; وقفات مع حسين أحمد أمين (2) البيان رقم (10) وقضية تطبيق الشريعة | مجلة المجتمع

العنوان وقفات مع حسين أحمد أمين (2) البيان رقم (10) وقضية تطبيق الشريعة

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 913

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 18-أبريل-1989

أعداء الإسلام يرتعدون من تولي الإسلاميين مقاليد الأمور في البلاد ولا يهمهم لو خطط الأقباط لذلك

أوصانا ديننا بمعاملة الذمي معاملة حسنة وأن ترفق به ونقوم بحياته وحماية ماله وعرضه وأن نضمن له قوته ومسكنه وكسوته.

 

عرضنا في المقالة الأولى بعضًا من تفاصيل السيناريو الذي كتبه (حسين أحمد أمين) ابن (الأستاذ أحمد أمين) متخيلًا فيه ما الذي يمكن أن يحدث لو استولى الإسلاميون على مقدرات الأمور في البلاد، ثم عرضنا لدراسة وتحليل الأستاذ اليهودي (سيفان) عن مدى تصوره لمطابقة تكهنات هذا الكاتب مع ما توصل إليه من دراسات في مؤلفات الإسلاميين، ونستكمل في هذه المقالة تصورات (حسين أمين) و(سيفان) لموقف الإسلاميين من المرأة، وغير المسلمين، ثم موقفهما من الشريعة الإسلامية التي يرى (سيفان) أنها العمود الفقري في حركة الإسلاميين التي يصر على اعتبارها أسطورة يجب نقدها وبيان زيفها.

·       ضرر مزعوم

تصور (حسين أحمد أمين) في سيناريو البيان رقم (10) أنه لو نجح الإسلاميون في تولي مقاليد الأمور في البلاد فإن ضررًا جسيمًا سيلحق بفئتين من فئات المجتمع، هما: (المرأة) و(غير المسلمين) الذي يقصد بهم الأقباط.

النساء -كما تصور هذا الدبلوماسي- سيفقدن حقوقهن السياسية، وكذلك حقوق العمل، وسيتفرغن لرعاية الأطفال؛ بحجة عدم التعرض للغواية والأذى، وهذا في نظر الإسلاميين -كما يرى الكاتب- أفضل، حتى لو ترتب عليه انخفاض الإنتاج نتيجة لاستبعادهن من قطاعات العمل، كما سيحرص النظام الجديد على عدم استخدام النساء للمواصلات العامة، أو السير في الشوارع الرئيسية، أو المناطق المزدحمة.

وأيد الأستاذ اليهودي (سيفان) هذه النتيجة التي توصل إليها هذا الكاتب، فقال إن المرأة ستحتل بعد تطبيق الشريعة مكانة أدنى من الرجل، وأن الشريعة ترى أن مكان المرأة هو المنزل، وأن مهمتها هي إنجاب الأطفال وتنشئتهم، واختلف (سيفان) عن هذا الكاتب في قوله إن النظام الجديد يمكن أن يعطي المرأة حق التصويت وحق العمل، لكنه لا يشجعها على ذلك.

الإسلام والمرأة

وحقيقة الأمر مهما تصور هذا الدبلوماسي وذاك اليهودي هو أن الإسلام يعطي للمرأة ما يعطي للرجل من حقوق، ويفرض عليها ما يفرض على الرجل من واجبات، إلا ما خصتها الشريعة به، وخص الرجل به بالأدلة الشرعية، فلها الحق في أن تزاول التجارة والزراعة والصناعة، وأن تتولى العقود والمعاملات، وأن تملك كل أنواع الملك، وتنمي أموالها بنفسها وبغيرها، والأصل في المرأة أنها أم وربة بيت، وعرض يجب أن يصان، وأن الأصل هو انفصال الرجال عن النساء، ولا يجتمعون إلا لحاجة يقرها الشرع كالبيع، ويقر الاجتماع من أجلها كالحج، وأنه لا يجوز للمرأة الخلوة بغير محرم، ولا يجوز لها التبرج وكشف العورة أمام الأجانب، ومن المفروض أن تمنع -كما يمنع الرجل أيضًا- من مباشرة أي عمل فيه خطر على الأخلاق أو فساد في المجتمع إذا كان مندرجًا تحت حكم من الأحكام الشرعية، أما قوامة الرجل على المرأة فهي قوامة رعاية، لا قوامة حكم، وفرض الإسلام على المرأة الطاعة، وفرض على الرجل نفقتها حسب المعروف لمثلها.

ويمكن للمرأة أن تعين في وظائف الدولة؛ لأن دليل الإجارة جاء عامًا، وفي الحقوق السياسية فإن الشورى ثابتة بالدليل العام، كما في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: 159)، ويؤخذ رأي المرأة سواء في السياسة وغيرها فقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم رأي أم سلمة حينما امتنع المسلمون عن الحلق والتقصير، وللمرأة أن تنتخب رئيس الدولة، وأن تبايعه لما جاء في قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) (الممتحنة: 12)، إلا أنه لا يجوز أن تتولى المرأة الحكم، أو أي عمل من أعمال الحكم لقوله صلى الله عليه وسلم حينما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى: «لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة».

مقارنة

وإذا قارنا حقوق المرأة في الإسلام وكذلك النظرة إليها بما جاءت به نتائج البحوث الغربية الحديثة ليتبين لنا أن هناك فارقًا شائعًا تكشفه هذه النتائج.

في الكتاب الذي ألفه (جوزيف جوليان، وويليام كورنبلوم) عام 1983م بعنوان «Social Problems» قال المؤلفان: «إن ثقافتنا الأمريكية تسودها مفاهيم مقولبة تنظر بمقتضاها إلى المرأة على أنها موضوع للجنس» (ص 323)، «وإن النساء يمتهن بصورة شاملة المهن ذات المكانة الدنيا، وإنهن يتقاضين أجورًا أقل من أجور الرجال» (ص 323 – 324)، وعن حقوقهن القانونية يقول المؤلفان: «إن القانون الفيدرالي الأمريكي يحمل تاريخًا طويلًا من التمييز ضد المرأة) (ص 335)، «وما زالت الكثير من قوانيننا تقف ضد المرأة، وتعزز التعصب ضدها» (ص 324)، «وإن التمييز الاقتصادي ضد المرأة هو الذي عزز انخفاض مكانتها» (ص 325).

وعن موقف الرجال الأمريكيين من المرأة الأمريكية يشير المؤلفان إلى دراسة (جولد) في عام 1974م و1975م التي توصلت إلى أن الرجال يشعرون بأنهم مجبرون على محاولة السيطرة على المرأة بدلًا من النظر إليها على أنها مساوية لهم ص (326).

وعلى الرغم من كل ما يقال عما يسمى بالحرية الممنوحة للمرأة الغربية فإن وجهة النظر الأمريكية التقليدية -كما يقول المؤلفان- تعزز القاعدة التي تقول إن الأصل في المرأة أنها أم وربة بيت، وأن هذا هو دورها الأساسي (ص 331)، ويشير المؤلفان إلى دراسة (شافتن) التي بينت أن أفضل وظائف المرأة هي أن تكون أم وربة بيت، كما أشار إلى دراسة (أنتوني سميت) في عام 1977م التي كشفت عن أن النساء.

الأمريكيات قد أصبحن أكثر قبولًا من ذي قبل لخصائصهن النسوية وأصبحن ينظرن إلى ما يتصوره المجتمع على أنه مواطن ضعف فيهن على أنه من مواطن القوة. من (ص 322).

غير المسلمين

والفئة الثانية التي يرى «ابن الأستاذ أحمد أمين» أنها ستفقد مكانتها بعد تطبيق الشريعة في قلة غير المسلمين الذين يعنى بهم الأقباط فيقول: إنهم سيفقدون حقوقهم السياسية وستفرض عليهم الجزية التي يطلق عليها «بضريبة العصور الوسطى» وأنهم لن يخدموا في الجيش ولن يتقلدوا الوظائف العليا في الحكومة ولن تبني لهم كنائس جديدة ولن ترمم لهم كنائس قديمة.

ويتفق «سيفان» مع «حسين أحمد أمين» فيما قاله عن الأقباط ويرى أنه لن تكون هناك مساواة بين المسلمين والأقباط وخاصة في فرص تقلد مناصب القضاء ورئاسة الوزارة وينتهي «سيفان» إلى القول بأن تطبيق الشريعة سيترتب عليه انهيار كبير لهاتين الجماعتين وهما المرأة وغير المسلمين.

