العنوان المجتمع التربوي (1069)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
مشاهدات 79
نشر في العدد 1069
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
وقفة تربوية: استغلال السؤال
عندما يتميز الدعاة بعلمهم وأخلاقهم ودعوتهم
للآخرين، يكونون قدوات للآخرين، ويكونون محطا لثقتهم في الخاص من أمورهم. وهنا
يتعرض هؤلاء الدعاة للكثير من أسئلة العوام والمحبين للدعوة والدعاة. واستغلال
أسئلة العوام في إيصال الدعوة ظهر في حجرة نبي الله يوسف عليه السلام، عندما استغل
ثقة السجينين فيه، وأسئلتهما، فسلك من خلال حاجتهما لمعرفة الجواب في إيصال ما
يريد من الحق، وهكذا كان الكثير من الأنبياء وجمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم.
فهذا أبو ذر رضي الله عنه دخل عليه رجل فجعل
يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر ما أرى في بيتك متاعا ولا أثاثا؟
فقال: إن لنا بيتا نوجه إليه صالح متاعنا.
فقال: إنه لابد لك من متاع ما دمت ههنا.
فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه(*).
فالدعاة يحتاجون إلى انتباه كانتباه أبي ذر
رضي الله عنه؛ عرف كيف يذكر بالآخرة من خلال السؤال، والربط بين صورة يراها السائل
في عينه، وصورة غيبية لا ترى إلا من خلال التذكير، والتي يقوم عليها الدعاة
الربانيون الذين يذكرون الناس فيما هم مقدمون عليه وهم غافلون..
الهوامش:
(*) مختصر منهاج القاصدين، ص٣٦٨.
المفهوم الصحيح للعبادة
عبادتنا
لقد كان المفهوم الصحيح للعبادة عند أسلافنا
أن العبادة هي غاية الوجود الإنساني كله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات: ٥٦)؛ لم يحصروا أبدا مفهوم العبادة في دائرة
الشعائر التعبدية وحدها، أو في جانب من جوانب الحياة. كم تستغرق الشعائر التعبدية
من اليوم والليلة، وكم تأخذ من عمر الإنسان؟ وأين يذهب باقي عمر الإنسان؟ وأين
تنصرف طاقته إذا كانت تنصرف في غير العبادة؟ فكيف يجوز للإنسان أن يجعل من عند
نفسه لوجوده أو لجزء من وجوده غاية لم يأذن بها الله؟!
شمول مفهوم العبادة
إن العبادة في الإسلام تشمل الصلاة، وجميع
النسك -أي الشعائر التعبدية- كما تشمل مع هذا كل الحياة، من لحظة التكليف إلى لحظة
لقاء الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شريكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا
أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢- ١٦٣). فليست هناك شعائر تعبدية للمسلم هي
وحدها لحظات العبادة وتكون بقية حياته خارج العبادة.
كان أسلافنا يقومون بالعبادة وهم يمارسون
الحياة في جميع جوانبها وفي شتى مجالاتها، والعبادة العظمى عندهم هي العمل في شتى
مجالات الحياة وكما وصفهم الله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا
وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩١). فالعبادة بمعنى الشعائر هي المنطلق الذي ينطلق منه
الإنسان ليقوم ببقية العبادات التي تشمل الحياة كلها.
بين فهم وفهم
لقد تعودنا في العصور المتأخرة أن ننظر إلى
الشعائر التعبدية من صلاة وصوم وزكاة وحج على أنها هي كل العبادة المطلوبة من
المسلم. فمن أدى هذه الشعائر فقد أدى كل شيء، وقام بما عليه، وليس من حق أحد أن
يطلب منه المزيد؛ وهذا تبديل للصورة الشاملة التي ذكرناها -وهي الصحيحة- بالصورة
الجزئية الخاطئة المبتورة للعبادة.
لقد كان يقين المسلم الأول أن طلب الرزق
الحلال عبادة، وطلب العلم عبادة، والعمل في التجارة عبادة، وعمارة الأرض عبادة،
والزواج لتحصين نفسه عبادة، وكل نشاط جسده وعقله وروحه عبادة. كل هذه الألوان
عبادة يؤديها بالنية الصادقة والإخلاص الذي يؤدي به الصلاة ولا فرق بينهما، وحين
تكون أعمال المسلم وحركته كلها عبادة فلن يدخلها الغش ولا الكذب ولا الخداع، ولا
الافتراء على حقوق الآخرين، ولا ارتكاب المحرمات من أجل الكسب أو التسلط. وحين
يكون الترويح عبادة فلا يمكن أن يسف ويهبط بالإنسان، كما ترى في اللهو المبتذل
الذي يزين كل فاحشة، وكل هوى وضياع باسم الفن، والفن منه براء.
أثر الفهم المنقوص للعبادة
إن انحسار مفهوم العبادة أدى إلى شر كبير في
واقع الحياة؛ فقد أصبحنا نرى البعض من المسلمين يؤدي في المسجد الصلاة ويحافظ
عليها ثم يكذب ويغش، ويحلف، ويخون الأمانة، ويخلف الوعد، ويتفلت من قيود الأخلاق
التي هي جزء من العبادة المفروضة على المسلم. إن النشاط اليومي للمسلم يجب أن يدخل
في مفهوم العبادة سواء أكان نشاطا اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو ميدانيا، أو
محليا أو عالميا، أو جهاديا.
وهذه القضية هامة يجب أن تدركها الأجيال
المعاصرة وأن تعيها جيدا؛ أن العبادة في الإسلام ليست معاني جوفاء أو حركات ومظاهر
ميتة، إنها ليست مسألة ثانوية أو هامشية، بل هي خلوص وتجرد لله، وهي استعلاء على
شهوات النفس وهي شحنة روحية دافعة للمسلم إلى الكفاح والجهاد. وهذا هو المفهوم
الصحيح الشامل للعبادة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
التربية العبادية
تعني تنمية العبودية الخالصة لله بإحسان توحيد
الله وتعظيمه، بإحسان شعائر العبادات وباستشعار المسؤولية بين يدي الله في كل عمل،
ثم بالولاء الكامل لشريعة الله والاهتداء بهدي النبوة في كل شأن من الشؤون. كما
يجب أن تحقق التربية العبادية -فيما تحقق- الشعور بطمأنينة القلب وراحة النفس
وإشراق الروح في ظل العبودية لله. ويجب الإشارة هنا إلى أن تنمية العبودية الخالصة
لله لها مكانة خاصة في تربيتنا، فهي المميز الأصيل بين منهج التربية عندنا ومناهج
التربية عند غيرنا.. كما وضحنا في صدر هذا المقال.
البدء بالفرائض
البدء بأداء الفرائض واجتناب المحرمات، أي
الفرائض قبل النوافل سواء في العبادات أو في المعاملات أو الأخلاقيات أو في
النشاط؛ فكلما أقدمت على عمل صالح «تلاوة قرآن- ذكر الله- صلاة نافلة- حج نافلة-
صدقة نافلة» اسأل نفسك: هل خلفت وراءك واجبا مهملا مثل الإحسان إلى والديك وأولادك
وجيرانك وعملك؟ بل كلما قمت بأداء فريضة ترضي بها ربك وغمرك شعورك بالرضا اسأل
نفسك: هل قصرت في فرائض أخرى عن غفلة أو عن صعوبة وثقل؟
ابدأ بفرائض الله وقم بتكاليف العبادات ثم
بواجباتك نحو الوالدين ونحو أقرب الناس إليك من أهل وأولاد وجيران وزملاء ونحو
أقرب الأشياء إليك أي مالك وعملك. وهذا كله معنى من معاني الاستقامة، وغير ذلك
يكون انحرافا وضياعًا، إما عن جهل وإما عن هوى؛ ودواء الجهل طلب العلم والسنة هنا
خير معلم، لذلك يجب الإكثار من القراءة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودواء الهوى اليقظة ومحاسبة النفس واستماع النصيحة بل وطلبها ثم الدعاء بضراعة إلى
الله طلبا للهداية والرشد.
النشاط الفردي والتعاوني
أن العبادة من صلاة وذكر وقيام وصيام يتضح
فيها الجهد الفردي الخالص. فكل وسيلة لا يتحقق فيها هذان الشرطان فهي غير أصيلة،
يمكن أن تكون معينا ولكن لا تطغى على الأصيلة. وإذا كان ولا بد من التعاون والنشاط
في العبادة فليكن على صورتين:
- الصورة
الأولى: القيام بعمل واحد مشترك مثل استماع إلى
قرآن أو استماع إلى عظة أو ذكر.
