; وقفة مع: د. عبد الله رشوان في مرافعته عن تنظيم الجهاد | مجلة المجتمع

العنوان وقفة مع: د. عبد الله رشوان في مرافعته عن تنظيم الجهاد

الكاتب خالد إدريس

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1984

مشاهدات 72

نشر في العدد 667

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 17-أبريل-1984

  • د. رشوان: إعدام ٢٩٩ مسلمًا مسؤولية جسيمة تقع على عاتقنا جميعًا.
  • رجال النيابة والمباحث سجلوا ما يروق لهم من التهم.
  • الدفاع يطلب سماع شهادة أصحاب السلطة مع السادات.
  • المتهمون: نتشرف بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم إلى حكم إسلامي.
  • ورم سرطاني استشرى في مصر منذ تسلق عبد الناصر كرسي الحكم.

تعتبر قضية الجهاد من أخطر وأكبر القضايا التي شهدتها محاكم أمن الدولة في مصر، بل وفي العالم الإسلامي قاطبة. يبلغ تعداد المتهمين في هذه القضية «۲۹۹» شابًا مسلمًا وظاهر التهمة تتضح من خلال تعبير المتهم أسامة حافظ الذي أعطته المحكمة الفرصة، فقال إننا متهمون بتغيير نظام الحكم إلى حكم إسلامي ويا لها من تهمة شريفة نتشرف بها جميعًا.

كان شاهد النفي الشيخ صلاح أبو إسماعيل قد أدلى بشهادة مستفيضة بين خلالها العديد من الأوجه الهامة حول القضية مبينًا حكم الله والشريعة الإسلامية السمحاء، وحقيقة الجهاد والأوضاع السياسية المنافية لتعاليم الإسلام والتي يكون نتاجها الطبيعي بعد الضغط والإرهاب والتضييق أي مسلك يعبر عنه الشباب المسلم المتحمس وشهد بنفي التهم الملقاة على شباب تنظيم الجهاد وكانت في عمومها شهادة حق بليغة وشافية تناقلتها العديد من دور الإعلام بالنشر والإشادة.

  • الدفاع... النيابة

أكد الدفاع أن التحقيقات جرت مع المتهمين ومعظمهم بين مصاب أو مساق إلى التحقيق وهو في حالة نفسية وعصبية بالغة السوء، وفي زمان ومكان يبعثان في النفس الخوف. ذلك أن التحقيقات جرت في أكاديمية الشرطة بعيدًا عن سراي النيابة وكانت تستمر مع بعضهم لساعات طوال يصاب خلالها المتهم بالإرهاق فيؤدي إلى فقدانه اتزانه ويحرمه فرصته في التفكير والتروي وإعداد الأجوبة المناسبة التي تحقق صالحه مما يقضي ببطلان التحقيق والاعترافات المسندة للمتهمين لأنها وليدة إكراه حيث لا يمكن القول بأن الاعترافات المنسوبة إليهم قد صدرت عنهم طواعية واختيار.

أما النيابة العامة فلم يجد ممثلها من الاتهامات ما يوجهه، فلجأ إلى التخبط يمنة ويسرة ضاربًا بالأدلة والإثباتات عرض الحائط وقد ورد على لسانه: إن السجن حضرات المستشارين له نظم ولوائح تحكمه لا يمكن أن تخضع لهوى المودعين به، ولا يمكن أن يغض النظر عن التجاوزات التي تدور بداخله من نزلاء. فعلى هؤلاء النزلاء أن يلتزموا بما توجبه النظم واللوائح، وألا يفتعلوا المشاكل مع سجانيهم من ضباط وجنود -انتهى- ولكن هل سألت النيابة نفسها أن كان ضباط السجون قد التزموا بهذه اللوائح أم لا. ثم كيف يفتعل السجناء المعذبون الضعاف داخلأقفاص الزنزانة المشاكل للسجانين أصحاب القوة والجبروت؟

ولم تجد النيابة ما تنفس به عن امتعاضها لشهادة الشيخ صلاح أبو إسماعيل وبموضوعية إلا أن تقول: لقد هالنا ونحن نستمع إلى شهادة الشيخ صلاح أبو إسماعيل أنه نصب من نفسه مفتيًا وقاضيًا، وأنه وحده دون غيره في هذا البلد صاحب المواقف الوطنية والقوية، فيهاجم مجلس الشعب وخطواته نحو تقنين الشريعة الإسلامية مدعيًا أنه وحده داخل المجلس الذي يطالب بها ويهدد ويتوعد بغضبة وتهديده بترك المجلس، بل أخذيتناول بعض علماء الدين بالغمز واللمز ويخطئهم ويعترض على رأيهم، كما تحدث الشاهد عن الثورة المصرية فلم يسلم أبطالها من لسانه وأثنى على جماعة الإخوان المسلمين ثناء يوحي إلى من يسمعه بأنه منهم ويسير على دربهم. انتهى.

