العنوان المجتمع التربوي: 1486
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002
مشاهدات 63
نشر في العدد 1486
نشر في الصفحة 54
السبت 26-يناير-2002
وقفة تربوية ... طرق الوصول
ما من مؤمن إلا وأقصى أمنياته الوصول إلى مالك السماوات والأرض، وخالق كل شيء، فبالوصول إليه يضمن المؤمن رضاه وينعم باللذة الإيمانية، والسعادة التي يبحث عنها الجميع فلا يجدها إلا القليل منهم.
لكن كيف الوصول إلى الله؟
من رحمته –سبحانه– بنا أنه لم يتركنا هكذا ضائعين لا نعرف كيفية الوصول إليه بل دلنا عليه في كتابه الكريم، واشترط لذلك اتباع هدي النبي ﷺ وسنته فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: ۳۱).
فكلما اجتهد المؤمن باتباع سنة نبيه ﷺ وتحرى دقائقها – أقوالًا وأفعالًا وتقريرًا – فإنه يتقرب إلى الله، وعندما يوفقه الرحمن إلى ذلك عليه أن يتذكر نعمة الله عليه وتوفيقه له، وألا يكل الأمر إلى نفسه طرفة عين، بل يجب عليه أن يشعر دائمًا بأنه فقير محتاج إليه ذليل بين يديه، لا يتعالى بعلم ولا بمذهب، ولا بشهرة، ولا بمنزلة بين الناس، بل يجب أن ينسب الفضل لبارئه، ثم لا يقوم بعمل أو قول إلا ويريد وجه الله فيه ويتذكر على الدوام أن ما كان لله اتصل، وما كان لغير الله انفصل.
ويجمل هذه الطرق الثلاثة الإمام ابن القيم بقوله: «أقرب الوسائل إلى الله، ملازمة السنة، والوقوف معها في الظاهر والباطن ودوام الافتقار إلى الله، وإرادة وجهه وحده بالأقوال والأفعال، وما وصل أحد إلى الله إلا من هذه الثلاثة، وما انقطع عنه أحد إلا بانقطاعه عنها أو من أحدها» (الفوائد، ص١٤١)
نسأل الله التوفيق للوصول إليه تعالى والنظر إليه يوم القيامة.
أبو خلاد
الإنذار المبكر في الهدي النبوي.
معرفة العصر واجبة للحرص على التزام الخير واجتناب الشر.
حفل القرآن الكريم والسنة المطهرة بإنذارات طالت مختلف نواحي الحياة ليحسن الناس قراءة واقعهم.
بقلم: د. فتحي يكن
نحن مطالبون بمتابعة الخط البياني الرباني للمسار البشري ولطبيعة الأزمنة والعصور، كي نتعامل مع كل عصر وزمان بمقتضى الإسلام، والهدي القرآني والنبوي، وهما المنار من كل زلل، والعاصم من كل زيغ وانحراف، مصداقًا لقوله ﷺ : «تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي». (رواه مالك في الموطأ)
لكل عصر طبيعته وملامحه وقسماته من خير وشر، والعصور ليست سواء، قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٠)، ومعرفة العصر واجب للحرص على التزام الخير واجتناب الشر، وصدق القائل: «رحم الله امرءا عرف زمانه واستقامت طريقته».
يقول حذيفة t: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ له عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن قلت وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت علىذلك» (رواه البخاري)
أمثلة من السنة
وتزخر السنة النبوية بإشارات وإيضاحات وتوصيفات ثم بإرشادات وتحذيرات تتناسب مع طبيعة كل مرحلة من تلكم المراحل، وقبل مجيئها كأنها إنذار مبكر ينبه الغافلين ويرشد التائهين ويزيد الذين اهتدوا هدى.
وللدلالة والتأكيد على ما ذهبت إليه من الحرص النبوي بالإنذار المبكر والعلاج الوقائي أقدم الأمثلة التالية:
يقول رسول الله ﷺ: «خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، والآخرون أراذل (رواه البخاري)
وفي هذا تنبيه وتحذير للتابعين، وتابعي التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، من وعثاء السير، ومنزلقات الطريق ومضلات الهوى، ومن كل الفتن ما ظهر منها وما بطن ليستعدوا وليشمروا، فلا يقعدوا مع القاعدين، ولا يكونوا من الغافلين، فاليوم عمل ولا حساب ويوم القيامة حساب ولا عمل، وصدق عمر بن الخطاب t: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتهيأوا للعرض الأكبر».
وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: «أنتم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، ثم تظهر فيكم السكرتان سكرة الجهل وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك، فلا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر، ولا تجاهدون في سبيل الله القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا» (حياة الصحابة للكاندهلوي)
وهذا الحديث يعتبر إنذارًا مبكرًا من عواقب الجهل وحب العيش التي من شأنها تعطيل فريضتين مهمتين هما فريضة الحسبة، حيث تشيع المنكرات وفريضة الجهاد، حيث تنزل الهزائم ويرتع الأعداء في أرض الإسلام.
وفي إنذار آخر شبيه بالذي سبقه يقول الرسول ﷺ: «لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها، وتصرف عنهم العذاب والنقمة.. ما لم يستخفوا بها، قيل: وما الاستخفاف بها يا رسول الله؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله، فلا ينكر ولا يغير» (رواه الأصبهاني).
