; المجتمع التربوي.. عدد 1272 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1272

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997

مشاهدات 73

نشر في العدد 1272

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 21-أكتوبر-1997

وقفة تربوية: «يُبَهْ.. وِحْطُبَهْ»

هذه كلمة واحدة من قاموس التحقير والإهانة التي ملئت بها قواميسنا التأديبية لأبنائنا، فإذا ما نادي أمه، وقال: «يمَّه» ردت عليه «وصمَّه»، وإذا أبدى الولد رأيًّا قد يكون مخالفًا لرأي والده أرسل عليه صاروخ أرض «كل تبن»، وإذا ضرب أخاه سمع من يقول له «يا مجرم»، وإذا لم يأت بنتيجة جيدة في دراسته سمع من والديه «يا کسلان.. يا غبي»، أو «فلان أذكى منك».. وهكذا تجري العلاقة بين الوالدين وبين أبنائهما مليئة بالتحقير والإهانة، ونادرًا جدًا ما تظهر كلمة تشجيع، لذلك تستمر هذه المتوالية بعد أن يصبح الأبناء آباء، والبنات أمهات، ويخرج عندنا جيل لا يثق بنفسه، ضعيف الشخصية، حاقد على المجتمع، عدواني السلوك، متسلط لا يحترم والديه، كما يولد في نفسه العقد النفسية التي تجعله يتصرف بالكثير من التصرفات المعوجة، والسبب الرئيسي في هذا النتاج المنحرف هما الوالدان أو أحدهما.

جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- يشكو عقوق ابنه له، فاستدعى عمر ذلك الابن وأنبه على ذلك العقوق ثم سأله عن سبب ذلك، فقال بكل تأدب يا أمير المؤمنين: أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال عمر: بلى، قال: فما هي؟ قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب «القرآن».

فقال الابن يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي ... وقد سماني «جعلًا» -أي خنفساء- ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا.

فالتفت عمر إلى الرجل، وقال له جئت تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

إن معظم النابغين والناجحين في الحياة وصانعيها إذا قلبت صفحات حياتهم، فستجد فيها أبًا أو أمًا كانت تعتمد كلمات التشجيع والابتعاد عن كلمات التحقير طريقًا تربويًّا في تربية أبنائها.. جرب أيها الأب أن تبتعد عن كلمات التحقير واستبدلها بكلمات التشجيع فسترى من النتائج ما يبهرك.

أبو خلاّد

تعقيب على ما نشره الشيخ البلالي
الكرامات والعقل

بقلم: د. محمد علي البار «*»

جاء في مقال الشيخ عبد الحميد جاسم البلالي الذي نشرته المجتمع في عددها رقم «١٢٥٧» الصادر في ٨ يوليو ۱۹۹۷م أن الكرامات التي تصادم العقل يجب رفضها، وذكر على ذلك أمثلة عديدة مما أورده علماء الإسلام الجهابذة من أمثال الإمام الذهبي وابن الجوزي ورد عليهم منكرًا ما أوردوه، ونبدأ فنقول: إن الكرامة هي التقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: 13) وأن الخوارق بذاتها ليست دليلًا على الكرامة فإنها تحصل بالرياضة لغير المسلم والمبتدع والكافر.

يقول الإمام ابن تيمية في كتابه «المعجزة وكرامات الأولياء» اسم المعجزة يعم كل خارقة للعادة في اللغة، وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، ويسمونها الآيات، لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعهما الأمر الخارق للعادة.

ويقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في «الأم» عندما سئل عن معرفة الغيب: «إن النبي لا يعلم الغيب استقلالًا وإنما يعلمه الله ذلك، والولي يتبع في ذلك النبي» وابن حجر العسقلاني في فتح الباري يقول: «والولي التابع للرسول عن الرسول يأخذ وبه يكرم، والفرق بينهما أن الرسول يطلع على ذلك بأنواع الوحي كلها والولي لا يطلع على ذلك إلا بمنام وبإلهام». 

ويتحدث الإمام ابن تيمية في كتابه «المعجزة وكرامات الأولياء» عن صفات الكمال وهي العلم والقدرة والغنى وأنها لله تعالى وحده ولكن الرسول والولي تابع له في ذلك «ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى فيعلم منه ما علمه إياه» ويقدر منه ما أقدره الله عليه، ويستغني عما أغناه الله عنه من الأمور المخالفة للعادة المضطردة أو لعادة أغلب الناس، فما كان من الخوارق من باب العلم فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومنامًا، وتارة بأن يعلم ما لا يعلمه غيره وحيًّا وإلهامًا أو إنزال علم ضروري أو فراسة صادقة، ويسمى كشفًا ومشاهدات ومكاشفة ومخاطبات، فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات والعلم مكاشفة.

