; المجتمع التربوي (1560) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1560)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 19-يوليو-2003

مشاهدات 57

نشر في العدد 1560

نشر في الصفحة 55

السبت 19-يوليو-2003

وقفة تربوية.. 

لماذا سبقني فلان؟

كثيراً ما يتساءل بعض الصالحين والأتقياء فيما بينهم وبين أنفسهم لماذا سبقني فلان وعلان بالتجارة، ونجحوا ولم أنجح؟ ولماذا تبوأ فلان - الذي تخرج معي في الجامعة نفسها ذلك المنصب الكبير، وأنا لا أزال في مكاني ولماذا رزق الله فلاناً الأبناء وحرمت من ذلك وغيرها من التساؤلات مما يجعل للشيطان منفذاً عليه، ليعترض على قدر الله من حيث لا يدري، فيقع في المحذور!.

 ولو تأمل ذلك العبد الصالح والعالم البارز، والداعية التقي، لعلم أن الله تعالى ما صرفه ومنعه هذه النعمة إلا لمصلحته التي لا يعلمها هو، وذلك من حفظه له واصطفائه لعبده.

 يقول الصحابي الجليل ابن مسعود: «إن العبد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة، حتى ييسر له فينظر الله إليه فيقول للملائكة اصرفوه عنه، فإني إن يسرته له أدخلته النار فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير، يقول: سبقني فلان دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله U» (نور الاقتباس: ص ٤٩). 

ولو رجع العبد إلى حقيقة الإيمان لأدرك أن الله تعـالي لا يقدر له إلاالخير تكرهوا شيئا وهو خير ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  (البقرة:216)

 

كيف تصبح محاوراً ناجحاً ؟

ترتيب الأفكار- مراعاة مستوى المخاطب - وضوح الهدف - وحسن الاستماع أهم مقومات المحاور الناجح.

 الفكرة سلاح خطير، يمكن أن توظف في خدمة الأمة وخيرها، ويمكن أن توظف في غير صالح الأمة، فتهدم وتخرب أكثر من سلاح العدو.

 وهذا يتطلب من أصحاب الدعوات والمربين أن يتقنوا كيفية طرح أفكارهم، حتى يوصلوا الحق الذي يؤمنون به إلى غيرهم بسهولة ويسر وإقناع، فكلما كان لدى الداعية والمربي المهارة الكافية في النقاش والحوار، استطاع إقناع الآخرين بفكرته.

وسوف نعرض لبعض المهارات التي تعينك على أن تناقش بمهارة وتطرح أفكارك بفاعلية ومنبينها: 

1- العلم بالموضوع: هل يُعقل أن يتجاوز إنسان ذو علم وبصيرة في موضوع لا يعلم عنه شيئاً، أو في موضوع علمه به قلیل ضعیف غیر موثق.

 بالطبع لا، فعلمك بالموضوع الذي تتحاور فيه ذو أهمية قصوى في نجاح الحوار، فالآراء الشخصية غير المدروسة التي لا تساندها إحصاءات ولا أرقام ولا أسانيد علمية تكون وبالاً على المحاور والمستمع، فمن أجل احترامك لذاتك لا بد أن تكون على علم موثق بكل ما تطرح من أفكار، ولتعلم أن أراءك ليست حقائق مسلمة، فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم r 

 يقول عمر بن عبدالعزيز t: «من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح».

 ويقول الإمام علي كرم الله وجهه.

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم *** على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه *** والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حياً به أبداً *** الناس موتى وأهل العلم أحياء

فليكن حديثك مزيلاً بالحقائق والأرقام والأمثلة والعبارات العامة التي تخدم فكرتك التي تريد إيصالها للآخرين.

2- ترتيب الأفكار حيث إن هذا من شأنه أن يجعل حديثه منطقياً مشوقاً جذاباً مقنعاً، ومما يساعدك على ذلك علمك الجيد بالموضوع الذي سوف تتحاور فيه، فلترتب الأفكار ترتيباً منطقياً في ذهنك أولاً ثم تنطلق بها. 

  1. التركيز على فكرة واحدة كذلك يجدر ألا تعرض كماً كبيراً من الأفكار في وقت واحد فكلما عرضت فكرة واحدة في موقف واحد مناسب كنت أقدر على إقناع الآخرين به.

4- قراءة المستوى العقلي والثقافي للمخاطب: فمن الأخطاء التي قد يقع فيها بعض المتحاورين عدم مراعاة المستوي العقلي والثقافي للمحاور، مما يجعل الحوار مملاً واتجاه ويسير في واحد، وهو ما يسمى بحوار الطرشان روی ابن مسعود t قال: قال رسول الله r «ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (رواه مسلم).

 والمحاور بطبعه ميال لتغطية أفكار كثيرة في کلام قصير فتجيء أفكاره سريعة، ظناً منه أنها واضحة في ذهن صاحبه كما هي عنده، لكن واقع الأمر يختلف فهو قد فكر ملياً فيما سيقوله لكن المقابل فإن فكرته قد  كون جديدة على الطرف فيالآخر.

5- وضوح الهدف: فكلما كان هدف الحوار واضحاً في أذهان المتحاورين، كان الحوار بناء والطرح هادفاً، وهل يعقل أن يريد إنسان أن ينجح ويبرز، ويكون له شأن في دنيا الناس، وعند الله U، ثم يقضي أوقاته بدون فائدة، أو في حواراتلا طائل من ورائها، سوى إضاعة الوقت والعمر ؟

 عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (رواه الشيخان)، فمن شأن من يرجو المعالي أن ينأى بنفسه عن ذلك، فإن الوقت أثمن من إضاعته في فضول الكلام.

 فوائد تحديد هدف الحوار

عدم الإطالة فيه بما لا فائدة منه.

 عدم الخوض في الباطل.

 التقليل من الخلاف.

 عدم إضاعة الوقت الذي هو الحياة.

 إذا يجدر بالحوار الهادف أن يكون له هدف واضح محدد، ولابد للمتحاورين من الخوض في جوهر الموضوع وعدم لمسه من الخارج لمساً خفيفاً فذلك من شأنه إضاعة الوقت وتشتيت الجهد وعدم الوصول إلى ما يريد.

  1. حسن الاستماع يعد حسن الاستماع من أهم المهارات المطلوبة للحوار الجيد الفعال.

فلا بد أن تحسن الاستماع لكل ما يقال، لأن أغلب سوء الفهم الذي يحدث في الحوار يرجع إلى عدم القدرة على الإنصات بفاعلية، ومن ثم يمكن أن تتدهور أو تتحسن كفاءتك كمحاور طبقاً للطريقة التي تستمع بها إلى الآخرين.

فالإنصات الجيد مهارة، يجدر بنا أن نتدرب عليها، حتى نملك فرصة أكبر لاستيعاب مقاصد الكلمة، لكن المقاطعة والادعاء بأنك تعرف مقصود محدثك نوع من الغرور يؤدي إلى فشل الحوار، كما أن مقاطعة محاورك تحوله من متكلم إلى مستمع دون رغبة منه فلا بد من أن تمتص الشحنة التي لديه في الحديث حتى يتحول إلى مستمع جيد. 

هل تعلم لماذا لا يتكلم الطفل الذي ولد أصم؟ لأنه لم يستمع اللغة مطلقاً، وبما أن السمع يسبق النطق فلابد أن تتعلم كيف تكون مستمعاً جيداً حتى تصبح متحدثاً لبقاً.

 فالمتحدث البارع هو في الأصل مستمع جيد. قال أحد الحكماء لكي تكون مهماً ... كن مهتماً، إذ كيف تريد أن يستمع لك محاورك جيداً وأنت لم تكلف نفسك مجرد الاهتمام بما يقول. فضلاً عن أن تستمع إليه بإصغاء واهتمام؟

ومن فوائد حسن الاستماع :

١ - يفتح لك باباً جيداً للمعلومات والخبرات والحقائق.

2-  يكسبك احترام واهتمام من تحاوره.

3-   يساعدك على فهم الآخر فهماً جيداً.

٤ - يزيل سوء الفهم الذي قد يحدث لعدم الإنصات الجيد.

مهارات الإنصات بفاعلية :

۱ - انظر إلى الشخص الذي يتحدث باهتمام، وأظهر اهتمامك بما يقول.

2 - قم بتوجيه الأسئلة لتشعره أنك تتابعه.

3 -  لا تقاطع أثناء الحديث.

٤ - استخدم كلمات وعبارات محاورك للتعبير عن وجهة نظرك التي تريد إيصالها.

5 - اكتب الملاحظات التي تريد التعليق عليها. حتى لا تفوتك نقاط تريد مناقشتها.

 ٦ - استخدم بعض المهارات التي توحي باهتمامك مثل «أفهمك...» «اتفق معك»

7 - ركز في كل ما يُقال ولا تنشغل عن محاورك.

8 - لا تصدر حكماً حتى تستمع للحديث كاملاً.

9 - لا تتكلم مع غير المتحدث إلا لضرورة. 

۱۰ - اجلس على مسافة قريبة ممن يحاورك. 

۱۱ - کن مرناً في إبداء ملاحظاتك.

 ١٢-  وأخيراً: أنصت لتتعلم وليس بالضرورة لتنتقد.

7 -لغة الحوار حسن اختيار الكلمة من أهم عوامل نجاح الحوار وقوة التعبير وفصاحة اللسان وحسن البيان من أهم أركان الحوار الناجح فكم من حق ضاع لسوء التعبير عنه، وكم من باطل علا. لأن من يدافع عنه فصيح بليغ.

 فينبغي للمحاور أن يحسن اختيار الكلمات التي ينطق بها، فضلاً عن أن يراعي ظروف وأحوال من يحاورهم فلكل مقام مقال، ونحن أمرنا أن تخاطب الناس على قدر عقولهم.

وفي الحديث: «حدثوا الناس بما يعلمون اتريدون أن يكذب الله ورسوله» (رواه البخاري).

 وعن ابن مسعود t عن النبي r أنه قال: «ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة (رواه مسلم).

ولكي تضبط لغة الحوار يجدر بنا أن نراعي ما يلي :

١ - أن نستعين بالله ولا نعجز، فإنما العلم بالتعلم والحلم  بالتحلم.

۲ - ينبغي أن تكون اللغة المستخدمة في الحوار في غاية الانضباط وألا تحتمل الكلمة أكثر من معنى خاصة إذا كانت صادرة من إحدى الشخصيات العامة، كالدعاة والسياسيين.

٣ - كذلك ينبغي التمهل أثناء الحديث، حتى تمنح الطرف الآخر، الفرصة ليستوعب ما نقول.

٤-  لتركز على الكلمات الإيجابية لنطيل أمد الحوار.

5-  کرر مصطلحات وعبارات محاورك .

٦ - ابتعد عن اللغة الاصطلاحية التي لا يفهمها إلا أهل الاختصاص في كل علم من العلوم.

7-  خاطب الناس بما يمكنهم تنفيذه، ولا تشطح كثيراً في الخيال، وزن ألفاظك جيداً، فعادة ما تُعد الأخطاء وتُنسى الحسنات.

۸ - لا تغضب: إن غضبت من محاورك فاعلم أنك تسير في الطريق الخطأ لإقناعه بوجهة نظرك. وقليل من الغضب أثناء الحوار يعكر الجو، ويجعل محاورك يصم أذنه عنك مهما كنت على حق وهو على باطل، ولنتذكر قول النبيr في الحديث الذي رواه أبو هريرة t قال: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه).

والمحاور الجيد هو الذي يعرف كيف يحول الغضب إلى رفق ولين ومودة، لأن كسب الأشخاص مقدم على كسب المواقف لقوله تعالى : ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل 125)

كيف تتخلص من الغضب؟

1- استعن بالله U، فهو خير معين. 

۲- استعذ بالله من الشيطان الرجيم

3 - توضأ، فالوضوء يطفئ نار الغضب. 

4-غير المكان الذي تجلس فيه.

5 - الجأ إلى الصمت لقوله  : إذا غضب أحدكم فليسكت...

 

وكيف تمتص غضب من يحاورك؟

۱ - وافقه مبدئياً على مشاعره أوافقك على شعورك هذا ....

2 - ابحث عن نقاط الاتفاق وعززها  

 3- اصمت برهة ولا تتحفز للرد.

4 - حول غضبه على شخصك إلى المشكلة ذاتها.

5 - لا تغضب لشخصك.

6- التمس له العذر، وقل (أعذرك فيما تفكر)

۷ - اسأله: «ما الحل من وجهك نظرك؟

8 - انظر إلى الموضوع من وجهة نظره هو وقدر مشاعره.

٩- احترم رأي محاورك يخطئ البعض أثناء الحوار حينما يسفه رأي محاوره، أو يظهر عدم احترامه واهتمامه بما يقول.

وليس بالضرورة أن يكون ذلك بالكلام، فقد يكون بالإشارة أو الهمزة أو اللمزة أو الغمزة ....إلخ.

إن الإسلام يربي أبناءه على الذوق الرفيع والقيم العالية وينهى عن الفحش في القول والغلظة في الحديث وإن كل إنسان نتعامل معه - مهما كانت درجة علمه وثقافته - يريد أن يوصل لنا رسالة (من فضلك أشعرني بأهميتي) (من فضلك أجعلني أشعر أنني مهم عندك).

وهذا يقتضي أن تشعر الطرف الآخر باحترامنا وتقديرنا لشخصه. ولو شعر محاورك بذلك سوف يبادلك نفس القدر من المودة والاحترام، ولن يبخل عليك بم تريد أن تعرفه.

 وما يعيننا على ذلك:

1- أن نحترم الرأي الآخر مهما اختلف مع وجهة نظرنا.

2- أن يكون هدفنا إظهار الحق حتى لا نتعصب لفكرة ما على حساب الحق الذي نريد أن نصل إليه.

3- إذا كنت لا تعلم فقل لا أعلم.

٤- إذا جاك محاورك بما لا تعلمه فاشكر له ذلك وقدر ،معروفه، فالحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها .

 

 

الثبات .. مواطنه وأسبابه (1 من 2)

الفتن.. الجهاد.. الحق.. ولحظات الموت.. أهم المواطن التي يحتاج فيها المسلم إلى الثبات

  • من لاحت له ثمار الجنة هانت عليه مشقة الثبات

د.إسماعيل الزعبي

في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن حتى صارت كقطع الليل المظلم تشتد الحاجة إلى الثبات على منهج الحق، مهما بذل المسلم في سبيل ذلك من روحه ودمه وماله ووقته فكل ذلك يهون إذا استحضر ثمار الثبات وهي كثيرة. 

والثبات - بداية - نعمة وهبة من الله تعالى، فقد خاطب سبحانه نبيه محمداً بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (الإسراء:74) وقال سبحانه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم:27) وإن كانت لها أسبابها التي سنذكرها فيما بعد. 

أما مواطن الثبات فهي كثيرة تحتاج إلى تفصيل، ونكتفي هنا بسرد بعضها على وجه الإجمال:

أولاً: الثبات في الفتن

التقلبات التي تصيب القلوب سببها الفتن وإذا تعرض القلب لفتن السراء والضراء فلا يثبت إلا أصحاب البصيرة الذين عمر الإيمان قلوبهم.   

ومن أنواع الفتن

 1 - فتنة المال ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (التوبة 76)

2- فتنه الجاه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: 28)

وعن خطورة الفتنتين السابقتين قال r: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، بأفسد من حرص المرء على المال والشرف لدينه»([2]) 

والمعنى أن حرص المرء على المال والشرف أي المكانة والمنزلة العالية، أشد فساداً للدين من الذئبين الجائعين إذا أرسلا في غنم.

3- فتنة الزوجة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التغابن: 14)

٤ - فتنة الأولاد: «الولد مجبنة مبخلة محزنة»([3]) . أي سبب في جبن المرء وخوفه من القتال خشية عليهم، وسبب في بخله عن الإنفاق خوفاً عليهم من الفقر وسبب في كثرة الأحزان إذا أصاب أحدهم ضر أو أذى أو أتاه أجله في حياة أبيه.

5 - فتنة الاضطهاد والطغيان والظلم ويمثلها أروع تمثيل قول الله U﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (البروج: 4-9)

وروى البخاري عن خباب tقال: شكونا إلى رسول الله r وهو متوسد برده في ظل الكعبة، فقال r: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد، من دون لحمه وعظمه فما يصده عن دينه»([4]) .

٦- فتنة الدجال وهي أعظم فتن المحيا يا أيها الناس إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله آدم أعظم من فتنة الدجال يا عباد الله أيها الناس فاثبتوا فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه قبلي نبي([5]).

وعن مراحل ثبات القلوب وزيغها أمام الفتن يقول النبي: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه([6]).

 

ثانياً: الثبات في الجهاد

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال: 15) ومن الكبائر في ديننا الفرار من الزحف وكان r يردد مع المؤمنين، وهو يحمل التراب على ظهره في الخندق «وثبت الأقدام إن لقينا»([7])

ثالثا- الثبات علي المنهج

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب 23) مبادئهم أغلى من أرواحهم إصرار لا يعرف التنازل. 

رابعاً- الثبات عند الممات

أما أهل الكفر والفجور فإنهم يحرمون الثبات في أشد الأوقات كرية فلا يستطيعون التلفظ بالشهادة عند الموت، وهذا من علامات سوء الخاتمة كما قيل لرجل عند موته قل لا إله إلا الله، فجعل يحرك رأسه يميناً وشمالاً، يرفض قولها !.

وآخر يقول عند موته: «هذه قطعة جيدة هذه مشتراها رخيص».

وثالث يدندن بألحان أو كلمات أغنية، أو ذكر معشوق. 

ذلك لأن مثل هذه الأمور شغلتهم عن ذكر الله في الدنيا.

وقد يرى من هؤلاء سواد وجه أو نتن رائحة أو صرف عن القبلة عند خروج أرواحهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

أما أهل الصلاح والسنة فإن الله يوفقهم للثبات عند الممات، فينطقون بالشهادتين.

وقد يرى من هؤلاء تهلل وجه أو طيب رائحة ونوع استبشار عند خروج أرواحهم وهذا مثال لواحد ممن وفقهم الله للثبات في نازلة الموت، إنه أبو زرعة الرازي أحد أئمة أهل الحديث وهذا سياق قصته.

قال أبو جعفر محمد بن علي، وراق أبي زرعة حضرنا أبا زرعة بما شهران([8])، وهو في السوق أي عند احتضاره وعنده أبو حاتم وابن واره والمنذر بن شاذان وغيرهم فذكروا حديث التلقين لقنوا موتاكم لا إله إلا الله واستحيوا من أبي زرعة أن يلقنوه فقالوا تعالوا نذكر الحديث فقال ابن واره حدثنا أبو عاصم حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح، وجعل يقول ابن أبي ولم يجاوزه فقال أبو حاتم حدثنا بندار حدثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح، ولم يجاوز وسكت الباقون، فقال أبو زرعة وهو في السوق وفتح عينيه حدثنا بندار حدثنا أبو عاصم حدثنا عبد الحميد عن صالح بن أبي غريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله r من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، وخرجت روحه رحمه الله ([9])

ومثل هؤلاء قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30) ومن لاحت له ثمار الجنة هانت عليه مشقة الثبات.

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش

(1) كلية الشريعة – جامعة الكويت.

(2) رواه الإمام أحمد في المسند 3/460 وهو في صحيح الجامع 5496.

(3) رواه أبو يعلي 2/305 وله شواهد وهو في صحيح الجامع 7037.

(4) رواه البخاري انظر فتح الباري 12/315.

(5) رواه ابن ماجه 2/1359 انظر صحيح الجامع 7752.

(6) رواه الإمام أحمد 5/386 ومسلم 1/128 واللفظ له. عرض الحصير: أي تؤثر الفتن في القلب كتأثير الحصير في جنب النائم عليه. مربادًا: بياض شديد قد خالطه سواد مجخيًا: مقلوبًا منكوسًا.

(7) رواه البخاري في كتاب الغزوات باب غزوة الخندق انظر الفتح 7/399.

(8) من قرى الري.

(9) سير أعلام النبلاء، مجلد 13/76، 85.

 


الترف المادي والخواء الروحي

عبد الله بن محمد القاضي

المجتمعات الإسلامية السالفة أو السلف الصالح - كانت تملك رصيداً كبيراً من الطاقة الروحية القوية المنبثقة من قوة الإيمان وكثرة الأعمال الصالحة التي يقدمونها ابتغاء مرضات الله وتأهيلا لأنفسهم لينالوا جنة عرضها السموات والأرض، بعد أن يمن الله عليهم بعفوه ورحمته، ولم يكن لديهم متسع من الوقت لإضاعته في التسلية والترف، فقد وجدوا هذا كله في الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله تعالى من القيام بالواجبات والفرائض وعمل التطوع والنافلة، فكان برنامجهم على مدار العام مليئاً بالأعمال التي تؤهلهم ليكونوا خير أمة أخرجت للناس قال تعالي : ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 120) 

فكانوا يسيحون داخل ذواتهم وأنفسهم يتغذون من الرحيق الروحي الذي ملا قلوبهم وأحاسيسهم ومشاعرهم، فأغناهم عن كل شيء من ملذات الدنيا ونعيمها وزخرفها، وكما قال أحد السلف الصالح: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه - يقصد من السعادة والراحة والاطمئنان في جنب الله وطاعته - لجالدونا عليه بالسيوف فالمؤمن الصادق مع الله والمحب لرسوله الله سعادته في قلبه، وسياحته في قلبه وراحته واستجمامه يجدهما في قلبه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ماذا يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي في صدري، إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة، وذلك لأن قلبه قد امتلا بالإيمان والثقة بالله Uفلا يهمه بعد ذلك ما يفعل به القوم الذين يريدون منه أن يتبع طريقهم، وهم أهل السلطة والخلافة، آنذاك !!

ولما بدأت الطاقة الروحية تضمحل بالتدريج في نفوس الأجيال المتعاقبة من بعد القرون الثلاثة المفضلة، وباتت سوسة» الخواء الروحي تنخر في القلوب المريضة لضعف الإيمان وقلة الأعمال الصالحة وقل فعل الخير وانقاد كثير من الناس لداعي الهوى والشيطان والنفس الأمارة بالسوء بدأ الران يتراكم على القلوب مما كسبوا من الآثام والذنوب والمعاصي وإيثار الدنيا وإغفال الآخرة وتجاهلها، فصدرت القلوب وقست - إلا من رحم الله - فهي كالحجارة أو أشد قسوة، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين:14)

وقد توارثت بعض الأجيال هذه القلوب القاسية إلى يومنا هذا إلا من رحم الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ  قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ (طه: 124-126)

ولما أصبحت القلوب فريسة للران والضنك بات أصحابها يضيقون ذرعاً بالحياة، وقد طوقهم الهم والحزن من كل مكان، فصاروا يفزعون إلى السفر والسياحة للبحث عن الراحة والاستجمام لا يبالون بأي طريق كان من حرام أو حلال فأصحاب الخواء الروحي كالغربيين، وبعض المسلمين يذهبون إلى المصايف والمشاتي والمتنزهات، وينفقون في ذلك أموالاً طائلة ويقترفون من المعاصي، ما الله به عليم، حيث تتبرج النساء ويخلعن الحجاب ويختلطن بالرجال وحيث يوجد انفلات من ضوابط الأخلاق إن وجدت تلك الضوابط. 

ونستخلص من هذا كله أن الخواء الروحي غالباً ما يكون هو الدافع الرئيس للسياحة والاستجمام، والسياحة بصفة عامة مجرد مسكنات كبعض الأدوية لكنها لا تستأصل الداء من جذوره وكلما قل الجفاف الروحي للإنسان المسلم أمكنه البقاء في بلده، والاقتصار على الضروري من الترفيه والتسلية حسب الضوابط الأخلاقية، إذا كان لا بد من ذلك، وعليه أن يحمد الله ويشكره على نعمه التي لا تحصى ولا تعد. قال تعالى: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم34)

المجتمع وليس معنى ذلك أننا نحرم ما أحل الله من الضرب في الأرض والسياحة والتمتع بطيبات ما أحل الله، فقد قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32).

ولكننا نحذر مما قد يصاحب ذلك الأمر من معاص وأنام، ومعلوم أن كل ما أدى إلى واجب فهو واجب وكل ما أدى إلى حرام فهو حرام، وأن الوسائل تأخذ حكم الغايات وعلى المرء أن يختار، وعليه في النهاية أن يتجمل نتيجة اختياره ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة14:)

الرابط المختصر :