وفي هذا إشارة واضحة إلى سوء مصير الساكتين عن الحق المحجمين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع نطقهم بالشهادتين وانتمائهم إلى الإسلام، وهو ما يؤكد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما ركيزتا سلامة المجتمع وأمنه واستقامته وفلاحه وسعادته.
وفي لفتة استشرافية مخيفة يقول الرسول ﷺ: «إنها تأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»، أي السفيه، (رواه أحمد).
وقد ينطبق ذلك على هذا الزمان الذي نعيش فيه، ففيه تلك الصفات الذميمة التي جاء التحذير النبوي منها سابقًا لوقوعها، فكثير من أولي الأمر الناجز وأصحاب القرار النافذ في هذا الزمان جبلوا على الكذب والخيانة، وارتضوا بأن يكونوا في جبهة أعداء الإسلام. أما أهل الإسلام وأولياؤه ودعاته من الصادقين والأمناء والمؤتمنين فإنهم متهمون بالكذب والخيانة، وكل ما احتواه قاموس اللغة من خصال سوء ومنكر، فهم المتخلفون والمتطرفون، والإرهابيون والعملاء ومطلوب أن يكونوا منبوذين محاربين مبعدين عن مواقع السلطة والقرار.
إنذارات لمختلف نواحي الحياة
وفي إنذار شديد التبكير يقول الرسول ﷺ «يأتي على الناس زمان يغربلون فيه غربلة، يبقى منهم حثالة، قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا (رواه أحمد). كأن الغربلة هنا ما يتميز بالفتن والمحن والشدائد وبالرغب والرهب وكل صنوف الامتحان، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء ٣٥)، وفي آية أخرى، قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: 31 )، وصولًا إلى النتيجة الحاسمة: ﴿ليَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ﴾ (الأنفال:37).
ولقد حفل القرآن الكريم والسنة المطهرة بإنذارات طالت مختلف نواحي الحياة ليحسن الناس قراءة ما يجري لهم، وأسباب ما يعتريهم من مشكلات، ويصيبهم من مصائب، ثم ليتدبروا أمورهم ويصلحوا أحوالهم، وليكونوا مستبصرين ومن ذلك أشارت الآيات إلى أسباب هلاك الأمم لنتجنبها، كقوله تعالى في الإشارة إلى عاقبة الظلم: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف: 59)، والآيات في هذا كثيرة، وأسباب الهلاك متعددة.
وإلى ذلك أشارت الأحاديث النبوية إلى الأسباب الحقيقية الكامنة وراء المشكلات التي تعصف بالأفراد والمجتمعات والدول كقوله ﷺ في نتيجة سوء اختيار أولياء الأمور: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة (رواه البخاري) وقوله في نتيجة السكوت عن الظلم، وعدم نصح الحاكم: إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها، (رواه الحاكم)، وقوله في نتيجة حب الدنيا وكراهية الموت: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا إنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينز عن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن قبل وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.
خلاصة القول: إن التخبط الذي يعيشه الناس والأمم والشعوب كما الدول والأنظمة والحكومات والمؤسسات والجماعات إنما يعود إلى عدم الأخذ بالأسباب الوقائية للمشكلات والأزمات وعدم إدراك الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها، مما يجعل كل فعل بعد ذلك في غير محله، ومن دون جدوى، وقد يزيد المشكلة تعقيدًا، كصيحة في واد، أو نفخة في رماد نسأل الله الهدى والسداد.
الناس أربعة أصناف في عقولهم
جاء في لسان العرب أن العقل هو الحجر والنهي ضد الحمق، والجمع عقول والعاقل هو الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، فالعقل يعني التثبت في الأمور، وسمي عقلًا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك.
وجاء في الحديث أن قومًا أثنوا على رجل عند النبي ﷺ حتى بالغوا فقال ﷺ: كيف عقل الرجل؟ فقالوا: نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله؟
فقال ﷺ: «إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر، وإنما يرتفع الناس في الدرجات الزلفي من ربهم على قدر عقولهم».
وقالﷺ: لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته، أما سمعتم قول الفجار في النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أصحابِ السعيرِ﴾ (الملك:10).
وقد صنف الناس على أربعة أصناف على حسب عقولهم، وهي كالتالي:
الصنف الأول: عقولهم مغمورة بالشهوات فلا يصيدون بها إلا حظوظهم المعجلة، لذلك يكدون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر بما يريدون، وهذا النعت موجود في طالب الدنيا بكل حيلة ومحالة.
الصنف الثاني: عقولهم منتبهة، لكنها مخلوطة بسبات الجهل، فهم يحرصون على الخير واكتسابه، ويخطئون كثيرًا، وذلك لأنهم لم يكملوا في الجبلة الأولى، وهذا النعت موجود في العباد الجهلة والعلماء الفجرة.
الصنف الثالث: عقولهم ذكية ملتهبة، لكنها عميَّة عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة.
وهذا نعت موجود في العلماء الذين تثلج صدورهم بالعلم، وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد ويطلبون إلى نيلها الشداد، فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة والراحة.
الصنف الرابع: عقولهم مضيئة، بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي والاصطفاء السني والاجتباء الزكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة، فنراهم حضورًا وهم غيب، ومجتمعين وهم متباينون (تباين اجتهاد لا تضاد).
أسأل الله أن يجمع شمل المسلمين ويوحد كلمتهم، ويسخر عقولهم وإمكاناتهم لخدمة الإسلام والمسلمين.
علي إدريس الطاهر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل