; المجتمع التربوي (1265) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1265)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

مشاهدات 60

نشر في العدد 1265

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

إعداد: عبد الحميد البلالي

وقفة تربوية

قف.. تمهل.. لا تطلّق (1 من 2)

أبو خلاد

أرجو من الله أن يكون هذا المقال سببًا لإيقاف الكثير من حالات الطلاق، فكثير من المواطنين والمواطنات يتصلون بي لطلب المشورة قبل اتخاذ القرار الصعب في الانفصال، مما يترتب على ذلك الكثير من المآسي والتي تولد مآس أخرى تضاف إلى مشكلات المجتمع، وانطلاقًا من الحرص لإيقاف هذه المآسي نطلب من كلا الطرفين تجميد قرار الانفصال والتمهل، والعمل بالخطوات العشرة التالية: 

1- جلسة مصارحة: فلا يوجد أجمل من المصارحة في جميع أنواع الخلاف البشري والمصارحة من شأنها تذويب معظم الجليد الذي يفصل بين الطرفين، وبخاصة إذا روعي في هذه الجلسة الحرص على الوصول للحل، وتحديد نقاط الاختلاف، وعدم التطرق الفرعيات نتجت من تلك النقاط، والتجرد الكامل من كلا الطرفين، من غير إظهار ملائكية كل طرف على الآخر، وعدم إدخال أي طرف في هذه الجلسة. 

2- إعطاء الحقوق كثير من الخلافات الزوجية سببها تعطيل الحقوق من أحد الطرفين تجاه الآخر، كحق النفقة، أو حق الفراش، وحق العشرة بالحسنى، وحق المنزل أو المكان المنفصل، وحق التعليم للأبناء، وحق الحماية وغيرها من الحقوق، فلابد من التأكد من إعطاء هذه الحقوق، وإيقاف هذه الخلافات التي سببها التقصير بأداء تلك الحقوق أو بعضها. 

3- تحديد الواجبات هناك واجبات مشتركة بين الطرفين، وتخلي أحد الطرفين عن القيام بواجباته يسبب الخلاف المؤدي للطلاق فلابد من الاتفاق على توزيع هذه الواجبات بين الطرفين، كأن يتم الاتفاق على شراء المؤونة الشهرية من قبل الزوج، ويتم تدريس الأطفال من قبل الزوجة، ويتم أسبوعيًا إخراج الأطفال للنزهة من قبل الزوج، وهكذا توزع الأدوار ويتم الاتفاق ليقوم كل بدوره دون تداخل حتى يكمل كل جزء الجزء الآخر، وتمضي هذه الخلية تبني أبناءها بتناغم جميل، وكل يعرف دوره في هذا البيت.


في رحاب آية: المسرة من المضرة

بفلم حجازي إبراهيم

  • ربما أتت الفوائد من وجوه الشدائد، وربما كانت المنن في المحن، وربما انتفعنا على أيدي الأعداء.
  • ارتكاب المعاصي عواقبه آلام ومصائب وأحزان، والامتثال عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات.
  • من قوي صبره ويقينه تهون عليه كل مشقة في طلب الخير الدائم.

قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٢١٦)، في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة، لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد  (1).

إن علم العبد ذلك بعد تمام تحققه من رحمة الله بعباده ورأفته وكرمه وجوده، ونفاذ قدرته وإحاطة علمه، علمت أنك إذا سألته شيئًا أو هممت بشيء، أو احتجت إلى شيء فمنعك منه فإنما منعك ذلك رحمة بك وإحسانًا إليك، إذ لم يمنعك من بخل ولا عجز ولا جهل ولا غفلة، وإنما ذلك حسن نظر إليك، وإتمام لنعمته عليك، لكونه أتم نظر وأحمد عاقبة، والله يعلم ونحن لا نعلم فربما دبرنا أمرًا ظننا أنه لنا، فكان علينا، وربما أنت الفوائد من وجوه الشدائد والشدائد من وجوه الفوائد، وربما كمنت المنن في المحن والمحن في المنن، وربما انتفعنا على أيدي الأعداء، وأوذينا على أيدي الأحباء، وربما تأتي المسار من حيث المضار، وقد تأتي المضار من حيث المسار (2). 

رب مسرة هي الداء، ومرض هو الشفاء

ومن كلام الحكماء: رب مسرة هي الداء، ومرض هو الشفاء، كما قال:

كم نعمة مطوية

                            لك بين أنياب النوائب

ومسرة قد أقبلت 

                        من حيث ترتقب المصائب

فاصبر على حدثا 

                      ن دهرك فالأمور لها عواقب

ولكل كرب فرجة

                         ولكل خالصة شوائب (3)

قال أبو عبيدة: «عسى» من الله إيجاب والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال، وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم. 

ثم يقول القرطبي معقبًا وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال، وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته. 

هذا ما قاله الإمام القرطبي على الأندلس، نقوله نحن عن فلسطين، وقد انتزعها من أيدي مليار مسلم بضعة ملايين من يهود، وذلك لتركهم الجهاد، وقعودهم عن القتال، وإخلادهم إلى الأرض، واتباعهم للشهوات، إذ الجهاد والقتال كريه إلى النفس، وبغيض إلى القلب، بينما الترف والشهوات وزينة الأرض محبوبة إلى النفس ويهواها القلب، وغابت عنهم حقيقة هذه الآية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقال الحسن: لا تكرهوا الملمات الواقعة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير: 

رب أمر تقیه

                    جر أمرًا ترتضيه

خفي المحبوب منه

                       وبدا المكروه فيه (4)

وفي باب معاشرة النساء يقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء:۱۹).

يقول الإمام القرطبي أي إن كرهتموهن لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادًا صالحين.

ومن هذا المعنى ما ورد عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر، أو قال غيره» (5).

والمعنى أي لا يبغضها بغضًا كليًا يحمله على فراقها، بل يغفر سيئها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب.

وقال مكحول: سمعت ابن عمر يقول: «إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له، فيسخط على ربه عز وجل، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو خير له».

العقوبة على الذنب

يروي أن الشيخ أبو محمد بن أبي زيد كان من العلم والدين في المنزلة والمعرفة، وكانت له زوجة سيئة العشرة، وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها، فيقال له في أمرها، ويُعذل بالصبر عليها، فكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي، وما ملكت يميني، فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي، فأخاف إن فارقتها، أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها ومن هذه الآية قال العلماء فيها دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة (6). 

أسرار عظيمة في هذه الآيةفي هذه الآية

 إن علم المسلم بحقيقة هذه الآية يفتح له أفاقًا رحبة من الأسرار، ومن أهمها:

1- إنه لا أنفع له من امتثال الأمر، وإن شق عليه فهو في الابتداء، لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع، وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي، وإن هويته نفسه ومالت إليه، وإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب وبخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم والشر الطويل فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها والعاقل الكيس دائمًا ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها، فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة، فيرى المناهي كطعام لذيذ، قد خلط فيه سم قاتل، فكلما دعته لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم، ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق، مفض إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول.

ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها، وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق لما يؤمل عند الغاية فإذا فقد اليقين والصبر، تعذر عليه ذلك، وإذا قوي يقينه وصبره هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة. 

2- ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما يختاره له، ويقضيه له، لما يرجو فيه حسن العاقبة.

3- إن المسلم لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم فلعل مضرته وهلاكه فيه، وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئًا، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضيه بما يختاره، فلا أنفع له من ذلك. 

4- إن العبد إذا فوض أمره إلى ربه، ورضي بما يختاره له آمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له، ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.

5- إن في هذا التفويض راحة من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات وفراغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه.

فلو رضي باختيار الله، أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه، لأنه مع اختياره لنفسه، ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه، فلطفه يقيه ما يحذره ولطفه يهون عليه ما قدره (7).

مثال وواقعة: ونجلي هذه الآية للأفهام بمثال وواقعة، أما المثال فنحن مع الله- ولله المثل الأعلى- كصبي رأى طعامًا حسنًا، أو حلواء، أو عسلًا وفيه سم، وأبوه عالم بما فيه، فكلما حاول الصبي أخذ ذلك الطعام رده أبوه، فالصبي يبكي عليه لعدم علمه وأبوه يرده بالقهر لوجود علمه فلو عقل الصبي ما فيه ما حاول أكله، ولعلم نصح أبيه وشدة رأفته به.

كذلك العبد يريد الدنيا، أو الرئاسة، أو غير ذلك مما فيه ضرره، فيمنعه الحق تعالى منه رحمة به وشفقة عليه، واعتناء به، فإذا فهم عن الله، سلم الأمر إلى مولاه، ولم يتهمه فيما أبرمه وقضاه، وإذا لم يفهم عن الله تحسر وربما سخط، فإذا انكشف له سر ذلك بعد، علم ما كان في ذلك من الخير، ولكن فاتته درجة الصبر لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (8). 

وأما الواقعة فهي لرجل كان يسكن في البادية، وكان من العارفين، فاتفق له ذات يوم أن مات حماره وكلبه وديكه، فأتى إليه أهله، فقالوا له حين مات الحمار مات حمارنا، فقال: خير، ثم قالوا: مات الكلب، فقال: خير، ثم قالوا له: مات الديك، فقال خير، فغضب أهل الدار وقالوا: أي خير في هذا؟ متاعنا ذهب، ونحن ننظر، فاتفق أن بعض العرب ضربوا على ذلك الحي في تلك الليلة فاجتاحوا كل ما فيه، وكانوا يستدلون على الخيام بنهيق الحمار، ونباح الكلاب، وصراخ الديكة، فأصبحت خيمته سالمة إذ لم يكن بقي من يفضحها.

فانظر كيف كان حُسن نظر الحق لأوليائه وحسن تدبيره لهم؟ وكيف فهم الرجل العارف ما في ذلك من السر في أول مرة؟ فهذا هو الفهم عن الله رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر، أمين (9). 

الهوامش:

  1.  الفوائد لابن قيم الجوزية 136.
  2. إيقاظ الهمم 166.
  3. مكاشفة القلوب 80.
  4. تفسير القركبي 3/28.
  5. مسلم بشرح النووي 10/58/1469.
  6. تفسير القرطبي 5/65.
  7. الفوائد بتصرف 137.
  8. فتح الباري 3/148/1283 ومسلم بشرح النووي 6/227/926.
  9. إيقاظ الهمم 166 - 167.


من روائع القضاء في الإسلام.. 

شريح القاضي، نموذج من قضاء الإسلام وعدله

بقلم: محمد شلال الحناحنة

خلق الله الإنسان ليكون عبدًا لله مستخلفًا في إقامة شريعته في الأرض، ومتى ابتعد الإنسان عن هذه الرسالة، ابتعد عن الفطرة التي فطره الله عليها، ومن هنا أعد الإسلام أفراده ليمارسوا هذه الفطرة السوية، إنها صبغة الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة:138)، وكم يبهج النفس أن نقف قليلًا مع عدل الإسلام في قضائه، عدله في تنفيذ أحكامه على الأفراد والجماعات، حكامًا ومحكومين، نقف مع أحد قضاة الإسلام الذي زان القضاء الإسلامي بجواهر مضيئة، ونماذج فذة، إنه شريح القاضي.

ولنا أن نرى بدائع فريدة من قضائه: ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فرسًا من رجل من الأعراب، ونقده ثمنه، ثم امتطى صهوته ومضى به لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلًا حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري فانعطف به عائدًا من حيث انطلق، وقال للرجل: خذ فرسك فإنه معطوب فقال الرجل: لا آخذه يا أمير المؤمنين وقد بعته لك سليمًا صحيحًا، فقال عمر اجعل بيني وبينك حكمًا، فقال الرجل: يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندي، فقال عمر رضيت به؛ احتكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وصاحب الفرس إلى شريح، فلما سمع شريح مقالة الأعرابي، التفت إلى عمر بن الخطاب وقال: هل أخذت الفرس سليمًا يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: نعم، فقال شريح احتفظ بما اشتريت- يا أمير المؤمنين- أو رد كما أخذت، فنظر عمر إلى شريح معجبًا وقال: وهل القضاء إلا هكذا؟! قول فصل وحكم عدل سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها.

هكذا يسمو العدل في الإسلام! رجل من عامة الناس يقاضي أقوى زعيم على وجه الأرض في أقوى دولة آنذاك، ويرفض أن يسترد ما باعه إليه قبل دقائق ثم إن هذا الرجل الأعرابي يفرض على زعيم الأمة القاضي الذي يريد، ويقبل هذا الزعيم ذلك عن طيب خاطر وهو ليس زعيمًا عاديًا بل هو من قال فيه أعظم نبي- صلى الله عليه وسلم-: اللهم انصر الإسلام بأحد العمرين بل ويطلب زعيم الأمة من رجل من عامة شعبه أن يحتكما إلى قاض في هذا الموقف ولم يهدد، ولم يتوعد، ولم يقل للأعرابي لقد تجاوزت الخطوط الحمراء، لأنتقمن منك كيف تجرؤ على رفع عينيك في؟! لكنه ينصاع للحق بنفس طيبة متواضعة، فيختار الأعرابي القاضي الذي يطمئن لعدله وفقهه، ويختار شريحًا، فيسمع شريح مقالة الاثنين أمير المؤمنين والأعرابي ويقر عمر بأنه أخذ الفرس سليمًا صحيحًا، فينطق القاضي شريح بحكم الله وعدل الإسلام: «احتفظ بما اشتريت- يا أمير المؤمنين أو رد كما أخذت» ولم يغضب عمر زعيم الأمة، لم يغضب أمير المؤمنين، فقد رضي القضاء ورضي الحكم، بل بدا عليه الإعجاب لهذا القضاء العادل الفاصل، لأن قاضي المسلمين حكم للأعرابي بكل إنصاف ولم يحكم لعمر أمير المؤمنين، فقوله كان فصلاً، وحكمه كان عدلاً، وهكذا كانت جائزة هذا القاضي عظيمة ومسؤوليته أضحت جسيمة، كانت جائزته حاضرة في ذهن عمر، جائزة معنوية وعملية جائزة واقعية تتعاظم مع فكر هذا الرجل دون التواء: «سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها هذا هو الحق الذي هيأ الله به عمر ليفتح أصقاع الأرض.

إذن سر إلى الكوفة يا شريح فقد ولاك عمر قضاءها، ولم يقل خذوه إلى السجن، أو بعث بعسكره آخر الليل ليقبضوا عليه، كما يفعل اليوم بعض زعماء الديمقراطية المزيفة !!

أي جامعة هذه التي صنعت من عمر عملاقاً في أقواله، وعملاقاً في أفعاله، وفوق ذلك عملاقاً في تمحيص نفوس الرجال الكبار الكبار في أخلاقهم، والكبار في ممارسة ما يعتقدون لينهضوا بأمتهم، ويحققوا خيريتها .

ثم نمضي مع نموذج آخر من روائع شريح في القضاء، شريح الذي اختاره عمر ليكون قاضيًا للمسلمين فمن بدائع مواقفه الفذة: «أن عليًّا بن أبي طالب رضي الله عنه افتقد درعًا له كانت غالية عليه، ثم ما لبث أن وجدها في يد رجل من أهل الذمة يبيعها في سوق الكوفة، فلما رآها عرفها وقال: هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا، وفي مكان كذا، فقال الذمي: بل هي درعي وفي يدي يا أمير المؤمنين فقال علي: إنما هي درعي لم أبعها، ولم أهبها لأحد حتى تصير إليك، فقال: الذي بيني وبينك قاضي المسلمين، فقال علي: أنصفت، فهلم إليه، ثم ذهبا إلى شريح القاضي، فلما صارا عنده في مجلس القضاء، قال شريح لعلي رضي الله عنه، ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: لقد وجدت درعي هذه مع هذا الرجل، وقد سقطت مني في ليلة كذا، وفي مكان كذا، وهي لم تصل إليه لا ببيع ولا هبة، فقال شريح للذمي وما تقول أنت أيها الرجل؟ فقال: الدرع درعي وهي في يدي ولا أتهم أمير المؤمنين بالكذب، فالتفت شريح إلى علي وقال: لا شك عندي في أنك صادق فيما تقوله يا أمير المؤمنين، وأن الدرع درعك، لكن لابد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما ادعيت فقال علي: نعم مولاي قنبر وولدي الحسن يشهدان لي، فقال شريح ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين، فقال علي: يا سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» فقال شریح: بلى يا أمير المؤمنين، غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده، عند ذلك التفت علي إلى الذمي وقال: خذها فليس عندي شاهد غيرهما، فقال الذمي بإعجاب ودهشة ولكني أشهد بأن الدرع لك يا أمير المؤمنين، ثم أردف قائلًا: يا الله؛ أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه! وقاضيه يقضي لي عليه أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا لحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، أعلم أيها القاضي أن الدرع درع أمير المؤمنين وأنني اتبعت الجيش وهو منطلق إلى صفين، فسقطت الدرع عن جمله الأورق فأخذتها فقال له علي رضي الله عنه: أما وإنك قد أسلمت فإني وهبتها لك، ووهبت لك معها هذا الفرس أيضًا، ولم يمض على هذا الحادث زمن طويل حتى شوهد الرجل يقاتل الخوارج تحت راية علي في يوم النهروان، ويمعن في القتال حتى كتبت له الشهادة.

هنا يمضي شريح متألقًا في قضائه لا يخشى في الحق لومة لائم، ترى ألسنا بحاجة أن نقتدي بهذه النماذج الشامخة من الرجال المخلصين الأوفياء؟! هل من أوبة إلى الحق الذي تمحص فيه الرجال الرجال؟!


تأملات في نصوص شرعية.. 

شيخ الإسلام ابن تيمية والحزبية

بقلم: عبدالله حمود البوسعيدي

الناظر إلى واقع الأمة المعاصر يرى تحزبًا وعصبية بدوافع شتى أبعد ما تكون عن تعاليم الكتاب والسنة، ولعلنا نقبل من العامة التحزب وما يفضي إليه قبول واقع يفرض نفسه لا قبول رضا ولا استسلام إلا أن ذلك- أعني التعصب والحزبية- مرفوض من المنتسبين إلى العمل الإسلامي باختلاف طرائقهم ومثل هذا الواقع الحزبي كان موجودًا في القرون السالفة فتصدى له مع من تصدى شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- فكان موقفه كما في الفتاوى الكبرى.

أولًا: لا يرى شيخ الإسلام بأسًا في قوم نصبوا أحدهم زعيمًا عليهم، قال رحمه الله: وأما لفظ الزعيم فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (يوسف:۷۲).

 فمن تكفل بطائفة فإنه يقال له زعيم، فإن كان قد تكفل بخير كان محمودًا على ذلك، (1) وإن كان شرًّا كان مذمومًا على ذلك  وقال رحمه الله: وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبًا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم (2).

ثانيًا: تكلم- رحمه الله- عن الاختلاف في الأسماء لا اختلاف الأنساب بكل صوره، فبين صحة بعضه وسقم الآخر، واشترط ألا يؤدي إلى فرقة ومخالفة، قال عفا الله عنه وكذلك التفريق بين الأمة واتحادها بما لم يأمر الله به ولا رسوله مثل أن يقال للرجل: أنت شكيلي أو قرفندي، فإن هذه أسماء باطلة، ما أنزل الله بها من سلطان، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- له ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأمة لا شكيلي ولا قرفندي، والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكيلي ولا قرفندي، بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم-، وقد روينا عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل عبد الله بن عمر رضي الله عنهم فقال: أنت على ملة علي أو ملة عثمان، فقال: لست على ملة علي ولا على ملة عثمان، بل أنا على ملة محمد- صلى الله عليه وسلم-، وكذلك كان كل السلف يقولون كل هذه الأهواء في النار، ويقول أحدهم: ما أبالي أي النعمتين أعظم على أن هداني الله للإسلام أو أن جنبني هذه الأهواء؟ والله تعالى قد سمانا في القرآن المسلمين المؤمنين عبادًا فلا تعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وأباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، لكن الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخ كالقادري والعدوي، أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري، فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان (3). 

ثالثًا: يرفض شيخ الإسلام في الحزبية الأمور التالية:

1- أن تكون سببًا في المؤاخاة والمعاداة، قال- رحمه الله-: وأما عقد الأخوة بين الناس في زماننا فإن كان المقصود منها التزام الأخوة الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات:۱۰)، وقول النبي- صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم» (4)، وقوله: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يسأم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه» (5)، «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه»، ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان والتزامها بمنزلة الالتزام بالصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله، وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة. وإن كان المقصود منها إثبات حكم خاص كما كان بين المهاجري والأنصاري، فهذه فيها للعلماء قولان بناءً على أن ذلك منسوخ أم لا، فمن قال منسوخ كما قال الشافعي وأحمد في المشهور عنه قال: إن ذلك غير مشروع، ومن قال إنه لم ينسخ كما قال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى قال: إنه مشروع (6). 

2- أن تكون سببًا في الفرقة قال- رحمه الله- : «وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرًا بالجماعة والائتلاف ونهيًا عن التفرقة والاختلاف، وأمرًا بالتعاون على البر والتقوى ونهيًا عن التعاون على الإثم والعدوان (7).

3- أن تكون سببًا في إصدار الأحكام في الآخر، قال- نفع الله بعلمه- فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ (البقرة:٢٨٦)، وثبت في الصحيح أن الله قال: قد فعلت (8). 

4- أن تكون سببًا في منع الاستفادة من غير أعضائها، قال- رحمه الله: وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين فلا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن، كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وتلقى عنهم التابعون، وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان، فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه، فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر، ولا ينحصر ذلك في شخص معين ولا يحتاج الإنسان في ذلك أن ينتسب إلى شيء معين فكل من أفاد غيره إفادة دينية هو شيخه فيها، وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك، بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان ومن عرف عنه التقوى، ولا يخص أحدًا بمزيد موالاة إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه.

5- أن تكون سببًا في الاجتماع على الطاعة، كما قال- رحمه الله- النزاع في مؤاخاة يكون مقصودها بها التعاون على البر والتقوى بحيث تجمعهما طاعة الله وتفرق بينهما معصية الله، كما يقولون تجمعنا السنة وتفرقنا البدعة، فهذه التي فيها النزاع، فأكثر العلماء لا يرونها استغناء بالمؤاخاة الإيمانية التي عقدها الله ورسوله، فإن تلك كافية محصلة لكل خير ومنهم من سوغها على الوجه المشروع إذا لم تشتمل على شيء من مخالفة الشريعة (9).

في النهاية يخلص شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذه القاعدة: وبالجملة فجميع ما يقع بين الناس من الشروط والعقود والمحالفات في الأخوة وغيرها ترد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فكل شرط يوافق الكتاب والسنة يوفى به، ومن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط فكتاب الله أحق وشرطه أوثق(10) .

فمتى كان الشرط يخالف شرط الله ورسوله كان باطلًا، مثل أن يشترط أن يعاون على كل ما يريد وينصره على كل من عاداه سواء كان بحق أو بباطل، أو يطيعه في كل ما يأمر به (11).

الهوامش:

1 - 2 الفتاوى الكبير 11/92.

3- الفتاوى الكبير 3/415.

4 - 5 متفق عليه.

6-  الفتاوى الكبير 11/ 100.

7-  الفتاوى الكبير 11/ 92.

8-  الفتاوى الكبير 3/ 420.

9- الفتاوى الكبير 35/ 96.

10-  روى نحوه البخاري,

11-  الفتاوى الكبير 35/ 97.

الرابط المختصر :