- الصورة
الثانية: اللقاء للتعاون على نشاط فردي خالص،
فيكون لقاء في مسجد أو في بيت للتفرغ للعبادة ساعة، وكل يمارس ما يريد..
صلاة... تلاوة قرآن.. محاسبة ذكر.
ويجب أن نحرص على تطبيق الصورتين؛ لأن الأولى
تفيد خاصة في إيجاد اليقظة الدائمة، والثانية تفيد خاصة في البناء الذاتي للفرد.
وكما يتضح من السنة الحث والتوجيه للنوافل يتضح كذلك الذاتية والتلقائية في
التنفيذ كل بحسب طاقته ورغبته واستعداده؛ ولذلك يتفاوت جميع المسلمين حتى الصحابة
في هذا المجال تفاوتا كبيرا وإنما يتفقون ويلتقون على الاستقامة والبعد عن الحرام
واجتناب الموبقات والمهلكات.
قراءة القرآن للعلم والعمل
القرآن واعظ لا مراسيم أو أوراد شكلية
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧)؛
إذن لا بد من التدبر والاتعاظ، لا بد من الانفصال الواعي، لا بد من أثر نفسي
وعملي. الأثر النفسي مشاعر طيبة واطمئنان قلبي، والأثر العملي تغيير في السلوك،
وصدق صحابة رسول الله فقد «تعلموا العلم والعمل معا».
يجب أن يكون القرآن هو الموجه الأول.. فهو مع
المسلم حيثما ذهب بين دفتين إما في صدره أو في صدر غيره. يجب دوام التنبيه على
ذلك، كما يجب التدريب والتعويد على ذلك؛ ففي كل فرص القراءة سواء في السفر أو في
البيت أو في المحاضرة لابد من النظر فيما تلونا من آيات.. ماذا نأخذ منها لحياتنا
الخاصة؟ ثم ماذا نأخذ منها لإصلاح الدنيا؟ فالفرد -أنا وأنت- أهل هذه الدنيا،
وأساس هذا الإصلاح لا بد من القراءة المتدبرة الواعية. يجب أن تصبح هي عادتنا في
القراءة وهي الطريقة الثابتة.. الوحيدة؛ فحيثما قرأنا القرآن أو سمعناه في
الصلاة.. في المصحف في الراديو في المسجد.. يجب أن نذكر أنه كلام الله: ﴿لَوْ
أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا
مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: ٢١).
هذا النص يتخلل القلب ويهزه، وهو يعرض أثر
القرآن في الصخر الجامد لو تنزل عليه، وهي صورة تمثل حقيقة؛ فإن لهذا القرآن لثقلا
وسلطانا وأثرا مزلزلا لا يثبت له شيء يتلقاه بحقيقته. ولقد وجد عمر بن الخطاب رضي
الله عنه ما وجد عندما سمع قارئا يقرأ: ﴿وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي
رَقٍّ مَّنشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ *
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن
دَافِعٍ﴾ (الطور: ١- ٨). لقد ارتكن عمر إلى الجدار، ثم عاد إلى بيته، يعوده الناس
شهرا مما ألمّ به.
واللحظات التي يكون فيها الكيان الإنساني
منفتحا لتلقي شيء من حقيقة القرآن يهتز فيها اهتزازا ويرتجف ارتجافا، ويقع فيه من
التغيرات والتحولات ما يمثله في عالم المادة فعل المغناطيس والكهرباء بالأجسام أو
أشد. والله خالق الجبال ومنزل القرآن يقول: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ
عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ﴾
(الحشر: ٢١). والذين أحسوا شيئا من مس القرآن في كيانهم يتذوقون هذه الحقيقة تذوقا
لا يعبر عنه إلا هذا النص القرآني المشبع الموحي.
يقول الإمام ابن تيمية: «فإذا كان الجبل في
غلظه وقساوته، لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل،
فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم
عن الله أمره، وتدبرتم كتابه؟!».
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم لما عمل له المنبر -وقد كان يخطب يوم الجمعة يقف إلى جانب جذع من
جذوع المسجد- فلما وضع المنبر، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليخطب فجاوز الجذع
إلى نحو المنبر، فعند ذلك حن الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكن لما كان يسمع
من الذكر والوحي عنده. يقول الحسن البصري بعد إيراده هذا الحديث: «فأنتم أحق أن
تشتاقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجذع».
يجب أن نقبل على القرآن، وأن تتجاوب أرواحنا
معه؛ فإذا اتصلت أرواحنا به نمت الحياة في قلوبنا، واهتزت أرواحنا وترعرعت وأنبتت
من كل نوع بهيج. وكان مالك بن دينار يقول: «ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل
القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض».
إن استحضار معنى العبودية لله بصفة حقيقية
يورث المسلم مسارعة ونهوضا إلى الاستجابة لأمر مولاه، ويعينه على إنفاذ ما كلفه
الله به وألقاه عليه من تبعات حددها القرآن. وتنفيذ أوامر الله عز وجل يحتاج إلى
مجاهدة للنفس حتى يسلس قيادها وتتحمل مشقة المجاهدة، والنهوض بهذه التكاليف بغير
هوادة، وعندها تستيقظ ملكات النفس، ويزداد القلب إقبالا على مولاه وفهما لكتاب
الله عز وجل. وبدون التنفيذ يكون المسلم فاتر الإحساس، وملكات نفسه غافلة راكدة
وعندها لا يصلح أن يكون بحق من جنود القرآن.
خطورة الاستسلام لزحمة العمل
إن زحمة الحياة -سواء من مشاغل العمل والمعاش
أو من مشاغل العمل للإسلام- قد تمتص حياة قلوبنا وعقولنا، ونصبح آلات تعمل في حدود
ما رسم لها أو في حدود العمل اليومي الرتيب؛ وهكذا قد يهبط مستوى عبادتنا.. وقد
تذبل حتى تصبح هيكلا جافا ركعات ننقرها نقرًا. وقد يهبط مستوى قراءتنا... وقد
تتلاشى أو لا تتعدى تصفح جريدة يومية أو مجلة أسبوعية، كما قد يهبط مستوى حركتنا..
فيصبح عملا شكليا أو تحركا رتيبا وقد يصل الأمر إلى مجرد الانتساب الشريف.. وكفى.
لهذا كله فلنعمد إلى تكوين عادات لنا صالحة
تسهل علينا ممارسة أعمال نافعة رغم زحمة الحياة. ومن العادات الصالحة: تبكير ساعة
لصلاة الجمعة ولنستحضر فيها فضل التبكير وفضل الصف الأول، ثم لنقم بمحاسبة النفس
أو تلاوة للقرآن أو صلاة على النبي يتخللها استعراض صور من حياة الرسول صلى الله
عليه وسلم مع تعهد ذاتي بالاقتداء؛ وفي هذا بعض التعويض عن الغفلة أو الانشغال
بسبب تزاحم الأعمال طول الأسبوع. ومن العادات الصالحة أيضًا الاحتفاء بالصلاة
المكتوبة، وذلك بأن تكون الصلاة مع الجماعة في المسجد مع إحسان ختامها والضراعة في
الدعاء بعدها، وأداء السنة الراتبة وقيام الليل ومصاحبة الأبرار والصالحين.
الاقتداء بالسلف
الأصل أن نأخذ مباشرة من القرآن وعمل السلف
الصالح عند ممارسة العبادات، وعند التعرف على الفضائل لاكتسابها.. والسنة هنا
واضحة وضوحا يكاد يستغني عن أي تعليق أو شرح، وهي كفيلة بالبعد عن الشطط وتربط
بالحياة.. وفروضها.. وواجباتها. النماذج الحقة ليست نماذج التشدد أو الغلو ولا
نماذج يأخذونها من كلمات منسوبة لبعض الصالحين، إن النماذج الحقة هي حياة الرسول
القائد وصحابته بكل جوانبها: العقيدة والعبادة والسلوك.. والجهاد.. والحكم..
وتدبير الحياة... والتعامل مع الآخرين: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١).
الكون محراب المسلم
إن العبادة كما كان يعرفها الناس قبلنا لابد
لهذه الأشياء في نفس البشر هيبة ورهبة، وقد تنسيهم أحيانا أنها من صنع أيديهم. أما
في الإسلام فهذا الكون العظيم الذي برأه الله وأبدعه في أحسن نظام، تعد كل بقعة
فيه طاهرة منه مسجدا للمسلم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»؛ يتجه فيها إلى الناحية
التي يتجه إليها جميع إخوانه المسلمين أنهم أمة واحدة، وأن الاتفاق والوحدة
والائتلاف أساسيات في دينهم، وأخلاق متممة لحياتهم لا يمكن الاستغناء عنها.
