; المجتمع التربوي: (العدد 1011) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: (العدد 1011)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1992

مشاهدات 74

نشر في العدد 1011

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 11-أغسطس-1992

وقفة تربوية

﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 82)

ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد عن الجعل قوله: «الجعل إن دفنته في الورد سكنت حركته حتى تحسبه ميتًا، فإذا أدنيته من الروث تحرك ورجعت نفسه».

ذلك أنه تعود على العيش في هذه الأماكن النجسة، فكون الأماكن الطاهرة النقية المعطرة غريبة عليه، غير مألوفة له، فـتـأباها نفسه وترفض التأقلم مع مثل هذا الوسط.

كذلك هو حال الفاسدين والمبغضين من بني الشر، الذين عاشوا أوحال الأوساط القذرة المليئة بالعربدة والمجون والنجاسة بشتى أنواعها وألوانها وأشكالها، فإنه يشق عليهم العيش بغير هذه الأوساط وتكون الأوساط الطاهرة لديهم شاذة ناقصة، يختنقون من عطرها ونقائها؛ لأنه لم يتعودوا العيش في النقاء والطهارة، لذلك يعجب قوم لوط على حرص لوط عليه السلام على الطهر والنقاء، فيقولون بعجب: ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، ولا يكتفون بذلك بل أنهم لا يريدون أن يروا من يعيش في الطهارة؛ لأن ذلك معناه ظهور الفضل عند المقارنة، لذلك فهم يريدون من الجميع أن يعيشوا معهم في العفن؛ حتى لا يتميز أحد عنهم، وإن كان هذا التميز هو الطهارة والنقاء.

حوار مع سجادة

لا شك أن كل ابن آدم ينام وكل إنسان يأوي إلى فراشه ليلًا، ولكن هل تعرفون كيف كانت نومتي تلك الليلة؟

كنت نائمًا في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، من بعد نصب وتعب من مشاغل الدنيا، وما أكثرها؟!

وقد استلقيت على فراشي، وغرقت في نوم عميق جدًّا، فاستيقظت قبيل الفجر من عطش شديد ألم بي، فقمت لأشرب الماء فسمعت أنينًا يخرج من الأرض، تلفت حولي فذهب الأنين، ثم ذهبت وشربت الماء فعدت إلى الفراش، وإذا بالأنين يعود مرة أخرى، وفي هذه المرة كان الأنين قويًا وكأنه صوت بكاء، فتحسست الأرض بيدي، حتى مسكت سجّادتي، فسكتت.

قلت مستغربًا: إذًا أنت الذي تئنين يا سجّادتي؟!

قالت: نعم.

قلت: ولماذا؟!

قالت: لقد أيقظك عطشك، وشربت من الماء حتى ارتويت، وأنا عطشانة ولا أحد يرويني الماء.

قلت: وهل تريدين أن أحضر لك كأسًا من الماء؟

قالت: لا، ليس هذا الماء الذي يرويني، وإنما يرويني دموع العابدين التائبين.

قلت: ومن أين لي أن آتي لك بهذا النوع من الماء؟

قالت: وهذا هو سبب بكائي، فقم يا عبد الله وصلِّ لله ركعتين في ظلمة الليل حتى تنير لك ظلمة القبر، والجزاء من جنس العمل. ولم يبق إلا قليل على صلاة الفجر.

قلت: دعيني وشأني يا «سجادتي».

قالت: يا عبد الله. قم لصلاة الفجر. فإنها حياة للقلب والروح، وقد حان موعد الأذان ليردد:

«الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم» وأنت تستجيب لنداء الدنيا كل يوم في الليل والنهار، ولا تستجيب لنداء العزيز القهار؟!!

قلت متضايقًا: دعيني أنام يا سجّادتي. فأنت تشاهديني كل يوم لا أعود إلى المنزل إلا وأنا مرهق متعب.

ثم أخذ اللحاف ووضعه على صدره فشعر بالدفء واستسلم لسلطان النوم.

قالت السجادة: يا عبد الله. وهل تعطي للدنيا أكثر مما تعطيه لدينك!

قلت بلهجة تهكمية: اسكتي يا سجّادتي.

أرجوك لا تتكلمي. فإنني متعب مرهق.

أريد أن أنام.

فسكتت السجادة برهة متأثرة بما قال عبد الله. ثم نطقت بصوت حزين قائلة: آه لـرجال الفجر.

آه لرجال الفجر.

ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» -يعني الفجر والعصر (1).

وقال عليه الصلاة والسلام: «من صلى البردين دخل الجنة» (2).

وقال عليه الصلاة والسلام: «بشروا المشائين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (3).

«ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا» (4).

فانتبه عبد الله من غفلته وقال: فعلًا إن صلاة الفجر مهمة.

السجادة: قم يا عبد الله قم.

قال: غدًا أبدأ إن شاء الله. ولكن اتركيني اليوم لأنام، فإنني مرهق.

السجادة وهي متحسرة: من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال.

ثم قالت: ستنام غدًا في قبرك كثيرًا يا عبد الله، وستتذكر كلامي ونصحي، ثم تركته السجادة، ونام عبد الله، ولكن! كانت أطول نومة ينامها في حياته فقد قبض من تلك الساعة.

فأنشدت السجادة حين علمت بوفاته قائلة:

يا من وعد غدًا لتوبته *** أعلى يقين من بلوغ غد

المرء في ذلك على أمل *** وليس الإنسان بــالرصد

أيام عمرك كلها عدد *** ولعل يومك آخر العدد

 

(1) رواه أبو داود والترمذي عن دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ص 6/243.

(2) رواه البخاري في الفتح ج 2/141 (657) دار الباز.

(3) المدهش «لابن الجوزي»/234 دار الجليل.

(4) صحيح البخاري، 657.

قصص المرابطين

مضاعفة القرض الحسن

في أيام الأزمة الحالكة، أصاب أهل الكويت الفاقة ونقصت الضروريات من الحياة من الطعام والمال والأمن، ولم يكن أحد منهم يتميز عن الآخر في هذه الأمور. تجلت حينها مواقف إيمانية عظيمة ما كنا نسمع بها إلا في الروايات ومواقف الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. ومن هذه القصص ما يرويه لي أحد الثقات بأن شابًا دخل على والده في الديوان بعد أداء صلاة العصر في المسجد واستأذن أباه للتحدث معه على انفراد، فاستأذن الأب رواد الديوان وخرج مع ابنه خارج الديوان ليحدثه.

فقال الشاب لوالده: إن لنا صديقا عسكريًا وهو مراقب ومتخفٍ ولا يملك دينارًا واحدًا ينفقه على أهله وعياله، وهو محتاج لمبلغ من المال.

قال الأب: يا بني ليس لي وأنا أعيل كما تعلم سبعة أطفال وزوجة، سوى مائة وخمسين دينارًا عراقيًا، فماذا عساني أعطيه وماذا أبقي لعيالي؟!!

الشاب: ولكن هذا الصديق لا يملك شيئًا الآن.

وبعد لحظة تفكر من الأب يقلب الأمور، فإذا به يلتفت إلى ولده ويقول: يا بني خذ نصف ما عندي من المال واذهب به لصديقك العسكري.

فرح ذلك الشاب بقرار والده، وانطلق بالمبلغ لصديقه العسكري، ولكن الوالد استوقفه في الطريق، ولعل الشاب خشي أن يرجع الوالد بكلمته، ولكنه فاجأه عندما قال له: «يا بني خذ المبلغ كله، لأن نصف هذا المبلغ لا يكفيه إلا ليومين فقط». وانطلق الشاب فرحًا بقرار والده الذي ينم عن إيمان عميق بأن الرازق هو الله فهو مالك المال يهبه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء. وانفرد لوحده رافعًا يديه إلى السماء وهو يتمتم بالدعاء وقد انهمرت الدموع من مقلتيه وهو يناجي ربه: «يا أرحم الراحمين، فرج عنا الكرب وتقبل منا صالح الأعمال».

ثم رجع الوالد إلى الديوان حيث يجلس فيه بعض أهل الحي، وبعد صلاة المغرب يطرق شاب ملثم مجهول الهوية الباب على منزل ذلك الوالد، فيفتح له الباب، ثم يسلم الملثم للوالد ظرفًا فيه ألف وخمسمائة دينارًا عراقيًا. فقال الوالد للملثم: من أنت؟

الملثم: فاعل خير.

الوالد: ومن أين هذا المال؟

الملثم: من الله الكريم.

فسبحان الله كيف يرى الناس آياته ليزدادوا إيمانًا. فقد ضاعف لهذا الوالد ما قدم عشرة أضعاف ما قدم لذلك المحتاج، وصدق الله حيث قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 245).

 

أقوال

 

قال أيوب السختياني:

«ما صدق الله عبد، إلا سرَّه ألا يشعر بمكانه». التواضع / 64.

كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته في بيته: «تحدثوا فلست أسمع حديثكم». وكان إذا دخل المنزل سكت أهل البيت فلا يسمع لهم كلام، وإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا. صفة الصفوة 3/239.

قال عثمان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل. الزهد لأحمد 138.

كان من دعاء الخليل بن أحمد.

«اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك» واجعلني في نفسي من أوضع خلقك، واجعلني عند الناس من أوسط خلقك. التواضع ص46.

يعرف الإمام ابنتيمية العبودية بأنها «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» العبودية 38.

يقول ابن القيم: «التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين عبادة واستعانة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة». تهذيب مدارج السالكين 236.

يقول التابعي طاووس: «طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين». صفة الصفوة 2/289.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

110

الثلاثاء 02-مايو-1972

الأسرة "98"

نشر في العدد 358

99

الثلاثاء 12-يوليو-1977

من شذرات القلم (العدد 358)

نشر في العدد 453

112

الثلاثاء 10-يوليو-1979

الأســــــرة (العدد 453)