  • د. عبد الله رشوان يرافع

د. عبد الله رشوان أستاذ الدراسات الإسلامية ونظام الحكم والقانون الدولي والعلوم السياسية أحد طلائع الحركة الإسلامية ورائدًا من رواد الحركة السياسية المعاصرة في مصر منذ قبيل قيام ثورة يوليو وحتى وقتنا الحاضر.

امتدت مرافعة د. رشوان عن تنظيم الجهاد بما يقارب «الثلاثون» ساعة، وقد اعتبرت في مصاف المرافعات التاريخية بما تضمنته من حقائق قوية ودامغة في المسائل العقائدية والدينية السياسية أعطت الشباب المسلم حقه وقيمته، ووضعت الحكومات المصرية المتعاقبة أمام مسؤوليتها بالتفنيد ووضعها تحت المجهر الإسلامي مبينًا ممارساتها الخاطئة وإشاعاتها المغرضة لصالحها وضد دعاة الإصلاح.

بدأ الدكتور رشوان مرافعته قائلًا: «السيد الرئيس حضرات المستشارين تفضل المحامون زملائي بتقديمي لأفتتح المرافعات في الجانب العام الديني والقانوني والسياسي في أكبر وأخطر قضية في تاريخ مصر وفي تاريخ القضاء المصري قضية خطيرة مطلوب فيها أقصى عقوبات، ۲۹۹ رقبة يراد قطعها وإن كان المطلوب قطع هذه الرقاب في سبيل الحق أم في سبيل الشيطان فإن مسؤولية جسيمة تقع علينا جميعًا. ونأمل ونحن نتحدث في البداية أن تظهر الحقائق وأن يسود العدل بعد غياب طويل».

«والادعاء هو وليد حرية القهر والضغط على الناس وعلى الشعب لأكثر من ثلاثين عامًا، فهو يحتاج إلى رد مفصل بكل الحقائق والوقائع التي تدمغه وتضعه في حجمه الحقيقي والدعوى متشابكة الجذور والفروع دينًا وقانونًا وسياسة بما يحتاج إلى بيان وتأصيل، والادعاء سار بالدعوى على غير طبيعتها ونهج بها غير سبيلها وصولًا إلى أهداف أبعد من مجرد العقاب على جرائم تقع مثيلاتها في حياة الناس فأصبح الأمر يستدعي رد الدعوى إلى طبيعتها وإرجاع الوقائع إلى حجمها».

  • المتهمون خيرة أبناء هذا الشعب.

ويستمر د. رشوان قائلًا: «حضرات المستشارين فوج جديد من الشباب الإسلامي بعد أفواج سابقة على الطريق عناصر تعلقت بالمثل العليا ليسوا من الإجراميين أو الوصوليين أو النفعيين وأفواج بعدهم على الطريق ووراء القضبان براعم صغيرة تهتف كلنا مسلمون على الدرب إنهم خيرة أبناء هذا الشعب وليست المسألة مجردتهم خطيرة وعقوبات قاسية بل لا بد من الإحاطة الشاملة بكل ظروف المتهمين وأهدافهم وبواعثهم ونهجهم وصولًا إلى أدلة وقرائن الأدلة أو البراءة أو حتى تحديد العقاب بالتخفيض أو التشديد إن التهمة التي وجهتها النيابة إلى المتهمين بمحاولة قلب نظام الحكم لیست إلا للإيقاع برقابهم جميعًا، ولولا هذه التهمة لما كان كثير منهم في القفص اليوم».

  • تفنيد الاتهام

وحول تفنيد تهم النيابة ذكر المحامي الدكتور عبد الله رشوان: «تقوم هذه القضية على ركائز منها أهداف المتهمين وأهدافهم جزء من أركان الجرائم وكل الأوراق والتحقيقات والاعترافات منبثقة من التعذيب ولا يوجد في الأوراق شيء وقع من المتهمين يخرج عن تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة الإسلام.

ومنها إرادة التغيير ومناهضة أوضاع معينةفي قرار الاتهام تقول النيابة بتشكيل جزء وتكوين عصابة مسلمة بقصد الاستيلاء على ذهب وقد نسبوا للمتهمين هدف تغيير أمور أربعة: دستور الدولة شكل الحكومة قلب نظام الحكم ومناهضة نظام الحكم الاشتراكي ولا شيء في الأوراق عن هذه الأمور إطلاقًا النيابة والمباحث- هم الذين قالوا ذلك لأنهم لا يعرفون أمور الإسلام ولا شيء عن الشريعة الإسلامية»

«والحقيقة أن المتهمين لم يناهضوا أوضاعًا معينة، بل أكدوا أوضاعًا معينة فهم أرادوا تأكيد تطبيق الشريعة الإسلامية وهي المنصوص عنها في الدستور، بل الركيزة الأولى فيه والمتهمون يطالبون بهذا المبدأ.

 أما الركيزة الثانية مبدأ الحريات العامة وحقوق الإنسان والمتهمون لم يناهضوا هذا المبدأ.

 أما الركيزة الثالثة فهي سيادة القانون وأن الجميع يلتزمون بهذا المبدأ فلا يوجد دليل في الأوراق بأن هؤلاء المتهمين أرادوا تغيير أو مناهضة هذه المبادئ، بل العكس هو الصحيح فهم أرادوا تأكيد هذه المبادئ كما يريدون تأكيد النظام الاشتراكي الصحيح القائم على الشريعة الإسلامية، أما إن كنتم تريدون النظام الاشتراكي الفاسد القائم على الدكتاتورية والمحسوبية والانحراف فلا أحد يطلب ذلك أو ينادي به»

«هناك شيء دخيل في حياتنا فيه كل مفسدة وتحطيم لمقومات الشعب وكل فشل ونكبات ومحن ورم سرطاني خبيث في مارس سنة ١٩٥٤م منذ اللحظة التي تسلط جمال عبد الناصر وصعد على كرسي الحكم وهو الآن في ذمة الله ونحن اليوم أمام ۲۹۹ متهمًا يراد أن تقطع رقابهم وهذا الورم السرطاني موجود في مصر حتى اليوم، ولكنه يتشكل ويتبدل»

  • مصداقية الدفاع

أورد د. عبد الله رشوان في مرافعته طلبًا قوي الدلالة على مصداقية دفاعه، وبدافع البرهان على براءة موكليه فطلب أولًا بتطبيق مواد قانون العقوبات الخاصة بحق الدفاع الشرعي. ثم طالب بإعلان عدد من شهود النفي يهم الدفاع سماعهم من بينهم بعض الشخصيات الهامة التي كانت بجوار الرئيس الراحل أنور السادات لسؤالها عن مشاركتها في قرارات التحفظ على المواطنين في سبتمبر ۱۹۸۱م والتي كانت السبب المباشر في أحداث ٦ و٨ أكتوبر ۸۱م وما بعدها وهي محل الاتهام في الدعوى.

فطالب بسماع شهادة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر وسؤاله في موضوع الجهاد كفرض وموضوع الطاعة للحكام وما هي شروطها. ومحمد النبوي إسماعيل وزير الداخلية السابق لسؤاله عن قرارات التحفظ ومن الذي أبلغها له وصوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب لسؤاله عن تأخير مشروعات القوانين المنفذة للشريعة الإسلامية واللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية الأسبق وكمال الدين حسين وخالد محي الدين وحسين الشافعي وعبد اللطيف البغدادي أعضاء مجلس الثورة السابقين وسؤالهم عن مبادئ ٢٣ يوليو وهل نظام عبد الناصر والسادات وشكله يتفق مع الهدف الذي قامت به الحركة والدكتور إبراهيم درويش عضو لجنة دستور ١٩٧١م وكيف وضع مشروعه والعقيد محسن السرساوي مأمور سجن ليمان طرة المشرف على قرار التحفظ لسؤاله عن كيفية تنفيذه.

وقد قرأ د. رشوان للمحكمة نص وثيقة موقعة من الرئيس الراحل عبد الناصر ومنبثقة من لجنة رأسها زكريا محي الدين رئيس الوزراء الأسبق بشأن القضاء على الإخوان المسلمين.

وهكذا تناول د. عبد الله رشوان المحامي في مرافعته التاريخية الشاملة العديد من القضايا الهامة في السياسة المصرية الحديثة مصطحبًا الوثائق والبراهين وكيف أنه أبان الادعاءات الكاذبة للرئيسين السابقين عبد الناصر والسادات والبطولات الزائفة حول ثورة ٢٣ يوليو وقد شرح كيفية ابتعادهما عن الساحة ساعة الخطر.

وستظل المرافعة وثيقة تاريخية لكل طالب حقيقة، وساعي لمعرفة صاحب الحق وما كان يجري وراء الكواليس، ومن الذي ثبت ومن الذي هرب عند المعترك ومن هو المجرم الحقيقي الذي ينبغي أن يحاكم وكيف تبدلت الموازين وانقلبت المعايير وجرت المؤامرات على الدعاة المصلحين ومن الذي لعب بمصير الشعبالمصري المسلم وكيف.

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (الشعراء: ٢٢٧).

الرابط المختصر :