؟ ويدعون بعد ذلك أنهم إسلاميون.

  كان يجب على فكرنا العربي المعاصر أن ينقد دينه وتراثه حتى يكون انتقاله إلى ماركس انتقالًا طبيعيًا، إن عدم نقد الدين في نظر «الدكتور» تشبيه، وحرفية، وضيق أفق، وتعصيب.

  وكان على علمائنا وفقهائنا أن ينقدوا القرآن وأصول الدين، مثلما فعل الغرب في نقده للتوراة والإنجيل، والتي بين ما فيها من زيف، ووضع، وتبديل، وتحريف بالاعتماد على قواعد المنهج التاريخي.

  ولقد أعجب «الدكتور» بنقد علمائنا، مثل: الشيخ ابن تيمية للمنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية، لكن الذي لم يعجبه هو «أن هذا النقد لم يشمل الأصول ذاتها»، فوقع علماؤنا -كما يقول الدكتور في «التشبيه والحرفية وضيق الأفق والتعصب» الدكتور يريدها حركة إصلاحية تعلي من شأن العقل؛ حتى لا يظل هذا العقل -كما يقول الدكتور تحت- وصاية النبي -صلى الله عليه وسلم-، يريدون تطبيق ما أوحى به إليهم «فولتير» وأسبينوزاه على الكتاب والسنة، ثم يدعون بعد ذلك أنهم إسلاميون.

أي أثر تنويري هذا؟

  كان يجب على فكرنا العربي المعاصر --كما يرى «الدكتور» أن يتطهر عبر «فيورباخ»، هذا التطهر هو الذي سيحدث ما يسميه «الدكتور» بالأثر التنويري في أذهان الناس، ولا يتم انتقال مجتمعاتنا من القديم؛ «أي الدين» من التسليم؛ «أي الدين أيضًا» إلى الجديد وإلى التفكير؛ «أي العقل»، إلا بهذا التنوير.

  مع أن «الدكتور» يعترف في مقالته عن «ماكسيم رودنسون» بأن الإسلام دين العقل والتنوير عند الدكتور -كما قلنا من قبل- شرط للتنوير.

  يقول «الدكتور» في مقالته. عن «فيورباخ» في ص (٤٣) كان فيورباخ على ما يقول ماركس «قناة النار» كما يدل عليه اشتقاق الاسم FEUR FEURACH نار وBACH - قناة.

  ولنقرأ هذه الجملة جيدًا «وقناة يتطهر من خلالها كل فيلسوف يريد الانتقال من المثالية إلى الواقعية، ولكن للأسف انتقل البعض إلى الماركسية دون أن يتطهر عبر قناة النار».

التطهير عبر قناة النار:

  ولكن كيف يتم التطهير عبر قناة النار هذه؟ في هذه القناة يتحول الله -تعالى- إلى إنسان، والإنسان يتحول إلى الله، وتكون الصفات الإلهية صفات إنسانية.

  وحينها يصبح الإنسان هو الله، فإن الإنسان حينما يتحدث عن الله يكون يتحدث عن نفسه، ويكون وعيه بالله هو وعيه بذاته.

  سينصهر في هذه القناة ما هو إلهي مع ما هو إنساني، فيصبح التعارض بين الإلهي والإنساني وهم، وستكون صفات الله -كالحكيم الخبير مثلًا- هي صفات الإنسان، ويكون يقين الإنسان بصفات الله هو يقينه بصفاته هو، وليس بصفات ذات الله، إذا آمن الإنسان بأن الله موجود، فإن هذا لا يعني أن ذات الله توجد حقًا، وإنما يعني أنه يؤمن أنه هو نفسه؛ أي الإنسان موجود.

  يقول «الدكتور» في ص (٥١، 52) الوعي بالله إذن هو وعي الإنسان بذاته، ومعرفة الله هي معرفة الإنسان ذاته.

  ابدأ من الله تعرف نفسك، والعكس صحيح، كلاهما واحد، إن الله بالنسبة للإنسان هو روحه ونفسه الإنسان، بالنسبة إلى نفسه هو الروح، والنفس، والقلب.