دعوةُ مجابة:

«وما كان من باب القدرة فهو التأثير، وقد يكون همة وصدقًا ودعوة مجابة، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه لحال، مثل هلاك عدو بغير أثر منه، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأثار لأوليائي كما يثأر الليث المجرد» «أخرجه البخاري في صحيحه». 

وكذلك ما كان من باب العلم والكشف قد يكشف لغيره من حالة بعض أمور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في المبشرات: «هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له» «متفق عليه» وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في الأرض» «متفق عليه»، وكل واحد من الكشف والتأثير قد يكون قائمًا به وقد لا يكون قائمًا به، بل يكشف الله حاله، ويصنع له من حيث لا يحتسب كما قال يوسف بن أسباط «ما صدق عبد إلا صُنع له» وقال أحمد بن حنبل: «لو وضع الصدق على جرح لبرأ». 

قال ابن تيمية فيما سمَّاه معجزات غير الأنبياء: «وأما المعجزات التي لغير الأنبياء من باب الكشف والعلم فمثل قول عمر في قصة سارية، وإخبار أبي بكر بأن ببطن زوجته أنثى، وإخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلًا، وقصة صاحب موسى «الخضر» في علمه بحال الغلام، والتي من باب القدرة مثل قصة الذي عنده علم من الكتاب، وقصة أهل الكهف، وقصة مريم، وقصة خالد بن الوليد، وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي موسى الخولاني وأشياء يطول شرحها، فإن تعداد هذا مثل المطر وإنما الغرض بالتمثيل بالشيء الذي سمعه أكثر الناس».

نظرة بعين العقل:

ولو نظرنا كما نظر الشيخ الفاضل بعين العقل إلى هذه الكرامات لما استطعنا قبولها فكيف تأتى لأبي بكر -رضي الله عنه- أن يعرف ما في بطن امرأته وقال لعائشة إنهما أختاك، ولم يكن يومئذ من أخت إلا أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، ولم يكن آنذاك أجهزة السونار «الموجات فوق الصوتية» ولا غيرها لمعرفة جنس الجنين، وكيف استطاع عمر وهو يخطب في المدينة أن يسمع سارية وهو في أذربيجان عندما حاصره الأعداء فصرخ عمر: يا سارية الجبل الجبل فسمع سارية ومن معه النداء وهم ألوف فالتجأ إلى الجبل وجابه الأعداء ونصره الله عليهم.

وكيف استطاع أبو مسلم الخولاني أن يدخل النار ويخرج منها سالمًا حتى قام عمر وقُبل ما بين عينيه وقال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من كان مثل إبراهيم عليه السلام «أي في هذه المعجزة فقط» وكيف شرب خالد بن الوليد السم القاتل ولم يضره لتمام توكله على الله عندما تحداه قائد الكفار بذلك، وكيف مشى أبو العلاء الحضرمي في البحر يخوضه هو وجنوده على فرسانهم، وقصة سفينة الذي مشى بين السباع فلم تضره عندما أخبرها أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قص الله علينا في كتابه الكريم قصصًا كثيرة إذا قسناها بعقولنا القاصرة وجدناها غير معقولة، ومن ذلك قصة الذي عنده علم من الكتاب أصف بن برخيا صاحب سليمان -عليه السلام- عندما طلب سليمان -عليه السلام- عرش بلقيس، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، الَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (سورة النمل: 38-40).

فكيف استطاع آصف بن برخيا أن يأتي بعرش بلقيس المحرز من صنعاء باليمن إلى بيت المقدس في فلسطين في أقل من لمح البصر؟!

وهذا العلم الحديث مع ما فتح الله به للبشر لا يصل إلى قلامة ظفر ما فعله آصف بن برخيا.

معجزة الهدهد

وهذا الهدهد وهو طير لا يعقل في نظر البشر يذهب إلى اليمن فيتعرف على حضارة أهلها ويستنكر منهم أن يسجدوا للشمس وقد قص الله علينا قصة ذلك الطير العجيب مع سليمان عليه السلام في أعجب قصة وأغربها قال تعالى حاكيًا عن سليمان: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (النمل: 20-26) فما أعقل هذا الهدهد وما أحكمه وما أوسع علمه بالله!! وأين منه البشر الذين زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون.. نراهم اليوم كما رآهم الهدهد قبل آلاف السنين. «قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة». 

فهل إذا استخدمنا عقولنا البشرية القاصرة وحكمناها في مفهوم الكرامة وأن الكرامة لا بُدَّ أن تكون موافقة للعقل كما يزعم الأستاذ الفاضل عبد الحميد جاسم البلالي - هل نستطيع أن نقبل بعقولنا القاصرة أن طيرًا صغيرًا يعرف هذه المعرفة الواسعة، بل ويقول لسليمان عليه السلام ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ فيقص تلك القصة الفذة العجيبة، ونرى منه من الحكمة والعلم بالله والخشية له ما تتقاصر دونه أعناق كثير من العلماء العارفين.

وهل نستطيع بعقولنا القاصرة أن نقبل أن نملًا صغيرًا يدب في الأرض يعرف قدوم سليمان وجنوده، وتأمر النملة العاقلة الحكيمة قومها أن يبتعدوا عن طريق سليمان وجنوده حتى لا يحطموهم وهم لا يشعرون، فما أعقل هذه النملة وما أحكمها!! ثم انظر إليها وهي تعتذر لسليمان وجنوده؟! واستمع إلى المولى سبحانه وتعالى يقص علينا قصة هذه النملة في سورة سماها الله سورة النمل من كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ، حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ (النمل: 17-18) فما أعجب قصة هذه النملة الحكيمة التي قصها علينا الباري سبحانه وتعالى، وهي قصة لا يستطيع البشر بعقولهم القاصرة أن يدركوها. 

وكم في القرآن الكريم والسنة المطهرة من قصص من هذا النوع، فهذه مريم -عليها السلام- «ولم تكن نبية على أصح أقوال أهل العلم» يأتيها هذا الرزق وهي في صومعتها لا تبرحها، قالوا تأتيها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء حتى تعجب لذلك نبي الله زكريا قال تعالى ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (آل عمران: 37).

ومثلها في ذلك قصة خبيب -رضي الله عنه- عندما أسرته قريش فكان في قيده وأسره يأتيه قطف من العنب وما في مكة، بل وما في الطائف آنذاك حبة عنب، ومولد عيسى -عليه السلام- من مريم بدون أب مخالف تمامًا للعقل البشري بإدراكاته المحدودة، ولو فرضنا أن ذلك استنساخ من مريم -عليها السلام- لكان نسخة مماثلة لمريم ولا بُدَّ أن يكون أنثى.

والباب في هذا واسع جدًّا، والمزلق خطير خطير وهو أن نحكِّم العقل البشري في قبول وتصديق الكرامات «ويسميها ابن تيمية معجزات سواء كانت للنبي أم لغيره من البشر الصالحين».. فما أقصر العقل البشري عن إدراك هذه الكرامات.. والأصل في الكرامة والمعجزة أنها مخالفة للمعتاد وما نسميه معقولًا.. ولهذا فإن الكرامات والمعجزات كلها مخالفة لظاهر العقل والمعتاد وما يتصوره الناس أنه هو الحقيقة بعقولهم المحدودة، ولذا وقع من وقع في رد المعجزات والكرامات، ولذا اتهموا الأنبياء -عليهم السلام- بالسحر لأنهم لم يستطيعوا أن يدركوا قدرة الخالق سبحانه وتعالى؛ حيث أجرى هذه الكرامات والمعجزات على من شاء من خلقه.

معجزات العصر:

والأمر بعد ذلك أيسر بكثير مما نتصور بعقولنا القاصرة، فهذه الاكتشافات العلمية المتتالية أتت بما يعتبر معجزات في الأزمنة السابقة فهل كان أحد يصدق بعقله أن أحدًا من البشر يستطيع أن يتكلم فيسمعه جميع أهل الأرض إذا أرادوا في لحظة واحدة ويستطيعون مشاهدته على التو والفور؟ وها نحن نستطيع أن نشاهد ونتحدث إلى من نريد من أقطار الأرض في اللحظة والتو رغم بعد آلاف الأميال، وهل كان أحد يتخيل أن نرى المركبة «الباحثة عن الطريق «باثفايندر» وهي تتهادى على سطح المريخ على بعد ٧٥ مليون ميل من الأرض بعد لحظات من هبوطها ونرى دبيبها على صخرات المريخ بعد دقائق معدودة من فعلها ذلك العجيب!! وقد جعل العلماء الذين يتابعون تلك الرحلة أمرًا مشاهدًا ممكنًا لجميع البشر في جميع أصقاع الأرض بواسطة البث التليفزيوني فهل يعقل هذا؟ وكيف قطعت الصور هذه المسافة المهولة «٧٥ مليون ميل» في ثوان معدودة؟ إنه أمر لا يعقل!! أليس كذلك أيها الشيخ الفاضل؟ 

«*» مستشار الطب الإسلامي بمركز الملك فهد للبحوث الطبية ـ جامعة الملك عبد العزيزـ جدة. 

تصديق الكرامات جزء من عقيدتنا

  ردَّ على التعقيب: عبد الحميد البلالي

بادئ ذي بدء فإني أكن لأستاذنا الكبير والأخ الحبيب د. محمد على البار تقديرًا كبيرًا ومعزة عظيمة، وحبًا في الله، أسأل الله أن يكون سببًا في جمعي وإياه على سرر متقابلين في الجنة يوم القيامة، وذلك بسبب جهوده الطيبة في مجال الدعوة إلى الله من خلال تسخير علمه الطبي لخدمة الإسلام، فكم استفدنا في محاضراتنا وخطبنا ومناقشاتنا، وبحوثنا من كتبه ودراساته العلمية في هذا المجال، ونسأل الله أن يكون ذلك كله لله تعالى.

بمقدار ما سررت لتعقيب أخي الفاضل د. محمد علي البار على خواطري في الضوابط الشرعية لانتقاء النقول، بمقدار ما صدمت لفهمه غير ما أردت لبعض ما جاء في هذه الخواطر، فقد بنی رده كله على اعتبار أنني أرفض الكرامات التي تصادم العقل وما قصدت هذا الأمر أبدًا.

أخي الحبيب د. محمد: 

كيف أرفض تصديق الكرامات وهي جزء من عقيدتنا السلفية التي ندين بها كما ذكر صاحب العقيدة الطحاوية «ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم».

بين الكرامة وهمة العبادة: لا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بين الكرامة -وهي الأمر الخارق للعادة- وبين الهمة في العبادة، ولم يقل أحد أن هذه نفس هذه، فالهمة بالعبادة يستطيعها كل إنسان بقدر همته، بينما الكرامة لا يختارها الإنسان ولا يستطيعها باختياره.. وواضح من سياق الروايات ما كان يقصد به الكرامة وما كان يقصد منه همة العبادة، ولعل هذا الأمر قد التبس على الأخ الفاضل د. محمد علي البار. 

أمثلة من الكرامات: لقد ساق الأخ الفاضل د. محمد علي البار جملة من الكرامات نقلها عن شيخ الإسلام في كتابه «المعجزة وكرامات الأولياء» فهذه الكرامات نقبلها حتى وإن عارضت عقولنا إن كان إسنادها صحيحًا.

متى تردّ الكرامة؟

للكرامة شروط كما ذكرتها في مقالاتي نقلًا عن فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية في ج۱/۳۸۸ رقم الفتوى «۹۰۲۷» من أبرزها.

١- أمر خارق للعادة.

۲ - يجريها الله على يد عبد من عباده الصالحين الأتقياء.

٣- لا يملك العبد الصالح أن يأتي بها إذا أراد.

٤- لا يمكن معارضتها.

فليس من شروطها أنها تكون موافقة للعقل، ولم أقل بذلك في أي عبارة من عبارات الدراسة، بل إنها ترد طبقًا لتعارضها مع الشروط السابقة، فالأمر الذي ليس خارقًا للعادة لا يسمى كرامة. 

وإذا أجري هذا الأمر الخارق للعادة على يد الدجالين والفسقة، وممن لا يصلون، ويعملون المعاصي والكبائر، فهذا من باب السحر والتعامل مع الجن، كما أنها لا تسمى كرامة.

ذكرت في الدراسة تسع عشرة ترجمة معظمها للتابعين وبعضها للصحابة -رضي الله عنهم-، أربع عشرة ترجمة منها كانت تختص بروايات تبين همتهم في العبادة، والتي منها كثرة ختمهم للقرآن الكريم، وكثرة صلاتهم للنوافل، وكثرة تسبيحهم، وعن عدم أكلهم للطعام، وعدم سؤالهم الله الجنة، وعدم نومهم، بينما توجد خمس تراجم فقط لها علاقة بالكرامة سنتحدث عن كل واحدة منها فيما بعد.

متى استخدمت العقل شرطًا؟

معتقدنا أنه إذا تعارض النقل الصحيح والعقل الصريح فإننا نقدم النقل على العقل ولكن هذه القاعدة تختص بما جاء في كتاب الله والسنة الصحيحة وليس في السير والتراجم، وواضح من الدراسة أنني استخدمت العقل شرطًا في قبول النقل فيما يختص بالروايات التي تتحدث عن هممهم في العبادة والتي لم يثبت سندها.

روايات الكرامات:

وكما ذكرت أنفًا فإن في جميع التراجم التي ذكرتها في الدراسة لم توجد إلا خمس تراجم كانت تختص رواياتها بالكرامات وهي كالتالي:

١- أبو معاوية الأسود وذلك ما جاء عنه في صفة الصفوة «٤/٢٧٢» عن أبي حمزة نصير بن الفرج الأسلمي، وكان خادمًا لأبي معاوية الأسود قال: كان أبو معاوية قد ذهب بصره، فكان إذا أراد أن يقرأ فتش المصحف وفتحه فيرد الله عليه بصره، وإذا أطبق المصحف ذهب بصره جاء» في سير الأعلام للإمام الذهبي ۹/۷۹ سرد الرواية السابقة بصيغة التضعيف، حيث قال «قيل إنه ذهب بصره، فكان إذا أراد التلاوة في المصحف أبصر بإذن الله»، بالإضافة إلى أننا عندما نطبق على هذا النقل شروط الكرامة، نجدها تخالف ما ذكره العلماء بأنها تأتي من غير إرادة منه.

٢- أبو أيوب السختياني: فقد أورد الإمام الذهبي في سيره ٦/٢٣ عند ترجمته للتابعي الجليل أبو أيوب السختياني ما ذكره عبد الواحد ابن زيد كنت مع أيوب السختياني على حراء، فعطشت عطشًا شديدًا، حتى رأى ذلك في وجهي، وقلت له: قد خفت على نفسي، قال: تستر علي؟ قلت: نعم، فاستحلفني، فحلفت له ألا أخبر أحدًا مادام حيًّا، فغمز برجله على حراء، فنبع الماء، فشربت حتى رويت، وحملت معي من الماء، ثم يقول الذهبي معلقًا على هذه الرواية «لا يثبت هذا» ويعقب محقق السير الشيخ شعيب الأرناؤوط على هذه الرواية بقوله: «إسناده مسلسل بالضعفاء» وعبد الواحد بن زيد متروك.

٣ـ إبراهيم التيمي: ما أورده الإمام الذهبي في السير٥/٦١ «عن أبي أسامة قال: سمعت الأعمش يقول: قال إبراهيم التيمي: ربما أتى على شهر لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا، لا يسمعني هذا منك أحد، وقال: ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب». 

وكما ذكرت في الدراسة فإن ذلك حتى لو اعتبر كرامة فإنه مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن الوصال في الصوم كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم، حيث ذكر في الحديث الذي رواه البخاري ٤/١٨١ «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» وكان يقول لأصحابه عندما يسألونه عن سبب وصاله للصوم «لست كهيئتكم إني أبيت، وفي رواية إني أظل» عند ربي يطعمني ويسقيني، البخاري ٤/١٧٩، يقول الإمام ابن حجر في الفتح ٤/٢٠٤ «واستدل بمجموع هذه الأحاديث على أن الوصال من خصائصه صلى الله عليه وسلم وعلى أن غيره ممنوع منه إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر».