طموحات الأقباط

كلهم يرتعدون من تولي الإسلاميين مقاليد الأمور في البلاد ولا يهمهم لو خطط الأقباط لذلك، وقد لا يكون قد خطر ببالهم أن الأقباط لهم كلمة في هذه القضية لكن تخطيطهم وسعيهم للسيطرة على البلاد ثابت ومسجل عليهم وبالتحديد في 5/ 3/ 1973م في أحد كنائسهم بالإسكندرية.

وهذه مقتطفات مما قاله البابا في هذا التاريخ الذي يصف لنا حال البلاد لو آلت إلى الأقباط يقول البابا: «وأبشركم يا شعب الكنيسة كل شيء يسير على ما يرام حسب الخطة الموضوعة وإطار الهدف الواحد، لقد بات وشيكًا أن تخلص أرضنا من الغزاة العرب وليس في هذا غرابة فإن إسبانيا النصرانية ظلت تحت أيدي المستعمرين المسلمين سبعة قرون ثم عادت لأصحابها النصارى.

وفي التاريخ المعاصر عادت أكثر من بلد لأهلها بعد أن طردوا منها «ويقصد إسرائيل». يجب أن ننتهز ما هم فيه من نكسة ومحنة لأن ذلك في صالحنا، لن نستطيع أن نحقق أية مكاسب أو أي تقدم إذا انتهت المشكلة مع إسرائيل سلمًا أو حربًا» - يجب تشجيع تنظيم النسل وتحديده بين المسلمين - يحرم تحريمًا باتًّا على أصحاب العمارات تأجير أي سكن أو شقة أو محل تجاري للمسلمين ومن يفعل ذلك يعتبر مطرودًا من رحمة الرب ويجب إخراج المسلمين من العمارات والبيوت المملوكة للنصارى -يجب التركيز على التخطيط على إفقار المسلمين ونزع الثروة من أيديهم وإثراء شعبنا - يجب مقاطعة المسلمين اقتصاديًّا من حين لآخر ويجب عدم التعامل معهم نهائيًّا إلا في الحالات المستحيلة ويجب أن يقاطع المسلمون في سلك المحاماة والمحاسبة والمدرسين والأطباء والصيادلة والعيادات والمستشفيات والمحلات التجارية والجمعيات الاستهلاكية والصناعات الأخرى - يجب مضاعفة التبشير والتركيز على زعزعة أكبر عدد ممكن من المسلمين عن دينهم وتشكيكهم في كتبهم بطريقة ذكية وإذا ما اكتشف ذلك يجب أن ينبه على رعاة الكنائس والآباء بمشاركة المسلمين في احتفالاتهم الدينية وتهنئتهم في أعيادهم وإظهار المودة لهم - يجب أن يعلم الجميع أن الدول الكبرى في العالم وراءنا ونحن لسنا وحدنا - المال يأتينا من كل مكان وأكثر مما نطلب من أمريكا والحبشة والفاتيكان إلا أن اعتمادنا الأساسي يجب أن يكون على أنفسنا.

موقفنا من الأقباط

هكذا علمهم البابا كيف يتعاملون مع المسلمين، أما نحن فقد علمنا الإسلام أنهم ذميون وأن الذمي هو كل من تدين بغير الإسلام وصار من رعايانا وأن الذمي مأخوذ من الذمة وهي العهد فلهم في ذمتنا عهد أن نعاملهم على ما صالحناهم عليه وأن نسير في معاملتهم ورعايتهم حسب أحكام الإسلام. علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى أهل اليمن «أنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها وعليه الجزية» علمنا الإسلام ألا تؤخذ الجزية إلا من القادر على دفعها لقوله تعالى «من يد» أي من قدرة فإذا عجز عن دفعها لا تؤخذ منه بل إنه إذا عجز عن الكسب وافتقر لا يكتفي بعدم أخذ الجزية منه بل يجب أن ينفق عليه من بيت المال كما ينفق على المسلمين، وما زالت قولة عمر باقية عبر التاريخ في حق العجوز الذمي الذي كان يسأل على. أبواب الناس «ما أنصفناك إن كنا نأخذ منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك». ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه. علمنا ديننا ألا تؤخذ الجزية إلا بالحسنى وليس بالعنف والتعذيب وأن تؤخذ بالقدر الذي يحتملونه ولا يظلمون فيه، علمنا ديننا ألا تباع وسائل معيشة الذمي لأخذ الجزية مهما بلغت قيمتها وإذا أسلم سقطت عنه الجزية.

أوصانا ديننا بمعاملة الذمي معاملة حسنة وأن نرفق به ونقوم بحمايته وحماية ماله وعرضه وأن نضمن له قوته وسكنته وكسوته، وهم رعايا كسائر الرعايا وليس كما يتصور هذا الدبلوماسي وذاك اليهودي- بل لهم حق الرعوية وحق ضمان العيش وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم ولكن ليس عليهم واجب القتال ولا واجب المال سوى الجزية فلا تفرض عليهم الضرائب التي تفرض على المسلمين ولهم ما للمسلمين من الإنصاف، وعليهم ما عليهم من الإنصاف وينظر إليهم أمام الحاكم وأمام القاضي وحين تطبق المعاملات والعقوبات كما ينظر إلى المسلمين دون تمييز.

شروط

أما ما ورد في عهد عمر واشتراطه شروطًا عليهم فإن ذلك كان بناء على عهود صولحوا عليها وأدرجت في الصلح كشروط رضوا بها، وهم يعاملون كما يعامل المسلمون إلا إذا تضمن الصلح معهم شروطًا معينة، ولهم الحق في إبداء الرأي فيما ينالهم من ظلم.

ومع كل هذا ينفذ فيهم قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ‏(التوبة: 29)، وهو أن يجري عليهم حكم الإسلام وألا يظهروا شيئًا من كفرهم ولا مما حرم في دين الإسلام وأن يظل الإسلام هو الذي يعلو في البلاد ولا يعلى عليه، وإلا سيفعلون فينا كما خطط البابا يحددون نسلنا ويفقروننا وينزعون الثروة من أيدينا ويقاطعوننا اقتصاديًّا، ويفتنوننا عن ديننا ويشككونا في كتبنا إلى آخر ما قاله البابا.

مصادر تشريعنا السمح

ويخشى «سيفان» بشدة من مسألة تطبيق الشريعة ولا يرى أصلًا إلا في هؤلاء المثقفين المتنورين الذين يحولون دون تطبيقها. والشريعة في نظر «سيفان» أسطورة تمثل العمود الفقري لحركة الإسلاميين الذين يرون أنها تستطيع أن تحمل كل مشكلات المجتمع وعن طريقها سيعاد وضع الناس في قالب إسلامي ومع الزمن ستكون هناك دولة إسلامية فعلية كما كانت في عهد النبي ««صلى الله عليه وسلم».

ويحاول هؤلاء المثقفون -كما يري سيفان- فضح زيف أسطورة الشريعة، هذا ويدعى هذا الدبلوماسي ومحمد عركون، ومحمد سعد العشماوي، ومحمود طه، وفرج فودة، بأن القانون الإسلامي مأخوذ من عصور الخلفاء الأمويين والعباسيين وأن التشريع كان تحت سيطرة الخلفاء ومن ثم كان يخدم أغراضهم السياسية.

ويتهم هؤلاء المثقفون المتنورون الشريعة بالنقص وأنه ليس لديها أي تصورات عن الحكومة أو عن القضايا الدستورية. ويأمل -الأستاذ اليهودي- بأنه مع جهود هؤلاء المثقفين سيتخلى الناس عن التفكير في تطبيق الشريعة ثم يتساءل عن الذي يمكن أن يحدث بعد أن يقلع الناس عن مثل هذا التفكير؟

يقول الأستاذ اليهودي: إن الفيلسوفين المهمين بالنسبة له طبعًا وهما «فؤاد زكريا»، و«زكي نجيب محمود» قد استنتجا أن الفصل بين الدين والدولة كان دائمًا هو الحكم في الإسلام وأنهما اعتمدا في استنتاجهما هذا على مقولات الشيخ علي عبد الرازق. كما يرى هذان الفيلسوفان عدم تناسب الشريعة مع العصور الحديثة وأنه من الأفضل للإسلام أن يركز على المسائل الروحية دون السلوكية وعلى المجال الخاص دون العام وأن العلمانية في نظرهم لا تعني الدنس.

أما «وابن الأستاذ أحمد أمين» والعشماوي وعركون ومحمود طه فيرون بضرورة تكييف الشريعة للظروف الحديثة خاصة لغياب البعد القانوني فيها.

اليهودي السعيد

ويعبر -الأستاذ اليهودي- عن مدى سعادته بما يجري على يد هؤلاء المتعلمين فيقول: إن نقد العصور الذهبية في الإسلام ونقد أسطورة الشريعة يغري النسبية التاريخية والمرونة اللتين تمهدان لاستيعاب الكثير من الأفكار الحديثة وخاصة عن العدالة مثل القول بأن البشر متساوون أمام الله وأنه تعالى لا يميزهم على أساس الجنس أو الدين ولا شك أن استيعاب المسلمين كل هذه الفكرة فيه مصلحة لليهود الذين يعتقدون أنهم شعب الله المختار.

ويرفض الأستاذ اليهودي بأن تكون الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع لأنها بوضعها الحالي غير صالحة للتطبيق. وأنه يجب أن يجري نقاش حر حولها ليس بين الإسلاميين فقط ولكن مع غيرهم أيضًا.

ويعترف -هذا اليهودي- بالقوة الكامنة في الشريعة لأنها تتملك عواطف الناس وأن معارضيها لا يجدون حيلة أمامها ولا يستطيعون بالرغم من تركيز الهجوم عليها أن يناطحونها.

ويري -هذا اليهودي- أيضًا أن الشريعة وما ترتكز عليه من أرضية أخلاقية تجعلها حتى في نظر المحافظين جملة يخدعون. الناس بها كما يعلم المصريون أن قوة معارضيهم تكمن في القوة الكامنة والفعالة في استخدامهم لهذه الأسطورة ومن ثم. فإن المدخل العقلاني لهؤلاء المتنورين العقلانيين لا يقوى على مناطحة هذه المواقف العميقة الجذور.

إن إطلاق العنان لهذه الأسطورة المحملة بالعاطفة كما يقول هذا اليهودي هو أمر انتهازي، إن الناس يصدقونهم حقيقة كما هو الحال عند السنيين الذي يحترمون الشريعة احترامًا بالغًا حتى إن «الإسلامبولي» قال للشرطة عند استجوابه: إنه لم يكن يبادر باغتيال «السادات» دون أن يستشير من هو أكثر معرفة وصفًا منه في قضايا القانون الإسلامي. ويعلق «سيفان» على ذلك قائلا وأن مثل هذا الإخلاص في العقيدة يساعد على توالد الأسطورة أكثر من القيام بنقدها. وفي نفس هذا الأستاذ اليهودي رضًا وسعادة بسبب تراجع تطبيق الشريعة في باكستان والسودان ويعلل بأن محاولة التطبيق في هذين البلدين إنما كانت كوسيلة، لاحتفاظ الحكام بمناصبهم والذين لم يجدوا إلا ورقة تطبيق الشريعة للعب بيها.

الهجوم على الشريعة!

الهجوم على الشريعة ما زال مستمرًا وما زال العالم بكل قواه يستميت في الوقوف ضد تطبيقها في أي بلد من بلدان العالم الإسلامي، وما قصر علماؤنا في الرد على الاتهامات التي توجه للشريعة بعدم ملاءمتها للعصر، لكنا هنا سنعرض بعضًا من النقاط التي قد لا تكون معروفة للكثيرين:

1- في قضية الشيخ علي عبد الرزاق الذي استند إلى رأيه اثنان من الفلاسفة اللذان يحظيان باهتمام اليهود ويقصد بها «فؤاد زكريا وزكي نجيب محمود»، هناك رسالة دكتوراه نوقشت منذ اثنتين وثلاثين سنة في القاهرة بعنوان «أتباع سان سيمون في مصر» أثبت صاحبها «محمد طلعت عيسى» في (ص 113) أن الشيخ المذكور قد تأثر بالفلسفة الوضعية «الأوجست كونت» طوال دراسته في إنجلترا عن طريق اتصاله بالجمعية الوضعية في لندن، وأن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» كان الأثر المباشر للفلسفة الوضعية في مصر.

اتهم «كونت» الإسلام بأنه لن يوصل العالم إلى الحقيقة الوضعية التي تقوم على أساس علمي وطالب المسلمين بأن يتركوا الإسلام ويأخذوا دينه الجديد الذي يجعل من الإنسانية جمعاء هي الإله الذي يجب أن نقدسه، ويقول «كونت» بتنحية الدين والصبغة الدينية عن العلم، وكان يرى بأن وسيلة نشر فلسفته في الشرق لن تتحقق إلا على يد فريق. الشرقيين المستنيرين الذين كان الشيخ واحدًا منهم.

2- إن الشريعة الإسلامية باعتراف واحد من كبار كتاب الغرب وهو «لبريبور بيجونين» في مقدمته على شرح القانون التجاري الإنجليزي قد أثرت على التجار الإيطاليين الذين اتصلوا بالمسلمين واطلعوا على نظامهم الفقهي والقضائي لبساطته وخلوه من التعقيدات الشكلية فساعدهم ذلك على

التخلص من تعقيدات القانون الروماني والكنسي

3- تقدم حافظ رمضان باشا وزير العدل في الحكومة المصرية قبل حركة يوليو بوصفه رئيسًا لوفد مصر لدى لجنة المشرعين في واشنطن التي انعقدت لوضع مشروع قانون محكمة العدل الدولية مطالبًا اللجنة بتمثيل الشريعة الإسلامية في محكمة العدل الدولية لنظام قانوني مستقل مستندًا في طلبه هذا إلى ما قرره مؤتمر القانون المقارن الذي عقد في مدينة لاهاي 1938م من اعتبار الشريعة الإسلامية نظامًا قانونيًّا مستقلًا غير مأخوذ من التشريع الروماني.

4- إن الشريعة الإسلامية كانت مصدرًا لأهم قاعدة من القواعد الأساسية للقانون الدولي الخاص الذي تعد في القوانين الغربية من أحدث ما جاء به التشريع الأجنبي وهي. قاعدة شخصية قوانين الأحوال الشخصية التي تقررت في الغرب لأول مرة في مجمع أكسفورد عام 1882م وفي مؤتمر لاهاي عام 1904 وأخيرًا في اتفاقية مونرو 1931م.

حسين واليهود

نأتي أخيرًا إلى «حسين أمين» نفسه لنثبت به أن اليهود كعادتهم بعد أن يستخلصوا من ضحيتهم كل ما يريدون يعرونها ويفضحونها هكذا كان حالهم مع «حسين أحمد أمين» ومع غيره.

كشف «سيفان» كيف أن الدولة قد أوقعت المثقفين المصريين المتنورين في ورطة وكيف أنها تستخدمهم من حين لآخر في مواجهة التيار الأصولي، وهذا هو ما فعلته مع حسين أمين مكنته الدولة من طبع مجلده الأول الذي يهاجم فيه الإسلاميين في ذكرى اغتيال السادات في عام 1983م حتى أنها منحته جائزة أدبية عن هذا العمل، وبعد أن تمكنت الدولة من احتواء الإسلاميين «كما يتصور سيفان» لم تمكنه من طبع مجلده الثاني الذي طبعه في بيروت بعد ذلك ثم أعطته فرصة أخرى لمهاجمة الأصوليين في مجلة المصور التي تركها ليكتب في جريدة اليسار المعارض «الأهالي»، ويكشف «سيفان» أن الدولة غير راضية بوجه عام عن هذا الدبلوماسي الذي شغل منصب مدير معهد الدبلوماسيين ثم أبعدته إلى البرازيل في عمل فصلي– كان يراه أنه أقل من كفاءاته.

ويستدل «سيفان» بأن السلطة تستخدم «حسين أمين» كما تريد وتستغنى عنه كما تريد- بأنها قد أتاحت له فرصة العودة للكتابة أثناء أزمة استخدام الملصقات الدينية على زجاج السيارات في محاولة منها لمواجهة الأصوليين في منتصف عام 1980 كما سمحت له أثر اكتشاف محاولة تنظيم الجهاد الإطاحة بالنظام كتابة البيان رقم (10).

أما عن «الأستاذ أحمد أمين» والد هذا الدبلوماسي الكاتب فقد وصفه اليهود بأنه مفكر إسلامي حر حاول أن يحقن الإسلام بالعقلانية والانفتاح والتسامح، ويذكر «سيفان» كيف أن «حسين» هذا كان يتلقى من والده هذه الروح الانفتاحية التي كانت تخالف هذا الإسلام الذي كان يؤمن به الخدم المحيطون به وهو الإسلام الذي وصفه «سيفان» بأنه مشرب بالأساطير والخرافات والقرآن الحرفي.

دلائل سيفان تتهم حسين أمين

وكما حاول «سيفان» الاستدلال بصدق دعاوي «حسين أمين» بالرجوع إلى مؤلفات الإسلاميين حاولنا نحن الاستدلال بصدق ما رواه «سيفان» من تنشئة هذا الكاتب بالرجوع إلى ما كتبه والده الأستاذ «أحمد أمين» في مؤلفه الله ولدي- 1951م) لعلنا نجد تفسيرًا لهذا الرعب الذي يستولي على ولده إذا ما حكمت البلاد بالإسلام وهذه الكراهية العميقة التي يكنها للإسلاميين وللشريعة الإسلامية، وما معنى هذه العقلانية والانفتاح والتسامح التي يمتدح بها اليهود «الأستاذ أحمد أمين» لأنه حقن الإسلام بها.

الخلاصة

تبين لنا أن «الأستاذ أحمد أمين» يؤمن بأن من فقد حاسة الدين، فقد فَقَدَ عنصرًا مهماً من عناصره وركنًا عظيمًا من أركان حياته (ص 5) لكنه كان يؤمن أيضًا بالطرب والموسيقى والغناء كأحد دلالات الفرق بين الإنسان الوضيع والإنسان الرفيع (ص 23) كان «الأستاذ» يؤمن بأن السلوة الكبرى للناس في جيله هي الدين (ص 50) لكنه بالرغم من- ذلك كان متبرمًا من هذا الدين تواقًا إلى الحياة الغربية فأرسل- أبناءه إلى بلاد الغرب للتزود منها وليعرض فيهم هذا الذي- شعر أنه افتقده في حياته حتى ليكاد المرء يشعر أنه يحسدهم على ما ينعمون به هناك وافتقده هو في مصر.

يقول «الأستاذ» في رسالته إلى ولده من (ص 403): «وتعلمت أول أمري في كتاب حقير تجلس فيه على الحصر، ويعلمنا مدرس جبار يضرب على الهفوة وعدم الهفوة. وأنت تعلمت في روضة الأطفال حيث تشرف عليك أنسة رقيقة مهذبة وتقدم لك تعليم القراءة والكتابة في إطار من الصور والرسوم والأغاني وما إلى ذلك وكنت أعيش في كتابي على الفول النابت والفول المدمس، وأنت تعيش في روضتك على اللبن والشاي والبسكويت وما إلى ذلك أيضًا، ثم لما صبوت تعلمت في المدارس الفرنسية حيث تنقل إليك في تعاليمها كل أساليب المدنية الغربية- وتربيت أنا في وسط كله دين - دين في الكتب ودين في الحياة الاجتماعية ودين في أوساطي كلها، وتربيت أنت في مدارس أو جامعات لا يذكر فيها الدين إلا بمناسبات وكان الدين يذكر في وسطنا ليحترم وكثيرًا ما يذكر الدين في وسطك ليهاجم».

وفي الوقت الذي كان فيه «الأستاذ» متبرمًا من الحياة الاجتماعية التي كلها دين كان معجبًا أيما إعجاب بالحياة الاجتماعية في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وأمريكا. كان يرى أن الدارس الذي يقف على هذه الحياة يكون قد حقق ما هو أسمى من الدكتوراه التي انبعث من أجلها. كان «والأستاذ» معجبًا بعظمة الغرب وقوته التي يرجعها إلى حياته الاجتماعية سواء في الجامعات أو في البيوت أو في الرحلات أو في المناسبات أو في الشوارع والحدائق ودور السينما والتمثيل والأمكنة العامة. كان «الأستاذ» يرى أن كل منظر يراه الناظر وكل خطوة يخطوها ذات فائدة. الحياة الاجتماعية في الغرب كما يراها الأستاذ- تجدد النفس وتحمي القلوب وترتقي بالملكات فيصبح الإنسان بها مخلوقًا جديدًا وتعلمها يمتع النفس والقلب والعين (ص 14- 15).

هذا هو ما تعلمه الابن من والده ولهذا شب الابن مذعورًا من تحكيم الإسلام. فحجاب المرأة واستقرارها في بيتها سيحرمه من متعة القلب والعين والرقابة على المسارح والسينما والملاهي وبرامج التليفزيون وحظر عروض الغناء والموسيقى المثيرة... كل ذلك لن يجدد نفسه ويحي قلبه ولن يصبح هذا المخلوق الجديد الذي كتب عنه والده في رسائله.

هذه هي التنشئة التي أنتجت «حسين أحمد أمين»، ولا عجب بعدها أن نجده وغيره يتحدثون عن الإسلام ويكرهون تطبيقه.

الرابط المختصر :