  الله هو الداخلية التي تظهر في الإنسان، والدين هو ظهور كنوز الإنسان، وقد لا يعي الإنسان أن وعيه بالله هو وعيه بذاته؛ ولذلك يمكن القول بأن الدين هو وعي الإنسان بذاته على نحو مباشر، التعارض بين الإلهي والإنساني مجرد وهم، الوجود الإلهي ليس إلا ماهية الإنسان مستقلة عن حدود الإنسان الواقعي المجسم، الصفات الإلهية إذن إنسانية، وعدم الاعتراف بذلك شك وعدم اعتقاد، بل جبن، وضعف، وخنوع.

  فإذا كانت الصفات إنسانية فالذات إنسانية، يجعل الإنسان الحب صفة لله؛ لأنه يحب ويتصوره الإنسان حكيها خيرًا، لأن الإنسان يتصور الحكمة والخير أسمى ما فيه.

  ويعتقد أن الله موجود لأنه يوجد «أي الإنسان»، وفي ص (٥٣) يقول الدكتور إن يقين الإنسان بوجود الله هو يقينه بوجود ذاته، وليس يقينه بوجود ذاته، وليس يقينه بوجود ذات الله، كما أن يقين الإنسان بصفاته وليس يقينه بصفات الله، فهو يقين غير مباشر، فالله هو ماهية الإنسان المدرك كحقيقة عظمى، الشك في الله إذن شك في الذات، ليس الله مضمونًا خاصًا، ولا يوجد في الدين إلا ما يوجد في الإنسان في وعيه بذاته ووعيه بالعالم.

  هذا ما حاوله «فيورباخ» من إعادة الدين المسيحي إلى الموقف الإنساني، فهل حاول الإسلام ذلك منذ ثلاثة عشر قرنًا كما يدعي الدكتور؟ وكيف يقول الدكتور إن ما جاء في مقالته لا يمس ديننا الحنيف، وهو ينعي على فكرنا المعاصر أنه لم يمر بهذه المرحلة الانتقالية مرحلة التطهر عبر قناة فيورباخ، وتحويل الله إلى إنسان، والإسان إلى الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.

  ويتبنى «الدكتور» شخصيًا فكرة اتحاد الله بالإنسان، وروج الدكتور لهذه الفكرة مرارًا، تارة في مقولات سبينوزاه عن وحدة الوجود، وتارة أخرى في مقولات فلاسفته عن اتحاد الله بالطبيعة.

  وقد عرض «الدكتور» لهذه الفكرة إما على لسانه هو ذاته، أو على لسان الفلاسفة الذين تعلم منهم.

اتحاد الخلق بالحق:

  ولنقرأ هذه العبارة جيدًا التي وردت في مقالته: «متى تموت الفلسفة وتحيا ص (٨٦٦)، يقول الدكتور الذي يقيلنا من عثرتنا في حياتنا المعاصرة هو طريق ارتفاع الخلق إلى الخالق واتحاد الخلق بالحق وفناء الإنسان، واتحاده مع الله، ورفض الدكتور في مقالته عن ازدواجية الشخصية ما يسميه بالثنائية التقليدية الله والعالم، الجنة والنار...إلخ.

  وفي مقالته عن هوسرل «فينومينولوجيا الدين» يشرح فيقول عنها إنها استطاعت التخلص من هذا الدين الرسمي القائم بكهنونته ومؤسساته وطقوسه وشعائره واللاهوت، وذلك باعتبار الله جوهر مطلقًا، والتوحيد بين الله والعالم.

  وكما أوضحنا في وقفتنا عن الروافد اليهودية في فكر الدكتور حسن حنفي أنه لا يعرض الآراء سبينوزا فقط، بل يقف منها موقف التأييد والتأكد والتصديق، فإننا نعرض هنا بعضًا من آراء سبينوزا في هذه القضية في ص (٣٦) من ترجمة الدكتور لرسالة سبينوزا، ويتم تحقيق الوحدة بين الفكر والواقع، أو بين الروح والطبيعة، وإن شئنا بين الله والعالم في ص (١٤٤)؛ لأن قدرة الله هي قدرة الطبيعة، وصفات الله هي قوانين الطبيعة في ص (٦٧) فصفات الله هي قوانين الطبيعة، بل إن الله هو الطبيعة، الله هو الطبيعة الطابعة، وهو الطبيعة المطبوعة في ص (۸۰)، وبذلك يكون الله في الإنسان، والإنسان في الله في ص (١٤٣)، بل إنه لما كانت قدرة الطبيعة هي ذاتها قدرة الله، ويعني «الدكتور» بالطبيعة في معناها التقليدي والمعتاد كما جاء في حاشية ص (٨٦) من الترجمة: بأنها تعني العقل، وتعني الشهوات والأهواء والانفعال، وتعني الطبيعة أيضًا الفطرة، ويقول «الدكتور» إن هذه الطبيعة -بشهواتها وانفعالاتها- تتفق مع العقل ومع الفطرة، وإن العيش وفقًا للطبيعة يعني وفقًا للعقل.

  كل هذه المفاهيم المغلوطة المشوهة التي ساوى فيها «الدكتور» بين الطبيعة والفطرة والعقل والشهوات- أقر «الدكتور» بأنه تعلمها من سبينوزا و«هيجل» «والرواقيون» كما جاء على لسانه في ص (٨٦).

  هذه هي الطبيعة التي يجعلونها متحدة مع الله، ويدعون بعد ذلك أنهم مسلمون، وفي موقع آخر يناقض «الدكتور» ما تعلمه بقول آخر فيقول إنه بعد أن استنار العقل اكتشف الطبيعة المادية، وأن هذه الطبيعة لم تعد دليلًا على الخالق، بل إنها أصبحت كونًا له نظامه الذاتي المستقل، ولم تعد تسبح باسم ربها الذي يطلق عليه الروح الأعظم، وإنما أصبحت تدرك بالحواس.

تناقض مذهل:

  هذه نتيجة ما تعلمه «الدكتور» من الغرب -كما اعترف في المقالة التي أشرنا إليها في الوقفة الأولى- معلومات تناقض بعضها بعضًا، وتلغي بعضها بعضًا.

  لكن «الدكتور» يصر على أن يرفض كل فكر يوصله إلى الله طالما أنه فكر ديني لاهوتي، فقد علم «الدكتور» أن هناك اتجاهًا دينيًا في الغرب يرى أن الطبيعة خير موصل إلى الله، رفض الدكتور هذا الاتجاه ووصفه بأنه لاهوتي صرف، مازال يود تبرير القديم باستعمال الجديدة.

المادية الغربية هي الروح:

  وقد وصل هيام «الدكتور» بالثقافة الغربية إلى أنه اعتبر كل ما اعتبره الغرب «مادة» أنه هو «الروح»، وأن الروح التي كان تعلمها في ثقافته الأولى هي مقولة زائفة؛ وذلك لأن الغرب قد اكتشف زيفها، وأن الغرب قد عرف معنى التجسد الحقيقي حينما آثر اتحاد الطبيعية بالروح، فالروح عند الدكتور هي الطبيعة، والطبيعة هي الروح.

  وهذه كلمات ننقلها بالحرف الواحد كما جاءت في مقالته عن ثقافتنا المعاصرة ص (١٥٣) ولو دققنا النظر فيها يعنيه لفظا «روح» و«مادة» لوجدنا أن كل ما يصفه الغرب بأنه مادي هو أقرب للروح وإلى الفكر الصحيح.

  وكما قلنا من قبل فإن الدكتور يقرن الإسلام بفلسفة التنوير، ويرفض أي انتقاد يوجه إليها؛ لأنها كما يرى «الدكتور» إلى تنوير العقول وتطهير الأذهان من الخرافات والعقائد الزائفة، ولنقرأ ما يقوله الدكتور عن فلسفة التنوير تلك التي يقرنها بالإسلام كما جاء في ص (۳۷) من مقاله عن الأفغاني: «لقد نشأ الاتجاه الطبيعي في الفلسفة الحديثة ثورة على الاتجاهات الروحية التي هي في حقيقتها مادية مقنعة، استطاع فلاسفة التنوير الجمع بين الله والعالم، وبين الوحي والطبيعة والطبيعة البشرية، أو بين العقل والحس، وكانت الطبيعة هي الوحي الشامل لكل ذلك».

يتبع

الرابط المختصر :