٤ـ مطرف بن الشخير وأورد صاحب حلية الأولياء ۲/۲۰٥  في ترجمته للتابعي مطرف ابن الشخير «كان مطرف بن عبد الله بن الشخير يبدو فإذا كان ليلة الجمعة، أدلج على فرسه، فربما نور له سوطه، فأدرج ليلة حتى كان عند القبور، هوم على فرسه، قال: فرأيت أهل القبور صاحب كل قبر جالسًا على قبره، فلما رأوني قالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة» فقد تكلم الكثير من العلماء والثقات بأن إيقاد سوط التابعي مطرف كان كرامة، وقد ساق الإمام الذهبي هذه الرواية من غير تعليق، ولكن البعض ظن أن قيام الموتى على قبورهم عند مقدم التابعي مطرف للقبور جزء من الكرامة بسبب عدم معرفتهم بمعنى كلمة «هوم على فرسه» والتي تعني أنه نام نومًا خفيفًا، أي أنه رأى ذلك في المنام، وليس على الحقيقة.

٥ـ ثابت البناني: ومما أورده الشيخ اللكنوي في إقامة الحجة ص ٧١ ما جاء عن سنان عن أبيه قال: «أنا والله أدخلت ثابتًا -أي البناني- لحده، ومعي حميد الطويل أو رجل آخر غيره، فلما سوينا عليه التراب سقطت لبنة، فإذا هو قائم يصلي في قبره، فقلت للذي معي: ألا ترى؟ قال: اسكت، فلما سوينا عليه التراب أتينا ابنته، فقلنا لها: ما كان عمل أبيك؟ فقالت: وما رأيتم؟ فأخبرناها، فقالت: كان يقوم الليل خمسين سنة، فإذا كان السحر قال: اللهم إن أعطيت أحدًا من خلقك الصلاة في قبره، فأعطنيها، فما كان الله ليرد ذلك الدعاء».

أورد الإمام الذهبي في سير الأعلام ٥/٢٢٢ قول حماد بن سلمة قال «كان ثابت يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره فأعطني الصلاة في قبري»، ثم عقب على ذلك في صيغة التمريض والتضعيف في لغة الحديث؛ حيث قال: فيقال: إن هذه الدعوة استجيبت له، وإنه رؤي بعد موته يصلي في قبره فيما قيل».

في الختام: أشكر د محمد علي البار على ملاحظته وأرجو المغفرة من الله إن وقعت في الخطأ. 

كلمة إلى الدعاة: من مقومات النجاح في تكوين الداعية

بقلم: د. علي بادحدح

إن الداعية الحق شخصية متميزة فهو كالمنارة الهادية من بُعد لمن ضل أو حار، وهو كالظل الوارف لمن لفحه حر الشمس والمسير في الهجير، وبالتالي فهو نقطة تجمع بالنسبة للمدعوين، ولذا فإنه يحتاج إلى أن يتحلى برحابة الصدر وسماحة النفس ليستوعب الناس ويستميلهم للخير والحق فالناس بحاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا.

الأسوة الحسنة: وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت حياته مع الناس، ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الحياة، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه، نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة والرحيبة. 

اختلاف الناس: والناس مشاربهم شتى، وسلوكياتهم متباينة، واحتياجاتهم كثيرة، واستفزازاتهم مثيرة، وهذا لا بد أن يقابله الداعية بالاحتمال، لأن الاحتمال - كما قيل- قبر المعايب.

وهذه الخصيصة مهمة في تكوين الداعية، يحتاج أن يجتهد في اكتسابها لأنها وقود محرك له في دعوته كما أنها ترفع كفاءة القبول، وتكبح جماح الانفعالات النفسية ذات الآثار السلبية، وتتجلى هذه الخصيصة في عدد من الخلال توضحها وتبين أثرها ومن أهمها:

أولاً- الرحمة والشفقة: إن الداعي لا بد أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس، وإرادة الخير لهم والنصح لهم، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى فهو يحب ذلك لهم أيضًا، وهذا الشعور الغامر بالشفقة على الناس يبعث في النفس الحزن والأسى على حال المعرضين والعاصين، ويتولد إثر ذلك قوة نفسية دافعة لاستنقائهم من الخطر المحدق بهم، وما أبلغ وأدق النص القرآني في بيان هذه الصفة عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (الكهف: 6) وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (سورة الشعراء: 3) فهذه نفس الرسول صلى الله عليه وسلم ملئت رحمة وشفقة على هؤلاء، حتى كاد يهلك نفسه وهو يدعوهم ويحرص على هدايتهم، ثم يخالط مشاعره الحزن عليهم والأسى لهم.

إن الداعية ينظر إلى المدعوين نظرة الطبيب إلى مرضاه، يرحمهم ويشفق عليهم لعلمه بدائهم وخطورته، ويتلطف في علاجهم، وإن رأى منهم عزوفًا عن الدواء لصعوبته أو مرارته هاله الأمر واحتال بكل الطرق لتوصيل الدواء، وإقناعهم بضرورة تناوله، ولا يمكن أن يتركهم وشأنهم بحجة أنهم هم المفرطون، وهكذا فإن الداعي الرحيم لا يكف عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة، وأن إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم، فالرحمة -كما ترى- باعث دافع ومحرك للدعوة استنقاذًا للناس من الهلاك، وهي في الوقت نفسه عامل استمرار وإصرار وتوسيع لدائرة الاستيعاب والتأثير رغم الصد والإعراض.

ولا ينبغي أن تفهم الرحمة على أنها لين وتهاون، بل تأتي الرحمة أحيانًا كثيرة في ثنايا الحزم وفي أعطاف الشدة التي تهدف لصالح المدعو، كما قد يشتد الطبيب مع مريضه الذي لا يدرك خطورة مرضه وعظمة الخطر في ترك التداوي أو التقصير فيه، فليست الرحمة حنانًا لا عقل معه، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام، كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعًا.

يوم أحد:

وفي يوم أحد عندما شج وجهه الشريف، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وبينما الدم يسيل على وجهه يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

ثانيًا- الحلم والأناة: في مسيرة الدعوة تمر بالداعية أحداث مثيرة، وأفعال مستفزة والناس -باختلاف طبائعهم- تختلف مواقفهم إزاء المثيرات التي تعمل على دفعهم نحو الرعونة والطيش، فمنهم من تستخفه التوافه فيستحمق على عجل، ومنهم من تستفزه الشدائد فيبقى على وقعها الأليم محتفظًا برجاحة فكره وسجاحة خلقه، والحلم فضيلة خلقية نافعة.. تقع في قمة عالية دونها منحدرات، بخلاف العجلة فإنها تعرضه للكثير من الأخطاء والإخفاق، وتعرضه للتعثير والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضًا يعرض للتخلف والحرمان من تحقيق النتائج التي يرجوها، وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشج فقال: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». 

ثالثًا- العفو والصفح: ومن مستلزمات الحلم الذي فيه كظم الغيظ وضبط للغضب، ثم الأناة التي فيها تبصر بالأمور وتأن في التصرف، مع الاستناد للرحمة بالجاهلين، كل ذلك يثمر العفو والصفح، لأن القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبدأ إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطغان، وما دام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فإنه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ(سورة الأعراف: 199).

وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فإن عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع، قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ (آل عمران: 159).

وعندما وقعت حادثة الإفك، كان وقعها على آل أبي بكر شديدًا، فلما نزلت البراءة حلف أبو بكر -رضي الله عنه- ألا ينفق على مسطح بن أثاثه فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 22).

والداعية الذي يهدف إلى استمالة القلوب وهدايتها لا يقسو لأن القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة، وهذا أمر مشاهد؛ حيث نرى أن من كان سمح النفس يستطيع أن يظفر بأكبر قسط من محبة الناس له، وثقة الناس به، لأنه يعاملهم بالسماحة والبشر ولين الجانب، والتغاضي عن السيئات والنقائص، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح كان في نصحه رقيقًا لينًا. 

وبعض الدعاة ممن لا يتحلون في أنفسهم بهذه السمة تجدهم يندفعون مع أدنى خطأ أو أقل عثرة، وإذا بهم يدعون بالويل والثبور وعظائم الأمور، وكثيرًا ما يواجهون الناس بالأحكام الدامغة الخطيرة من الفسق أو الابتداع أو التساهل ونحو ذلك، وهؤلاء كثيرًا ما يستزلهم الشيطان بهذه الحمية الزائفة التي لا تأتي في موضعها الصحيح، والشيطان ينفخ في حميتهم بأن الحق أحق أن يتبع، وبعض هؤلاءة-وللأسف-  يندفعون أحيانًا خوفًا من أن يتهموا بعدم الغيرة أو التميع والتساهل، ولا يفهم من قولي أن كل فاعل لذلك مذموم، ولا أن كل موقف يقتضي الحلم واللين فقد أشرت فيما سبق إلى ما ينقض هذا الفهم ولكني أنوه إلى صور في الواقع ناشئة من أفهام قاصرة وممارسات خاطئة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1041

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 32

129

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الجهاد ماض إلى يوم القيامة