; وقفة تربوية | مجلة المجتمع

العنوان وقفة تربوية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1992

مشاهدات 52

نشر في العدد 1006

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 07-يوليو-1992

بين دخان البخور ودخان السجائر

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».

هذا الحديث العظيم والذي يمثل أصلًا من أصول الدعوة، وعنصرًا رئيسًا في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يغفل عنه الكثير من الدعاة، فالمخالطة مع الناس بوجه العموم تستوجب معرفة الداعية بأن الناس لا يتماثلون في أخلاقهم وطبائعهم وعاداتهم فمنهم من أخذ من الأخلاق العالية بالحظ الوافر، ومنهم من كان أسوأ من البهيمة، وبين هذا وهذا أصناف لا تعد ولا تحصى، فلذلك لابد للداعية من توطين نفسه على هذا فيتهيأ عند مخالطته لتحمل دخان السجاير والأرجيلة، وبعض العادات السيئة أثناء محاولته انتشالهم مما هم فيه إلى عالم الطهارة والنقاء، وهيهات أن يتساوى من يتحمل هذا النوع من الأذى، وتلك المجالس من أجل إيصال دعوة ربه للناس، وبين من يتقلب من طيب إلى طيب، ومن مجلس بخور إلى آخر.

وصدق ابن المبارك عندما قال مخاطبًا الزاهد الفضيل بن عياض:

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا

رهج السنابك والغبار الأطيب

وصدق «سيد» رحمه الله عندما قال مخاطبًا المتقاعسين من الدعاة عن حمل الراية والأمانة، وترك الناس دون انتشال من حماة الجاهلية.

أخي هل تراك سئمت الكفاح

وألقيت عن كاهليك السلاح

فمن للضحايا يواسي الجراح

ويرفع راياتنا من جديد

عبد الحميد البلالي

من أين نبدأ؟

  • د. نجيب الرفاعي.
  • الشيخ سلمان مندني.
  • الشيخ أحمد السبيعي.

قامت أسرة التحرير في «المجتمع التربوي» بإجراء مقابلة مع بعض الدعاة البارزين في حقل الدعوة الإسلامية في الكويت لتستشف آراءهم حول قضية تربوية اختلفت فيها الآراء وانقسمت فيها الجماعات، كل يراها من زاوية تختلف عن الآخر، والباب مفتوح لجميع الدعاة في العالم ليدلوا بدلوهم في إثراء هذا الحوار وصولًا للفائدة التي نرجوها للعمل الإسلامي المعاصر، وكان اللقاء مع الدكتور نجيب الرفاعي المدير العام للمعهد الديني وصاحب برنامج «رسائل الإخاء» في تلفزيون الكويت والشيخ سلمان مندني خطيب مسجد البشر في مشرف، والشيخ أحمد السبيعي خطيب مسجد مريم في منطقة مشرف، والسؤال الذي دار حوله النقاش هو «يهتدي الكثير من المسلمين كنتاج للعمل الإسلامي فبماذا نبتدئ معهم لتقوية عودهم، ولإيصالهم إلى بر الأمان».

د. نجيب الرفاعي:

يقول د. نجيب الرفاعي:

في البداية يجب أن ندرك أن هناك اختلافا في البيئات.

فالإنسان الخليجي يعيش في بيئة مترفة وفي بحبوحة من العيش، فالحديث معه يجب أن يختلف عن ذلك الإنسان الذي عاش سنوات طويلة تحت نيران المدافع والحرب المتصلة مما أنتج بيئة فقيرة لا تتوفر فيها الأمور الأساسية للإنسان، كما أن الأسلوب أيضًا يجب ألا يتماثل مع ذلك الإنسان الذي يعيش في دول يتحكم فيها الطغاة، فالذي يدعو إنسانًا في مثل هذه البيئة الجاسوسية لابد أن يراعي الحذر الشديد.

والبيئة التي يعيش فيها الخليجي تجعلنا نركز على إعطائه كلامًا عن الجنة والنار، ونركز فيه على الخوف من الله عز وجل، ونحذره من فتنة المال والنساء والمراكز وخلافه، بينما الذي يعيش في بيئة فقيرة على سبيل المثال فلا تحدثه عن فتنة المال لأنه أصلًا لا يوجد لديه مال، ولا يعيش هذه القضية، وربما لا تنجح معه هذه البداية، بل يجب أن توضح له قيمة الصبر والغنى بالآخرة من خلال كلام الله عن المظلومين، والذي يعيش في بيئة غير متعلمة لا تدخل معه في قضايا جدلية ومعقدة، لأن صاحبنا هذا ليس له اطلاع كثير، ومع هذا فإن البداية في الحديث عن بعض المسائل العلمية يمكن أن نستخدمه في البيئات الثقافية، وهكذا.

فالبيئات تعطينا مؤشرًا عن نقطة البداية مع هذا الإنسان، ولكن الجامع المشترك بينهم جميعًا هو البدء بترسيخ العقيدة الإسلامية، وذلك بإدخال الإيمانيات في قلب ذلك الإنسان.

الشيخ سلمان مندني

يقول الشيخ سلمان مندني: دخول مدعو جديد عالم الدعوة، إنما هو بداية المعرفة لطريق يوصل إلى الجنة بإذن الله، لذا ينبغي أن يكون لدى الفرد قناعة تامة بهذا الأمر قناعة لا يداخلها شك أو تردد في تصديقها، وهذا الأمر حتى يتحقق في نفس المدعو، لا بد من أمرين اثنين، نحرص عليهما الحرص كله: الأمر الأول: محبة العمل في الدعوة، والأمر الثاني: محبة العاملين في ميدانهما، وبدونهما، لا يكون استمرار في ميدان الدعوة، قبل انقطاع، ثم ترك، وعودة إلى سابق العهد.

فالأمر الأول: العامل في حقل الدعوة بحاجة ماسة إلى محبته حتى يكون إقباله، إقبال محب راغب، لا مرغم مجبر، أو غير مقتنع، راض، وإنما دعته ظروف اضطر معها أن يكون في حقل الدعوة، وأن يحسب من العاملين بها، وهذه طامة الدعوات لها آثارها ونتائجها الخطيرة فيما بعد، فحب الشيء يستلزم معرفته، ومعرفة فضائله، وخيره، ونتائجه، فالإنسان عدو ما يجهل كما هو معلوم، لذلك فالبداية مع المدعو الجديد، تدعو إلى تبين معنى الدعوة إلى الله، أبعادها، جوانبها، وجوبها، آثارها الفردية على الداعية، الأسرية، الاجتماعية، ثم بركة ذلك كله على حياة الداعية، وهو أمر محس ملموس، ويكون ذلك من خلال منهج مبسط واقعي مدعم بالأمثلة والشواهد، مؤكد بالأدلة القاطعة الثابتة من آيات وأحاديث، مشروحة بالسيرة، والتراجم لما لها من وقع نفسي مؤثر، يدفع لمحاكاتها والتمثل بها.

الأمر الثاني: ويتعلق بمحبة العاملين في هذا الحقل، وهو جانب مكمل للأول ولا يقل عنه من حيث أهميته بين المدعو الجديد، وبين المربي الأول حواجز نفسية لا بد من إزالتها ليسهل تأليف القلب والنفس إلى مربيه ومعلمه، وهذا جانب ليس بالقليل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، فإننا نلمسه في معاملته صلى الله عليه وسلم، ومحادثته، ونصحه، وإرشاده لهم، يحرص عليه الصلاة والسلام على هذه القضية، ألا وهي تأليف قلب المخاطب مع ما في قلوب أصحابه، من حب له صلى الله عليه وسلم، لكنه مع ذلك يؤسس لنا منهجًا في تأليف القلوب قبل التعليم والهداية، فالنفوس إن لم تتهيأ فإنها لا تتلقى، والقلوب إن لم تمل للقائل، فإنها لا تستوعب ولا تكترث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37)، فقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ، قبل أن يعلمه ويرشده يا معاذ إني لأحبك، ثم أردف صلى الله عليه وسلم معلمًا: «لا تنس دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» فانظر أخي: إلى وقع كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم «إني لأحبك» في نفس معاذ، كيف تلقفها، وكيف مهدت النفس لاستيعاب كامل، ورضى وتقبل لما سيسمع، إننا بحاجة ماسة شديدة إلى منهج يوضع، في هذا الجانب ينفذه مربون على جانب كبير من الوعي والفهم، والإدراك والتليين واللطف، والرفق، وسعة الصدر، فكم من مرب حبب العمل إلى نفوس المدعوين وكم من مرب نفر من العمل، بل ومن الإسلام!

هذان جانبان نبدأ بهما مع المدعو الجديد، من خلالها يقبل إقبال المندفع المحب الطامع في الأجر، الواثق مما يدعو إليه المقتدي بمربيه، يراه بصورة المشفق الحريص.

ونسأل الله أن يؤلف على الخير قلوبنا وأن يصلح ذات بيننا.. آمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الشيخ أحمد السبيعي

يقول الشيخ أحمد السبيعي:

لقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، فتكون البداية من نقطة فساد تلك المضغة ومصدر الفساد كما ذكر ابن القيم إما شبهة أو شهوة فتكون المعالجة لذلك، فنجد ابن مسعود رضي الله عنه يمر على زاذان الكندي وهو يطرب أصحابه بالغناء فيقول ما أجمل هذا الصوت لو كان في كتاب الله فتكون هذه الكلمة سبب توبته، ويطرق الطارق باب بشر الحارث وقد جمع أصحابه للهو والغناء فيقول: أصاحب الدار عبد أم حرًا؟ فتجيب جاريته بل حر فيقول: «صدقت لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية مع سيده» فتكون توبة بشر على مثل هذه الكلمات، وأما معالجة الشبهة فلنا في محاورة ابن عباس مع الخوارج عبرة في ذلك حين سألهم ما نقمتم على علي؟ فقالوا: حكم الرجال في أمر الله فقال: ألم يحكم الله الرجال في إصلاح ذات البين بين الرجل وزوجه؟ قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (النساء: 35) وفي المحرم الذي يقتل الصيد، قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ (المائدة:95) فناشدتكم بالله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين أفضل أم في بضع امرأة وفي دم أرنب قالوا بلى هذا أفضل، فرجع منهم سواد كبير إلى رشدهم.

وبعد هذه المعالجة تكون الصياغة المتكاملة في القيم والمبادئ السامية الرفيعة إنه الارتقاء بهذه النفس من اهتماماتها الدنيوية إلى اهتمامات ربانية أخروية سامية:

وهي تدور حول ثلاثة محاور يرتكز عليها الكيان الإنساني.

1.   الفكر.

2.   المشاعر.

3.   الجوارح.

ولابد في تهذيب النفس في هذه المحاور الثلاثة أن يكون منطلقها العقيدة الصافية التي تقوي ارتباط العبد بخالقه وتعرفه بدوره الحقيقي، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) ولا نقصد العقيدة أن يتعلم مصطلحات من باب الثقافة فحسب بل هي العقيدة التي تنمي الخشية والمراقبة الدائمة والتقوى وهي التي يستشعر العبد في أفعاله اقترابه من ربه فيعيش المعنى الذي ذكره جبريل عليه السلام عن الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

فيكون هذا هو المنطلق في الارتقاء بالنفس ومن ثم تبدأ مرحلة سمو الاهتمامات بالفكر والمشاعر والجوارح.

يقول ابن مسعود: «كفى بالموت واعظًا وكفى بالعبادة شغلًا وكفى باليقين رضا».

هذه علاجات ومدارس تتهذب فيها اهتمامات الفكر والمشاعر والجوارح، فالفكر الذي تشاغل الهم فيه بتطلعات دنيوية يكون ذكر الموت ومدارسة أحوال الآخرة هو تصحيح المفاهيم والموازين المغلوطة والتصورات والأفكار الخاطئة ومدرسة في رفع الغفلة وعدم تناسي الغاية وخاصة أنها من طبع الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (طه: 115) وهو بحاجة دائمًا إلى التذكير وإلى هذه المدرسة يقول الحسن: حادثوا القلوب فإنها سريعة الدثور، وكفى بالعبادة شغلًا فالجوارح التي لا تسكن كما قال الراشد بحاجة إلى عظائم تتشاغل بها وإلا انشغلت بالصغائر، ولا ننسى المدرسة التي تربي محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل عليه الرسالة والأمانة كيف كان يعده الله لذلك الأمر العظيم بعبادة وقيام الليل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المزمل: 1-2) وكفى باليقين رضا مدرسة لا يجد أثرها إلا صاحب هذه العقيدة فالمشاعر التي تتحكم بمن سواه هو يتحكم بها فتكون كلها رضا بما أعده الله للمتقين في الآخرة فلا يتأثر ببطر المفسدين وسطوة الظالمين ولا يفتن بترف المنعمين، ما يجده من ابتلاء فهو صابر محتسب بل وحبيب إلى قلبه ونفسه فهو علامة محبة الله فيزداد بهذا المعنى قوة وصلابة فتجده يعيش بين الناس في دنياهم بقلب معلق بالآخرة فهو من أزهد الزاهدين بما في أيديهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: 131) فمن وفق لذلك فقد أحسن الابتداء وارتقى درجات الفائزين. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

283

الثلاثاء 24-مارس-1970

كلمة عن إعلانات التدخين!!

نشر في العدد 11

104

الثلاثاء 26-مايو-1970

يوميات المجتمع - العدد 11

نشر في العدد 42

125

الثلاثاء 05-يناير-1971

خطورة التدخين