وقد رأينا بعض رجال الغرب الذين يزورون بلاد
المسلمين ينظرون نظرة إعجاب وإكبار إلى البدوي في الصحراء إذا أناخ راحلته فوق
الصعيد الطيب ثم تطهر وتحرى القبلة، ثم فرغ حواسه ومشاعر نفسه وخشع بين يدي الله
وقد وجه وجهه للذي فطر السموات والأرض.
لم يهتم الإسلام في عبادة أهله بالصور
والهياكل والتهاويل، ولم يقم أبدا سدنة يحترفون الوساطة بين الخالق والخلق؛ فالله
جل جلاله أقرب إلينا من حبل الوريد، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة:
١٨٦).
لقد جعل الإسلام للمسلمين من كل صعيد طيب
مسجدا وطهورا، ووجه عنايته إلى الحرص على إقامة الجمع والجماعات؛ فمسجد الحي هو
نادي أهل الحي ونقطة اجتماعهم للحق والخير، والمسجد الجامع مجتمع البلد الإسلامي
كله، وهو دار القضاء ومعهد العلم وديوان الحكم، والصحراء مسجد المدينة بأكملها في
صلاة العيد؛ وتلك هي سنة الإسلام ولا يزال المسلمون يصرون على إحياء هذه السنن في
كل قطر وبلد.
عبادات أخرى
هناك عبادات أخرى انفرد بها الإسلام، ولم تعرف
في سواه ومنها:
1- انقطاع المسلم لطلب العلم، ووقفه حياته
عليه يعد في الإسلام من أفضل العبادات، وإذا أخلص العالم نيته كان الوقت الذي
يصرفه فيه أفضل من بعض أنواع العبادة «يوزن دم الشهداء بمداد العلماء يوم
القيامة».
2- الموظف في ديوان أو في مصلحة، إذا جاء
أصحاب المصالح فتفرغ لقضاء مصالحهم، التي هي من واجباته، وبذل فيها غايته بنفس
راضية ووجه بشوش وأمانة وإخلاص ونوى في نفسه أنه يفعل ذلك لوجه الله تعالى وابتغاء
مرضاته، فذلك معدود في الإسلام من العبادات التي يثيب الله عليها؛ وهذا أفضل من
انشغاله بالنوافل وقت العمل وترك أصحاب المصالح ينتظرونه وقد عطلت مصالحهم، وخير
الناس أنفعهم للناس.
3- وملاطفة الرجل لأهله وإكرامه لأبنائه
ورعايته لهم وإحسان التعامل مع الجار والأقارب، كل هذا عبادة يثاب عليها المسلم.
4- فهل رأيت في دين من الأديان أن اشتغال
العالم بالعلم، وأمانة العالم وإخلاصه في عمله، وقيام الموظف بخدمة مواطنيه وتسهيل
مصالحهم بعناية وأمانة وكرم أخلاق يعد من العبادة التي يثيب الله صاحبها عليها؟
5- إن معنى العبادة في الإسلام هو طاعة الله
عز وجل في كل ما أمر به، والانتهاء عن كل ما نهي عنه. ومن أطاع الله في كل ذلك وهو
يريد التقرب إليه ويبتغي ثوابه فهو في عبادة ما دامت النية خالصة لوجه الله.
6- ولأجل هذه الطاعة خلق الله الخلق، وذلك
معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
(الذريات: ٥٦). وعلى المسلم أن يفهم هذا ويؤمن به ويعتقده، ومن إيمانه به عمله به
ومسارعته إلى التطبيق والتنفيذ.
7- ماذا تكون النتيجة لو اعتقد المدرس في
معهده والعالم في مخبره والطالب في دراسته.. أن عمله هذا عبادة وقربى لله يثاب
عليها وطلب العلم فريضة؟ ماذا تكون النتيجة حين يؤمن المزارع أن غرسه وتعبه إن
أخلص فيه فهو عبادة يثاب عليها؟ «ما من إنسان يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه
إنسان أو طير إلا كان في ميزانه»
لو آمنا حقا بهذا المفهوم لتحول المجتمع إلى
خلية نحل تعمل ليل نهار بل تجود العمل وتنميه وتطوره باستمرار، وعندها ترتقي الأمة
وتسود ويرتفع شأنها؛ لأن الجميع يتجهون إلى الله عز وجل فالكون محراب للجميع، كل
عامل فيه عابد وطائع لله من أعلى مستوى إلى أقل الدرجات والمستويات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل