العنوان وقفة تربوية: هجر الاستماع.
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1294
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 31-مارس-1998
• وقفة تربوية:
• هجر الاستماع.
عندما يتعلم بعض الدعاة في المعاهد أو الكليات أو الجامعات الدنيوية العلم الشرعي، ويأخذ الشهادات الجامعية في تخصص من علوم الدين، يأتي الشيطان لأحدهم فيوهمه أنه وصل إلى درجة لا يحتاج فيها إلى الاستماع لغيره؛ لأن كل ما يسمعه يعرفه، فلا يشغل وقته إلا بالحديث للآخرين، أو تصدُّر المجالس لإسماع رأيه.
يقول يزيد بن أبي حبيب واصفًا هذا الصنف من الدعاة والعلماء:« إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، وفي الاستماع سلامة وزيادة في العلم، ومن العلماء من يرى أنه أحق بالكلام من غيره، ومنهم من يخزن علمه، ويرى أن تعليمه ضعة، ومنهم من ينصِّب نفسه للفتيا، فلعله يؤتى بأمر لا علم له به فيستحيي أن يقول لا علم لي فيرجم، فيكتب من المتكلفين، ومنهم من يروي كل ما سمع، حتى يروي كلام اليهود والنصارى إرادة أن يغزر علمه[1]»
لابد للداعية من توازن بين الحديث والقراءة والاستماع، وألا يغلب أحدها على الآخر، حتى لا ينتكس الميزان، فإن لكل زيادة في واحد منها أمراضًا متعددة لا يلحظها في بداية الأمر، ولكن من الصعب الخلاص منها عندما تتمكن منه.
أبو خلاد
• الحج عرفة:
كمال محمد درويش
الحديث عن الحج حديث عن نوع من الجهاد، وركن من أركان الإسلام، ومؤتمر المسلمين الجامع، يتلاقون فيه مجردين من كل أصرة، سوى أصرة الإسلام، متجردين من كل سمة إلا سمة الإسلام، عرايًّا من كل شيء إلا من ثوب غير مخيط يستر العورة، ولا يميز فردًا عن فرد، ولا قبيلة عن قبيلة، ولا جنسًا عن جنس.. إن الإسلام يقيم سلوك المسلمين في الحج على أساس المساواة، وأساس الأمة الواحدة التي لا تفرقها سمة من سمات الأرض، إن عقدة الإسلام هي وحدها العقدة، ونسب الإسلام هو وحده النسب، وصبغة الإسلام هي وحدها الصبغة ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [سورة البقرة:138].
والوقوف بعرفة عمدة أفعال الحج، وهو الركن الركين الذي إن فات فقد فات الحج، عن عبد الرحمن بن معمر الديلمي قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: « الحجُّ عرفاتٌ ، الحجُّ عرفاتٌ ، الحجُّ عرفاتٌ . أيامُ مِنى ثلاثٌ فمنْ تعجّلَ في يومينِ فلا إِثْمَ عليهِ ومن تأخّرَ فلا إثْمَ عليهِ ، ومن أدركَ عرفةَ قبلَ أن يَطلعَ الفجرُ فقد أدركَ الحجَّ »(الترمذي:2975) «رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح»
ووقت الوقوف بعرفة من الزوال «الظهر» يوم عرفة.- وهو اليوم التاسع من ذي الحجة - إلى طلوع الفجر من يوم النحر ليخالف هدي المشركين الذين كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس، والذي ورد عن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه دفع بعد غروب شمس يوم عرفة، وقد جاء في حديث جابر بن عبد الله - في صحيح مسلم- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:« فلم يزل واقفًا -يعني بعرفة.- حتى غربت الشمس وبدت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص ..»الحديث
وموقف عرفة موقف رائع عظيم يقفه المسلمون جاؤوا من كل حدب وصوب، وأتوا من كل فج عميق تجردوا من الثياب ولم يتحايلوا بالأنساب اختلفت ألسنتهم وألوانهم وبلادهم، لكنهم اتفقوا جميعًا في شيء واحد هو الإسلام، واتجهوا إلى إله واحد، ودعوا بدعاء واحد... لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
لبيك يا رب الحجيج فقد سعت روحي تطوف بساحة الغفران
لبيك يا رب الحجيج فما انحنى وجهي لغير جلالك الرحمن
لبيك ما أحلى النشيد فإنه لحن الحجيج يفيض بالإيمان
يبتهلون ويلبون فيستجيب الله لهم ويباهي بهم ملائكته
«ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: «انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثًا غبرًا ضاحين، جاءوا من كل فجٍ يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة»، ومن ثم فقد ورد أنه لا يُرى إبليس أحقر ولا أدخر ولا أصغر ولا أذل منه في هذا اليوم لما يرى من رحمات الله تنصب على الواقفين بعرفات.
يا فوز قوم قد أتوا لجنابه فأباحهم منه الرضا والمغنما
قوم على عرفات قد وقفوا وقد باهي بهم ذو العرش أملاك السما
. إذ قال يا أهل السموات انظروا وفدي وكل قد أضر به الظما
أشهدتكم أني غفرت ذنوبهم وعفوت عنهم أجمعين تكرما.
تلك من نفحات الحج وبركات الإسلام، وقد شاءت إرادة الله واقتضت حكمته أن يقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-على عرفة يوم الجمعة وأن يصدر عنه -صلى الله عليه وسلم- آخر بيان يوجهه إلى الأمة يرسم فيه للمسلمين خطوات المنهج ويوضح لهم معالم الطريق ويتنزل عليه آخر إرسال وحي السماء لأهل الأرض، قول الحق سبحانه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).
نعم، كمل الدين وتمت النعمة، ورضي الله لنا الإسلام دينًا، رضيه لنا شريعة ومنهاجًا، ورضيه لنا عقيدة وعملاً، رضيه لنا دينًا ودولة، رضيه لنا مصحفًا وسيفًا، رضيه لنا فكرًا ودعوة، وإن البشرية كلها لتتيه في جاهلية عمياء ما لم تهتد إلى رسالة الإسلام.
لقد كانوا قبل ذلك في ضلال مبين، فقبل الإسلام وبدون الإسلام لا رسالة لهم في الأرض ولا ذكر لهم في السماء.
------------------------------
(1) «جامع بيان العلم 1/166»
-----------------------------
• الأنبياء والمرسلون سادة الشاكرين.
بقلم محمد يوسف الجاهوش
إذا ذُكر الشاكرون فأكرم برسل الله -عليهم الصلاة والسلام.- فهم القادة والسادة، والأسوة والمثل الأعلى في المكارم كلها، وممن وصفهم الله تعالى بالشكر، وأثنى عليهم بذلك سيدنا نوح عليه السلام أول المرسلين بعد آدم -عليهما السلام-، وشيخ أولي العزم من الرسل، وأطولهم في الرسالة عمرًا، وأكثرهم في تبليغها جلدًا وصبرًا، جاهد قومه بالدعوة ألف سنة إلا خمسين عامًا، جهادًا مضنيًا، مقرونًا بالصبر الجميل والشكر الجزيل، لا كلل فيه ولا ملل.
دعا قومه إلى الحق ليلًا ونهارًا، إعلانًا وإسرارًا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا، أعرضوا عن سماع حديثه، وحرصوا ألا يصل إليهم رجع صداه، فما جمعهم به مجلس ولا ندي إلا ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ ( نوح: الآية ٧ ).
وإذا ما غادروا مجلسه ذهبوا يمكرون السيئات، ويدبرون المكايد ويتواصلون بالصبر على آلهتهم، ولم يزده إعراضهم إلا إصرارًا على الحق وتفانيًا في سبيله، جامعًا بين الصبر والشكر. فكان ذلك سبب إنجائه ومن أمن معه من الغرق، واستخلافهم بعد هلاك قومهم.﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (الصافات:٧٧)
ومن شكره -عليه السلام- أنه كان يحمد الله تعالى ويشكره في شأنه كله، سواء في ذلك ما يتعلق بخاصة نفسه ومعاملة ربه عز وجل، أو ما يلقاه من عنت قومه وإعراضهم، فيا لها من خلة حميدة ترضي الخالق عز وجل وتستمطر رحماته وتأييده. روى الإمام مالك في صحيحه:« إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها، فكيف بمن لازم الشكر ملازمة تامة ولم يحد عنه في سراء الأمور ولا ضرائها»
ولقد عرف سيدنا نوح عليه السلام بخصلة الشكر هذه بين المؤمنين من أمم الأرض جميعًا.
ففي حديث الشفاعة الذي رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا قال: «..فيأتون إلى نوح، فيقولون: يا نوح، إنك أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدًا شكورًا، فاشفع لنا إلى ربك...».
ولقد امتن الله تعالى على بني إسرائيل عندما نجاهم من فرعون وملئه أنهم من ذرية من حمل مع هذا النبي الشكور.﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ ( الإسراء:2-3) وإذا ما علمنا كم بين نوح وموسى عليهما السلام من قرون، أدركنا أهمية الشكر وفائدته للشاكرين وذراريهم على امتداد الأجيال.
فكم سعدت ذريات بصلاح الآباء والأجداد ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴾ (الكهف:82).
فهل يعي هذا من يحرصون على جمع الأرصدة وكنزها لمستقبل ذرياتهم، ولا يبالون من أي مصدر كسبوها، ولا بأية وسيلة حصلوها
وهذا - لعمر الحق- هو الرصيد الذي يحرص العقلاء على ادخاره، بل هو الكنز الثمين الذي يزكو على الإنفاق ولا ينفد.
وما من شك في أن الشكر ثمرة من ثمرات التقوى، ومعلم بارز على صدق اليقين، وصدق العبودية الموصلة إلى سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، فالسعيد من تمسك منه بسبب، وكان من أصحاب السهام الوافرة في هذا الخير العظيم.
سيدنا إبراهيم عليه السلام
ويمتد سير الدعوة مع ركب الأنبياء على المنهاج ذاته، فنطالع في سيرة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام من مواقف الثبات في البلاء، والصبر على الضراء ما يأخذ بالألباب ويذهلها، ويلوح شكره لربه في جميع مواقفه وضاحًا أغر.
لقد أتم عليه السلام، ما ابتلي به من كلمات ربه ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(البقرة: ١٢٤)، كما وفي بما عهد إليه الله تعالى وكان وفاؤه مثلًا يحتذى، حكى الله تعالي في كتابه ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ﴾( النجم.٣٧) فتبوأ عليه السلام المنزلة الرفيعة بين أولي العزم من الرسل، اتخذه الله خليلًا، وحصر في ذريته النبوة والكتاب، وهذه ميزة ما حازها سواه، ولا نالها بعده أحد.
ومع جميع هذا الفضل العظيم كان الشكر أبرز سماته وأعلاها، وكان من شكره لنعمة ربه: إغداقها على المحتاجين، وبذلها للطالبين واستقباله للأضياف الطارقين، بل التماسه من يشاركه رزقه وطعامه، فما تناول غداء قط إلا مع ضيف أو زائر، ولا ترك مجالًا من مجالات البر إلا كان سباقًا لبلوغه، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ (النحل آيه :122) أرأيت كيف جاء الشكر بين هذه الخلال الحميدة، والصفات الكريمة يميز صاحبه ويعلي منزلته فهل نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن الشكر جالب كل نعمة، ودافع كل نقمة .
• كن ولا تكن
لاتكن متنكرًا
إن من الأشياء التي انتشرت في هذا الزمان التنكر للجميل، ولا أعلم من أين أتي هذا التنكر؟ أمن نفس قبيحة أم من رائحة كريهة أم من طبع لئيم ينكر الجميل؟ فتجد الطالب مثلًا يتذكر لمعلمه والصديق لصديقه والجار لجاره، وهكذا. وهذا التنكر يرجع غالبًا لسبب هو ترفعه على هذا الذي عمل له الجميل، فتذكر الطالب للمعلم عندما أصبح الطالب أستاذًا في الجامعة مثلًا، ونسي هذا الطالب جميل هذا المعلم الذي لقنه نطق الحروف صغيرًا، والصديق تذكر لصديقه عندما ارتفع عنه مرحلة، والجار كذلك. وهكذا فبئس هذا العمل المشين الذي تمجه الألسن قبل القلوب، ويكرهه الصغار قبل الكبار ولقد جس النبض وأحكم القبض فأجاد وأفاد الإمام الشافعي قائلًا:
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفًا فدعْه ولا تكثر عليه التأسُفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا،
فما كل من تهواه يهواك قلبه ولا كل من صافيته لك قد صفا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة فلا خير في ود يجيء تكلفا
ولا خير في خل يخون خليله ويلقاه من بعد المودة بالجفا
ويذكر عيشًا قد تقادم عهده ويظهر سرًا كان بالامس قد خفا،
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها، صديق صدوق صادق الوعد منصفًا
فهد عبد العزيز الجوعي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل